شرح كتاب التوحيد 299

شرح كتاب التوحيد 299

الدرس في شرح كتاب التوحيد 299، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحليل حديث الكرسي وسنده

يناقش المقطع حديث «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» من حيث سنده وصحته، ويبين احتمالين لراوي الحديث ابن زيد مما يؤثر على الحكم على صحة الحديث. يبين أن الحديث رغم ضعف سنده يمكن أن يكون في درجة الشواهد.

مفهوم الكرسي وحجمه مقارنة بالسماوات والعَرْش

يشرح المقطع مفهوم الكرسي في الإسلام ويبين حجمه الهائل مقارنة بالسماوات السبع، ثم يقارنه بالعَرْش مستندًا إلى أحاديث نبوية. يشبه حجم السماوات السبع في الكرسي بدراهم سبعة في ترس، وحجم الكرسي في العرش بحلقة في فلاة.

دلالة عظمة الكرسي والعرش على عظمة الخالق

يشرح المؤلف عظمة الكرسي والعرش مستدلاً بآثار نبوية، ويبين أن الكرسي والعرش أمران حسيان وليسا معنويين. يشدد على أن عظمتهما تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى.

ختام الدرس والصلاة على النبي

المقطع يشير إلى انتهاء الدرس والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر احترام وتقدير للنبي وآله وصحبه. يُنهي الكلام بالتأكيد على العلم الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ابن زيد حدثني أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر، والذي رواه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره. وهذا الأثر الذي أورده لنا المؤلف رحمه الله تعالى بإسناده، فقال: حدثنا ابن جرير، قال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأولى مسائل الكلام على هذا المقال الذي ذكره لنا المؤلف رحمه الله تعالى أولًا النظر في صحته. والمؤلف رحمه الله تعالى أورد لنا الإسناد، وكما قال العلماء: «من أسند فقد أحال». وهنا مما يعكر على هذا الإسناد ما جاء في قول القائل الراوي: «قال ابن زيد، قال أبي». وهنا ابن زيد، كما قال العلماء، هو عبد الرحمن ابن زيد ابن أسلم، وهذا الراوي متكلم فيه، حتى قيل بأنه متروك الحديث، ومن قال: هو واهي الحديث، وفطعن فيه شديدًا. وأيضًا قال: «حدثني أبي، قال: قال رسول الله»، ومن أبوه؟ أبوه زيد بن أسلم، وزيد بن أسلم لم يسمع من رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالرواية عندي مرسلة. إذن، لهذا الأثر من ناحيتين: من ناحية ضعف الراوي، ومن ناحية انقطاع السند. ولهذا جنح من جنح من أهل العلم إلى عدم التعويل على هذا الإسناد. لكن بالمقابل، هناك تخريج آخر لهذا الإسناد، وبه يمكن أن نرفع من درجة التقوية لهذا الأثر، وهو أن ابن زيد هاهنا هو ليس الذي ذكرناه، وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والذي هو متروك الحديث، بل يحتمل أنه راوٍ آخر. ومن هذا الراوي الآخر الذي يحتمل أن يكون هذا منزلته وهنا موطنه، أشار الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة أن الراوي هاهنا هو أن يكون هو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذا هو الراوي، وهذا الراوي إذا قلنا أن هذا هو ابن زيد، فهذا ثقة. بخلاف عبد الرحمن بن زيد، هذا عمر بن محمد بن زيد، هذا ثقة، وهذا عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله يروي عن أبيه، وأبوه هو محمد بن زيد، وهو كذلك ثقة، يروي عن أبيه، وأبوه محمد بن زيد، وهو ثقة. لذا، فعلى هذا الإسناد الثاني، وعلى هذا التخريج، فعندي إذا الإسناد عن ابن زيد عن أبيه، ابن زيد يحتمل أنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فهذا متروك، ويحتمل أنه عمر بن محمد بن زيد ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هذا ثقة. ولهذا سيختلف الحكم على التخريج الأول عن التخريج الثاني. ولهذا فالصحيح أن هذا الأثر هو في الشواهد. ننظر إلى هذا الأثر والشواهد، لأنه مرسل، ولو قلنا أنه عن طريق الراوي الثاني الثقة، لكن أباه لم يسمع من رسول الله، فلا يزال في عداد المراسيل، لكنه كذلك أحسن وأنظف إسنادًا من الأول. ماذا يقول هنا في هذا الأثر؟ فيه: «ما السماوات السبع»، قد أشرنا إلى ما يتعلق بأن السماوات سبع، وأن الأراضي سبع في درسي أمس. قال: «ما السماوات السبع في الكرسي»، أي مقارنة بالكرسي، «إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس». طيب، ما السماوات السبع في الكرسي؟ ما المقصود بالكرسي هنا؟ الكرسي هنا مقصود به كرسي الرب سبحانه وتعالى، كما نقرأ جميعًا في آية الكرسي. فهذا هو المقصود بالكرسي الذي اتخذه الله عز وجل لنفسه العلية. «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة»، دراهم هي النقود من فضة، النقود من فضة، كهذه النقود التي الآن عندنا تعامل بالنقود الحديدية، «كدراهم سبعة ألقيت في ترس». قال العلماء: هو كل قاع مستدير، كل قاع مستدير يقال عنه ترس. أحيانًا تجد بعض الأشياء لها قاع، وهذا القاع استداري، يقال عنه في لغة العرب: هذا ترس. نجد هذا أحيانًا في بعض المصانع، في بعض الأماكن يتخذون هذه الترس، أشياء قاعها يكون مستدير، هذا يطلق عليه ترس. أو يحمل الترس على تلك الصفيحة من الفولاذ الذي يستخدمها المحارب لكي يتقي بها ضربات السيوف، هذا الترس للمحارب، سواء قلنا هذا أو هذا، وإن كان أهل اللغة يشيرون إلى المعنى الأول. إذن، الترس هو الشيء الذي يكون قاعه مستدير. فلو جئت بدراهم سبعة وارميتها وألقيتها في هذا الترس، ماذا عسى أن تشغل من الترس محلا وحيزًا؟ لا شيء يذكر. أو دعك من هذا، نأتي بترس المحارب، حاول أن تتصور ترس المحارب، ترس حديد يحمل ويكون كبير، لأن المحارب يتقي به ضربات السيوف من أعلى، من أسفل، في الجوانب، ويتقي به ضربات السهام ورمي النبال. هذا الترس لو وضع وتأتي بدراهم سبعة وترميها، كم عسى تأخذ هذه الدراهم السبع من الترس؟ من الترس لا شيء. ما المراد بهذا التمثيل؟ أراد نبينا عليه الصلاة والسلام أن يصور لنا أن الدراهم السبع هي السماوات السبع، السماوات السبع العظام الطباق، ما نراه ها هنا الآن هي السماء الدنيا، كل الأفلاك، كل الأجرام في السماء الدنيا، ثم بعد ذلك الثانية والثالثة، الله أعلم بسعتها. فهذه السماوات السبع بضخامتها، السبع، حالها كحال دراهم إذا ألقاها الرجل في ترسه ضاعت، لا تشغل شيئًا من الحيز والمكان. وهكذا السماوات السبع إذا قورنت بالكرسي، فإنها لا شيء أمامه. فالكرسي إخواني في الله هو أعظم المخلوقات بعد عرش الرحمن، كما سيأتي معنا. وقد أشار ربنا سبحانه وتعالى إلى هذه الحقيقة، فقال: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾، وسع بمعنى أحاط، فكرسيه وتأمل للضمير، أضاف الله جل وعلا هذا الكرسي إلى نفسه العلي، كيف هو الله أعلم به، لكن أشار ربنا إلى عظمته. فالسماوات السبع ما هي إلا داخل في الكرسي، لأن الكرسي قد أحاط بها. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات﴾، أي الكرسي أحاط بالسماوات وأحاط بالأرض مثلها. نبينا بهذا المثال اليسير: «كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، ألقيت في ترس، فهذا المقصود بقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس». ثم قال: قال: «وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض». الأثر الثاني هو تبع للأثر الأول، لأن الإسناد واحد. ولهذا قال المؤلف: قال: «وقال أبو ذر»، أي عن زيد بن أسلم عن ابن زيد عن أبيه عن أبي ذر، هنا أسند إلى أبي ذر. وقلنا: والصحيح أن هذه الأحاديث تدخل في الشواهد، فبعضها يشهد لبعض لكثرة الروايات الدالة على هذا المعنى. وهذا الأثر والحديث الثاني الذي بين أيدينا، قال فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد»، حلقة كحاتم مثلًا، حاتم، حلقة من حديد، ما بها ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض. تخيل أنت تخرج إلى صحراء مترامية الأطراف، فتأتي بحلقة ثم ترمي بها، ما عسى هذه الحلقة أمام هذه الأرض الواسعة المترامية الأطراف؟ لا شيء. هذا ما الذي أراد منه نبينا؟ أراد به أن يمثل مقدار الكرسي أمام العرش. إذن، إذا جمعنا الرواية الأولى مع الرواية الثانية، ستأتي معنا عدة نسب. النسبة الأولى: نسبة السماوات إلى الكرسي لا شيء، ونسبة الكرسي إلى العرش لا شيء. لا شيء هنا أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يدلل على هذا الباب بهذه الآثار، وما قدر الله حق قدره. سبحانه، السماوات السبع أمام الكرسي لا شيء، والكرسي أمام العرش لا شيء. تأتي مسائل هنا أنبّه عليها بهذا الأثر، سنعلم عدة مسائل. أولاها: أن الكرسي شيء، وأن العرش شيء، وليس بصحيح، وليس بصواب من زعم وادعى بأن العرش هو الكرسي، وأن الكرسي هو العرش، لا، لا، لا يصح هذا. أولًا بالدلالة اللغوية، القاعدة تقول: اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. هذه مادة كرساء، كرسي، وهذا مادة عرشاء، العرش، فهذه مادة، وهذه مادة، فكيف يقول هذا وهذا؟ هذا ما يصح في اللغة. حتى وثانيًا كذلك من حيث المعاني، كهذه الآثار فرقت: الكرسي شيء، والكرسي إزاء العرش شيء آخر. فدل على أن الكرسي شيء والعرش شيء. الفائدة الثانية: على أن الكرسي عبارة عن أمر حسي محسوس، وليس أمرًا معنويًا. وهكذا القول في حق العرش، هو أمر حسي، ليس بأمر معنوي. ومن هنا نعلم خطأ من زعم بأن الكرسي بمعنى العلم، وما يدندن به بعض الناس من أن قول الله: ﴿وسع كرسيه﴾، بمعنى وسع علمه، هذا خطأ. ومن يتكأ على أثر ابن عباس في هذا الباب، فالأثر ليس بصحيح، لأنه من طريق جعفر بن أبي مغيرة، وهو ضعيف. والصحيح في هذا الباب الذي صح عن ابن عباس: أن الكرسي في لغة العرب هو بموضع القدمين، هذا الذي صح عن ابن عباس. الكرسي والذي عليه لغة العرب هو موضع القدمين، هذا معنى الكرسي، فهو أمر حسي، الله أعلم بكيفيته. فمن الخطأ أن يفسر بأمر معنوي. وهكذا القول في حق العرش، العرش أمر حسي، وأخطأ من فسر العرش وآيات العرش بمعنى الملك والهيمنة. بعض المفسرين ممن سلك مسلك التأويل إذا جاء إلى لفظ العرش في القرآن والسنة حمل العرش بمعنى الملك والهيمنة، وهذا غلط، لأن هذا التأويل وتحريف. والصحيح أن العرش أمر حسي، بماذا؟ بدلالات كثيرة من القرآن والسنة. فإن الشرع قد أثبت أن هذا العرش له صفات، له صفات. فمن صفات عرش الرحمن بأنه هو العرش الذي استوى عليه الرب استواءً يليق بجلاله، كما سيأتي معنا في دروس قادمة. وأن من صفات العرش: أن هذا العرش له قوائم، الله أعلم بقوائم هذا العرش. رأى الإمام البخاري في صحيحه قال عليه الصلاة والسلام: «أكون أول من يفيق من الخلائق»، أي يوم القيامة، قال: «فإذا بموسى عليه السلام آخذ بقائمة من قوائم العرش»، آخذ بقائمة من قوائم العرش، «فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور». الشاهد: أن النبي أخبر أن العرش له قوائم في البخاري. وأيضًا جاء بنص القرآن: أن العرش يحمل، ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، ثمانية، وهولا من أشرف الملائكة، خصهم الله جل وعلا بحمل عرش الرحمن. فهذه الدلالات تدل وترد على من زعم على أن العرش أمر معنوي، لا، بل هو أمر حسي، خصه الله جل وعلا بأن يكون أعظم المخلوقات على وجه المعمورة التي خلقها الله، ما هناك شيء يداني أبدًا. إذا كان كرسي الرب عز وجل أمام العرش لا شيء، فكيف تكون السماوات لا شيء؟ فكيف تكون الأرض لا شيء؟ فكيف تكون أنت يا عبد الله؟ أنت هباء، أنت هباء. وحينها نستحضر جميعًا: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من ذكره لهذه الآثار، أن يبين عظيم ما خلق الله جل وعلا من الكائنات والمخلوقات، وبه نعرف عظيم الصانع والخالق جل في علاه. هذا ما يذكر إخواني في الله في هذه الآثار، وسيأتي معنا كذلك بعض الأدلة التي يستدل بها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان عظمة الرب سبحانه وتعالى وجل في علاه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.