الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 120، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الرياء واعتبره أخطر على الأمة من فتنة المسيح الدجال. ويعزو ابن عثيمين ذلك إلى كون الرياء فتنة باطنة خفية تصعب مجاهدتها وتعم كل الأزمنة.
يفصل الشيخ ابن عثيمين أنواع الرياء مبيناً أن الرياء في أصل العبادة يبطلها بينما الرياء الطارئ إن دُفع صح العمل. كما يفرق بين العبادات المتصلة كصلاة واحدة والمنفصلة كقراءة القرآن في الحكم.
يستعرض المقطع حكم الرياء عند ابن عثيمين موضحاً أن الرياء في أصل العبادة يبطلها كلها. وفي العبادات المتصلة يبطل العمل كله، أما في المنفصلة فتبطل فقط الجزء الذي حصل فيه الرياء.
يذكر المقطع أن المن والأذى يبطلان الصدقة مستنداً إلى قوله تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى. ويختتم الدرس لانتهاء الوقت المحدد.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في باب ما جاء في الرياء، وفي ذكره للأحاديث الواردة في هذا الباب: قالوا عن أبي سعيد مرفوعاً: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل». رواه أحمد. وهذا الحديث فيه مقال؛ فيه كثير بن زيد وربيح بن عبد الرحمن، وهما مختلف فيهما. والشيخ الألباني في مشكاة المصابيح يحسن هذا الحديث، فلعله حسنه بمجموع طرقه، والله تعالى أعلم. يقول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: المسيح الدجال ممسوح العين اليمنى، يعني مطموس العين اليمنى. قال: وهو رجل من بني آدم كذاب، يخرج في آخر الزمان، وقد حذرنا منه النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أيد هذا الكذاب ببعض الأمور التي يفتن بها الناس، وفتنته عظيمة، حتى أنه يقول للسماء: أمطري فتمطر، وللأرض: أنبتي فتنبت. وكذلك أيد ببعض تلك الفتنة التي ينجرف خلفها بعض الجهلة من بني آدم. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» مع أن فتنته عظيمة، وهي أعظم فتنة في هذا العالم، ومع هذا يخاف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من فتنة هي أعظم من هذه الفتنة. ما هي؟ إنه الرياء، الشرك الخفي. سماه الشرك الخفي، وسمي هذا الشرك خفياً لأنه في السر بين العبد وبين ربه، فهو في القلب، لا يطلع عليه أحد إلا الله سبحانه وتعالى. وأما الشرك الجلي فهو ما يكون بالقول أو بالفعل. بالقول كالحلف بغير الله أو دعاء غير الله، هذا أمر ظاهر يسمعه غير المشرك. وهكذا يكون بالفعل كالانحناء لغير الله أو السجود لغير الله أو نحو ذلك. وذكر هنا ابن عثيمين عليه رحمة الله السبب في أن النبي صلى الله عليه وسلم خاف عليهم من الرياء أشد من المسيح الدجال، وذكر في هذا أمرين اثنين: الأمر الأول: لأن فتنة الدجال ظاهرة، فتنته ظاهرة، فهو يدعو إلى الكفر والعياذ بالله، بل ومكتوب على جبهته «كافر» أي كافر، ففتنته ظاهرة. وأما فتنة الرياء والتخلص من الرياء صعب جداً؛ لأنها فتنة باطنة في السر بين العبد وبين ربه، فهذا لا شك أنه أخطر وأنه أعظم. والسبب الثاني: لأن فتنة الدجال محصورة في آخر الزمان، فقد لا يدركها كثير من الناس، وإنما يدركها من كان في ذاك الزمان. وأما الرياء فهي فتنة في كل وقت، وهي كذلك معرض لها كل إنسان، كل إنسان معرض لهذه الفتنة، فلا شك أن من هذه الحيثية أخطر من فتنة المسيح الدجال. فلذلك حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الرياء، بل وسماه الشرك الخفي. والشاهد من هذا الحديث أن الرياء والشرك الخفي وخطره عظيم، حتى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خافه