الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 42، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح الدرس تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية غير المحرم مستدلاً بآية الحجاب وأحاديث النبي ﷺ، ويبين أن المحارم المسموح الخلوة بهم هم من النسب والرضاع والمصاهرة. كما يحذر من الدخول على غير المحارم ويشبه الحمو بالموت في شدة التحذير.
يحذر المقطع من فتنة الخلوة بالنساء الأجنبيات مؤكداً أن التساهل مع أقارب الزوج غير المحارم يفتح باب الشر ويهدم البيوت، مستنداً إلى قول النبي ﷺ: «الحمو الموت» وحديث النهي عن الخلوة إلا مع ذي محرم. ويختم بوجوب غيرة الرجال على نسائهم ومنعهن من الاختلاء بالأجانب كالدخول على طبيب دون محرم.
يؤكد الدرس وجوب الحجاب الشرعي الكامل للمرأة صيانةً لها من أطماع الرجال، ويبين عظمة حرمة نساء المجاهدين على القاعدين بأنها كحرمة الأمهات مع الوعيد الشديد للخائن. كما يحذر من خطوات الشيطان التي تبدأ بالنظر فتنتهي بالزنا والفواحش مستدلاً بالآيات والأحاديث النبوية.
يذكر المقطع أن المسلم يجب أن يغض بصره إذا ظهرت زوجة الجار أو بنته أو أخته، مستشهداً بالدعاء «وأغض طرفي إن بدت لي جارتي». ويحذر من أن بعض الناس يقعون في المحرمات رغم أدائهم للصلاة وقراءة القرآن، مستنكراً هذا الحال.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: باب تحريم الخلوة بالأجنبية. والأجنبية أي التي ليست من المحارم. ليست من المحارم، وفتنة النساء مما حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وبيّن خطورتها. فكان عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».كذا جاء في حديث أبي سعيد الخدري عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». «اللُّب» أي عقل الرجل الحازم الشديد من إحداكن. فإذا كان هذا حالهن مع ذوي الحزم، فكيف بهن مع المتساهلين والمميعين وغير ذلك؟ إذن فتنة النساء فتنة عظيمة وشديدة. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن. والخطاب لأمهات المؤمنين وأزواج رسوله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله، وهكذا الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم خيار الناس وأتقى الناس وأعلمهم. قال الله عز وجل لهم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. وطهارة القلوب من الأمور المطلوبة سواء لدى الرجال أو لدى النساء. فإذا كان هذا في خير هذه الأمة وأعلمها وأتقاها، فمن بعدهم من باب أولى. قال رحمه الله تعالى: وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والدخول على النساء». «إياكم» أي اسم فعل الأمر بمعنى احذروا أو اجتنبوا الدخول على النساء. والمقصود بالنساء هاهنا الأجنبيات، أي التي لسنا بمحارم، ليست أما ولا بنتا ولا أختا ولا عمة ولا خالة ولا بنت أخ ولا بنت أخت. هؤلاء من النسب، ومثلهن سبع من الرضاع. وهكذا أربع نساء يحرمن بسبب المصاهرة: أم الزوجة، وبنتها، وزوجة الأب، وزوجة الابن. فهؤلاء النساء يحرمن تحريمًا مؤبدًا على الشخص. وهنا محارم له، يجوز له أن يصافح إحداهن، وأن يسافر بها، وأن يخلو معها، يعني يجلس معها ويتحدث إليها وليس معهما شخص آخر؛ لأنها محرم له. قال: «إياكم والدخول على النساء». فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ ومعنى «أفرأيت» أي أخبرني أو أخبرنا. «أرأيت الحمو؟» قال: «الحمو الموت». متفق عليه. والحمو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه. ولاحظوا يا إخوان كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا غاية الحرص على سلامة القلوب وطهارة ونقاء المجتمعات المسلمة. ومن ذلكم أنه حذر من هذه الفتنة التي قد يتعرض لها البعض ويقع فيها البعض، ألا وهي فتنة النساء، وذلك عبر الخلوة بالنساء. فلا يجوز أن يختلي المسلم بالمرأة الأجنبية، وهذه الخلوة تعتبر سببًا لحضور الشر والوقوع في المعصية والفاحشة. وهكذا أيضًا فيه أن أقرباء الزوج الذين هم ليسوا بمحارم يحصل التساهل فيهم: من هذا؟ قال: هذا أخي. وقال: هذا ابن عمي. وقال: ابن أختي. إلى غير ذلك. يأتي أحدهم فيسأل عن الرجل فيجده غير موجود، فيقول: افتحوا الباب. طيب، لماذا نفتح لك الباب؟ ماذا تريد؟ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. ماذا تريد؟ قال: أريد فأسًا، أريد كتابًا. طيب، خليك بره وستعطى ما تريد. دخوله يعتبر دخولًا للفتنة. ولهذا يا إخوان، بسبب هذا التساهل عظم الشر وكثر الفساد، وهدمت بيوت ومزقت أسر. فما تشعر إلا والفأس تقع على الرأس. يدخل أول مرة على حياء، وبعدها يقول: هاتي كأس ماء، ثم بعد ذلك يقول: إيش الغذاء؟ وهكذا شيئًا فشيئًا، وإذا بها محادثات، وإذا بها ضحكات، وإذا بها ما لا تحمد عقباه من الأمور المحرمة. قالوا: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت». يعني يدل على أن الفتنة بالقريب أعظم وأشد من الفتنة بغيره. والقريب يا إخوان يدخل ويخرج ولا يستغرب أحد من الناس مدخله ومخرجه. لكن لو جاء شخص من بلد آخر، غريب أتى من بلاد أخرى أو من قبيلة أخرى ودخل، سيقال: ماذا معه؟ ما سبب دخوله؟ لكن إذا جاء القريب فالغالب أنه لا يسأل عنه، فعندها كما سبق يقع ما لا تحمد عقباه. وهذا يا إخوان فيه رد على المتساهلين. بعض الناس في البيوت يتساهلون في أمر الحجاب، المرأة لا تحتجب من إخوة زوجها، ولا تحتجب من أولاد أصهارها الذين هم مميزون وأصبحوا يشبون إلى غير ذلك، فيحصل من المصائب الشيء الكبير والكثير. قال رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم». متفق عليه. وهذا فيه تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية إلا وأن يكون معها محرم. حتى لو كان الرجل طبيبًا، امرأة تريد أن تدخل على طبيب الأسنان، طيب أين زوجها؟ قالوا: غير موجود. طيب أين أبوها، ابنها، أخوها؟ طيب ليس هناك منهم أحد. طيب تأتي بامرأة معها من النساء وتدخل معها. أما مجرد دخولها وخلوة الطبيب بها، كم يا إخوان نتج عن ذلك مصائب وزنا وفواحش؟ فهذا لا يجوز. وهذا يا إخوان فيه كذلك أيضًا أنه ينبغي أن يكون، بل يجب عند الرجال غيرة على نسائهم. كيف تترك زوجتك تذهب لوحدها إلى السوق؟ دخلت المرأة وحيدة إلى المحل، عرضت يا إخوان للنظرات المسمومة، وعرضت كذلك أيضًا للذئاب المسعورة، يطمع فيها الرجال، يطمع فيها الرجال، ولا سيما إذا خرجت وليست منضبطة بالحجاب الشرعي الكامل: لبست برقعًا قصيرًا ونقابًا إلى الصدر، وبلا قفازين، وبدون شرابين. انظروا كم هي صيد سهل للذئاب، بل وللكلاب المسعورة. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. تدني طرحات الخمار على وجهها وعلى صدرها. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. يعرفن أنهن حرائر، وأنهن محصنات عفائف، فلا يطمع فيهن الرجال. حتى لو كلمها صاحب المحل تجد أنه يطأطئ رأسه، ليش؟ هذه محتشمة، هذه متحجبة. ويزداد الأمر حشمة واحترامًا إذا كان معها المحرم الذي يدافع عنها ويحميها. قال رحمه الله تعالى: وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم». أرأيتم يا إخوان، يأتي الغزو ويأتي الجهاد، ويخرج من يخرج إلى الغزو، ويتخلف من يتخلف في البلد. المتخلف هذا الواجب أن يرعى حرمة إخوانه الذين خرجوا، لأنه يكون سببًا لانتهاك الأعراض وهتك الحرومات. قال: «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم». وحرمة الأم مما يضرب بها المثل في شدة الحرمة. قال: «ما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم، إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى». قال: «إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء، حتى يرضى». قال: ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما ظنكم؟» رواه مسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن مسعود سئل: أي الذنب أعظم؟ فقال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». قيل: ثم ماذا؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك». ما يعرف حق الجوار، قد يتكشف على بيوت الجيران وينظر إلى العورات، قد يزداد الأمر فيقع في الزنا بحليلة الجار، أي بزوجته، ولربما بابنته أو أخته. أرأيتم خطورة هذه المعاصي والجرائم؟ قيل: ثم ماذا؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». فإذن يا إخوان، الخلوة بالمرأة الأجنبية تعتبر سببًا للوقوع في المحرمات والزنا والفواحش، وهذا من الأمور التي يجب أن يحذر منها المسلم، ويحذر التساهل: نظرة، فابتسامة، فموعد، فلقاء. وهكذا خطوات للشيطان. ويبدأ يا إخوان هذا بمجرد النظر، بمجرد النظر، كَبِنَظْرَةٍ أَرْدَتْ بِصَاحِبِهَا أَوْ فَعَلَتْ بِصَاحِبِهَا فِعْلَ السِّهَامِ بِلا قَوْسٍ وَلا وَتْرٍ. أهل الجاهلية يا إخوان يعبدون أصنامًا ويشربون خمورًا، وهكذا يفعلون غيرها، إلا أنه كان عندهم خصلة كانوا يفتخرون بها، ألا وهو العفة والمحافظة على الأعراض. عن طرفة بن شداد العبسي الشاعر والفارس الجاهلي كان يقول: «وأغض طرفي إن بدت لي جارتي... إلى متى؟». قال: «حتى يواري جارتي مأواها». إذا ظهرت زوجة أو بنت أو أخت الجار، قال: «وأغض طرفي إن بدت لي جارتي، حتى يواري جارتي مأواها». واليوم لربما يقع فيما يقع فيه من هذه المحرمات من يصلي ويقرأ القرآن وغير ذلك. فإلى الله المشتكى من حال البعض من الناس. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.