على خير أمته، يخاطب من النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم خير هذه الأمة. فإذا خافه على خير أمته أشد من خوفه عليهم من المسيح الدجال، فهذا دليل على خطورة الرياء، وأنه فتنة عظيمة، يجب الحذر منها، ويجب على المسلم أن يجاهد نفسه في التخلص منها. هذا هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب ما جاء في الرياء. ثم فسر، وهذا من باب التفسير بالمثال، وليس الشرك الخفي محصوراً في ذلك: «يقوم الرجل فيصلي» قد مثلاً يقوم الرجل فيتصدق، قد يقوم الرجل فيحج ويعتمر، قد يقوم الرجل فيصوم، ويظهر هذا الصيام، فيزين صلاته أو زكاته أو حجه أو عمرته أو أي عبادة مما يتقرب بها إلى الله «لما يرى من نظر رجل»، أي لما يرى من نظر الناس إليه، وهذا هو الرياء. فهو مثال لمعنى الشرك الخفي. «وما يدر الناس ما في قلبي» هذا الرجل العابد، هذا شيء بينه وبين الله، ولذلك سمي بالشرك الخفي. قال الشيخ ابن عثيمين: الرياء أن يعمل عملاً حتى يراه أو يسمعه الناس، وهو من أخلاق المنافقين. وللرياء أحوال، فصل الشيخ ابن عثيمين في مسألة وقوع الرياء في قلب أحدنا، فهذا فيه تفصيل: قد يكون الرياء في أصل العبادة، ومعنى في أصل العبادة: يعني من أولها إلى آخرها، كل العبادة مبناها على الرياء. دخل إلى الصلاة من أول دخوله وهو يبتغي بهذه الصلاة نظر الناس إليه ومدح الناس له. فهذه العبادة يقول الشيخ ابن عثيمين: تبطل العبادة. هذا النوع من أنواع الرياء يبطل العبادة للأحاديث المتقدمة: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». لأن مبنى هذه العبادة من أصلها قائم على الرياء. وهناك نوع آخر من أنواع الرياء وهو الرياء الطارئ. معنى الطارئ: دخل إلى العبادة وهو مخلص لله، ما في قلبه شيء من الرياء، ونظر الناس إليه، فلما استمر في صلاته رأى الناس يجلسون حوله فدخل عليه الرياء أثناء الصلاة. فهذا الرياء طارئ في العبادة. فما حكم هذا الرياء؟ حكمه فيه تفصيل. ما هو هذا التفصيل؟ أولاً: أن يدافع صاحبه هذا الرياء، يدافعه صاحبه. معنى يدافعه: يعني يستعيذ بالله ويخلص في صلاته ويترك هذا الأمر الطارئ الذي طرأ على قلبه. فهذا معنى يدافعه صاحبه، ففعل هنا الواجب عليه، لأن الرياء ربما يسلم منه أحد منا... لا يسلم منه أحد منه، لكن المحمود منه من يجاهد نفسه ويدافع هذا الرياء ويصدق مع الله ويخلص في بقية عبادته بتركه لهذا الرياء. فهنا العبادة صحيحة إن شاء الله، العبادة صحيحة لأنه دافع هذا الرياء. وأما النوع الثاني عند الرياء الطارئ: أن يسترسل فيه، يسترسل فيه. ما معنى يسترسل فيه؟ يعني يستمر، يستمر في الرياء، ما يدفعه ولا يجاهد نفسه. صل ركعتين مخلصاً لله، فالركعة الثالثة والرابعة دخل عليه الرياء في الركعة الثالثة، ما قطع هذا الرياء، استمر فيه، لا يزال متعلقاً بنظر الناس إليه، صلى الركعة الثالثة والركعة الرابعة وهو متلبس بهذا الرياء. فهذا معنى استرسل فيه. فهذا فيه تفصيل. يقول الشيخ ابن عثيمين: فيه تفصيل. ما هو هذا التفصيل؟ أولاً: إذا كانت العبادة أولها متصل بآخرها، يعني أنها عبادة واحدة لا تتجزأ، لا تتجزأ. ما هي مثال العبادة الواحدة؟ قالوا: مثل الصلاة. الصلاة تبتدئ بتكبيرة الإحرام وتختتم بالتسليم، فهي ما بين التكبير والتسليم عبادة واحدة، فهذه متصل بعضها ببعض. وهناك عبادة منفصل بعضها عن بعض، يعني أول العبادة منفصل عن آخرها، ويمثلون لهذا مثلاً بقراءة القرآن. فقراءة القرآن ليست عبادة واحدة، يقرأ الآن مثلاً ربع جزء، ثم بعد هذا الربع ربما يجلس قليلاً ثم يقرأ ربعاً آخر، ربعاً آخر وهكذا. عبادة منفصلة، أولها لا يتعلق بآخر. أو الزكاة كذلك: الآن تصدق بعشرين ألفاً وهو مخلص في صدقته، فبعد عشر دقائق أو ربع ساعة ذهب، رأى الناس كثير، ما شاء الله، وأتى بأربعين ألفاً وتصدق بها أمام الناس حتى يراه الناس ويقولون إنه جواد وإنه كريم. فهذه العبادة منفصل أولها عن آخرها، الأول عبادة مستقلة والثانية عبادة مستقلة. فإذن نتصور هاتين الحالتين في الاسترسال في الرياء: إذا كانت العبادة أولها متصل بآخرها، يقول الشيخ ابن عثيمين: فالعبادة باطلة كلها، يعني الركعتين الأولى التي أخلص فيهما والركعتين الثانية التي راء فيهما، كل العبادة عند الشيخ ابن عثيمين تكون باطلة؛ لأن العبادة واحدة، واحدة لا ينفصل بعضها عن بعض، فمن ترك بعضها بطلت صلاته، من ترك بعضها بطلت صلاته. هكذا يذكرون الحكمة من بطلان هذه الصلاة. وبعض أهل العلم ما يرى ما يرى الشيخ ابن عثيمين، ونقل ذلك عن الإمام أحمد أنه لا يبطل الصلاة التي أخلص فيها، وإنما تبطل الصلاة التي رأى فيها. وهذا كله يدلنا على خطورة الرياء، على خطورة الرياء. وهذه من الأشياء التي بها يستطيع المرء أن يتخلص من الرياء إذا علم أنه يعمل العمل ثم لا يجازى عليه، يبطل عمله. قام الليل إحدى عشرة ركعة لكنه مراء فيها، فهنا تبطل الصلاة التي رأى فيها. وصلاة الليل طبعاً منفصلة، إذا صلى ركعتين هذا تعتبر صلاة منفصلة، يسلم ثم يصلي ركعتين أخريين، هذه صلاة منفصلة، فهو ينطبق عليها أن أول العبادة منفصلة عن آخرها. لكن المراد بالصلاة المتصلة هي الصلاة الواحدة، كالصلاة التي هي أربع ركعات أو ثلاث ركعات أو ركعتين. فرأى في بعض الركعات وأخلص في بعضها، هذا الذي يتكلم عليه الشيخ عثيمين، ويقول أن الصلاة كلها باطلة، أن الصلاة كلها باطلة. أما إذا كانت العبادة أولها مفصل عن آخرها، فهذه العبادة فيها هذا التفصيل: فما رأى فيه تبطل فيه أو تكون العبادة فيه باطلة، وما أخلص فيه تكون العبادة فيه مقبولة. هذا هو التفصيل الذي ذكره الشيخ عثيمين. إذن معنا الآن حالة أن يكون الرياء في أصل العبادة، هذا يبطل من أول العبادة. أو مباشرة أن يكون طارئاً، فيه المدافعة وعدم المدافعة. إذا دافع صاحبه فهذا عبادته صحيحة ولا شيء عليه. إذا استرسل فيه تفصيل: أول العبادة متصل بآخرها، عند الشيخ ابن عثيمين أن العبادة باطلة كلها، التي أخلص فيها والتي راء فيها. وأما إذا كانت العبادة منفصل بعضها عن بعض، فالذي راء فيه تبطل، والتي لم يراء فيها لا تبطل. وهناك مسألة ثالثة في الرياء وحالة ثالثة: وهو الرياء بعد الفراغ من العبادة. صلى مخلصاً لله ولا يشعر ما حوله، فلما سلم رأى الناس ينظرون إلى صلاته، بعدما سلم رأى الناس ينظرون إلى صلاته، فوقع في نفسه شيء، وأنه الحمد لله أحسن في الصلاة وكذا وكذا. فما حكم هذه الصلاة؟ الشيخ ابن عثيمين يقول: هذا لا يؤثر في العبادة شيئاً، إلا إذا كان فيه عدوان كالمَن والأذى بعد الصدقة. يعني في عبادة الصدقة هذا تبطل، لا للرياء ولكن للعدوان، من المَن. تصدق لوجه الله، ثم بعدما تصدق رأى الناس ينظرون إليه ويشكرون، فقال: أنا دائماً وأنا أحسن إلى هذا، أنا أرحمه، أنا كذا وكذا. إن يمن في صدقته، يمن في صدقته. أو كذلك يؤذي ذلك المتصدق عليه، فيقول له: هذا آخر مرة تصدق عليك وأنت ما تستحق، أنت كذا وكذا، ويؤذيه بتلك الكلمات الفاحشة الأليمة. فهذا تبطل هذه العبادة من أجل المَن والأذى، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]، بالمن والأذى. طيب، اليوم نكتفي بهذا، انتهاء الوقت، إلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً.