الدرس في كتاب المعاملات 47، ألقاها
الجعالة عقد مباح شرعًا يدل عليه قوله تعالى في قصة يوسف وحديث أبي سعيد الخدري، وهو عقد جائز يمكن فسخه من قبل أحد الطرفين دون إضرار بالآخر.
إذا فسخ الجاعل العقد فإن على العامل أجرة المثل، بينما إذا فسخ العامل فلا يستحق شيئًا، مع وجود اختلاف في كيفية حساب أجرة العامل عند فسخ الجاعل للعقد.
اللقطة تُقسم إلى ما لا تتبعه همة الناس فيجوز التقاطه، وما يمتنع بنفسه مثل الإبل والخيل فيحرم، وما يجوز التقاطه مع وجوب تعريفه مثل الذهب والفضة والمتاع.
العلماء اختلفوا في ضالة الشاة والذهب والفضة، فمنهم من رأى جواز أخذها ومنهم من اعتبر الحذر في التعامل معها هو الأولى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. مازلنا في الباب العشرين في الجعالة، وتوقفنا أمس عند الكلام على تعريفها. الأمر الثاني حكمها وأدلتها. قالوا: وهي من العقود المباحة شرعًا، ويدل عليها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ «أشهد ولمن جاء به -أي بصواع الملك- حمل بعير»، هذه جعالة. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم. فلدغ سيد الحي، فقالوا للصحابة: «هل فيكم من راقٍ؟» قالوا: نعم، لكن لا نفعل إلا أن تجعل لنا جعلًا، إلا أن تجعل لنا جعلًا. فجعلوا لهم قطيع شاة، فرقاه رجل منهم بفاتحة الكتاب فبرئ الرجل. فأتوه بشياه، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رجعوا فسألوه، فلما رجعوا سألوه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «خذوا خذوا منهم واضربوا لي معكم بسهم». وهذا يدل على جواز الجعالة. وقولهم: حكمها هي من العقود المباحة شرعًا، هي مباحة وهي من العقود الجائزة، هي من العقود الجائزة، أي ليست من العقود الواجبة الملزمة لكلا الطرفين، بل هي من العقود الجائزة، أي لأحد الطرفين أن يسخطها ما لم يترتب على ذلك الضرر، ما لم يترتب على ذلك الضرر بأحد المتعاقدين. يعني صورتها: لو أن رجلًا قال: «من يبني لهذا الحائط أو حائط بصفة كذا وكذا بكذا وكذا»، فبنه إنسان أو بدأ يبني فيه إنسان، حتى إذا كان في نصف النهار، قال: العقود جائز وأنا قد تراجعت، هذا لا يجوز ولا يصح. لماذا؟ لأن فيه إضرارًا بذلك العامل. لكن إن قيل بالصحة: أنه عقد جائز وله أن يتراجع، نقول: نعم، لكن لا بغير إضرار بالآخر. إذن ماذا يصنع؟ يقوم عمل الآخر ويعطيه أجرة المثل. المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها. قالوا: يتعلق بالجعالة الأحكام التالية: أولًا: يشترط في الملتزم بالجعل أن يكون صحيح التصرف، وفي العامل أن يكون قادرًا على العمل. أن يكون صحيح التصرف، والأصل في ذلك أن يكون ممن يصح بيعه وشراؤه. وفي العامل أن يكون قادرًا على العمل، أي قادرًا على ذلك العمل الذي وضع الجعل له. يعني مثلًا لو أن إنسانًا عنده ثوب للخياطة، فقال: «من يخيط لي هذا الثوب بكذا وكذا»، مثلا بعشرة دراهم. فقال إنسان لا يحسن الخياطة: «أنا». هل يصح هذا العقد؟ أجوب: لا، لأنه لا يحسن الخياطة. وهكذا قل في غيرها. إذن لا بد أن يكون قادرًا على العمل. الثاني: أن يكون العمل مباحًا. الحكم الثاني: أن يكون العمل مباحًا، فلا تصح على محرم كغناء أو صناعة خمر أو نحوهما. والأمر في هذا واضح؛ لأنه عقد على محرم فهو محرم. الثالث: أن لا يوقت العمل بوقت محدود. فلو قال: «من رد جملي إلى نهاية الأسبوع فله دينار»، لم يصح. لماذا؟ لأنه قد يوجد في أسبوع أو في أسبوعين أو في أكثر. فكونه يحدده بمدة معينة يكون في ذلك ضرر على الآخر؛ لأنه قد يكون قد بحث عنه لمدة أسبوع من مكان إلى آخر حتى قارب على إيجاده، فتنتهي المدة وقد خسر وتعب. إلا إن احتيج إلى التوقيت، فلا بأس. يعني مثال ذلك: إنسان مثلا إن كسر باب بيته ويخشى على بيته من اللصوص أو من الدواب أو ما شابه ذلك، فقال: «من يصنع لي بابًا اليوم بكذا وكذا». له أن يحدد اليوم. فإن صنع له صانع الباب في اليوم أخذ الجعل، وإلا فلا. الرابع: أنها عقد جائز لكل من الطرفين فسخها. فإن فسخها الجاعل فللعامل أجرة المثل، وإن فسخها العامل فلا شيء له. يعني إن جاء الفسخ من صاحب الجعل فإنه يعطي العامل أجرة المثل. وهنا مسألة ذكرها الفقهاء رحمهم الله، وهي: هل يعطى أجرة المثل، أي مثل أجرة من عمل ذلك العمل، أو يعطى أجرة بالنسبة للجعالة؟ مثال ذلك: الأجرة أجرة المثل، لو قال مثلا: «ابني لي حائطًا». فلما بنى نسف الحائط، قاله فسخ العقد. الآن يقول: ما ذا؟ القول بالإجارة يؤتى بأهل الخبرة، يقول: كم تستحق أجرة هذا العمل؟ يقول مثلا عشرة آلاف ريال يمني، يعطى عشرة آلاف. وعلى القول الآخر: أنه يعطى بحسب الجعالة، أو الجعالة. فيكون بحسب الجعالة، يعني إذا قال مثلا: «من يبني لي حائطًا وصفوه كذا وكذا بعشرين ألفًا»، فبنى نصف الحائط. على القول بالجعالة: أنه يعطى نصف الجعالة، مثلا جعالة عشرين ألفًا، يعطى كم؟ عشرة آلاف. ولو كانت أجرته خمسة عشر ألفًا أو كانت أجرته خمسة آلاف، يعطى نصف الجعالة. ولعل هذا القول أقرب، وهو الذي رجحه العلامة العثيمين رحمه الله. الباب الحادي والعشرون: اللقطة واللقيط، وفيه مسائل. أي الباب الحادي والعشرون: اللقطة واللقيط، أي مدخل في أحكام ومسائل اللقطة واللقيط. قالوا: وفيه مسائل. المسألة الأولى: معنى اللقطة وحكمها. قالوا: معناها اللقطة لغة: الشيء الملقوط، وهي اسم الشيء الذي تجده ملقًا فتأخذه. وفي الشارع: هي أخذ مال محترم من مضيعة ليحفظه أو ليتملكه بعد التعريف. وعرفه بعضهم فقال: «في اللقطة: هي مال أو مختص بالمال، كما تقدم، أو مختص أو ليس بمال، لكن مما يختص بالإنسان شيء يختص بالإنسان، مثلا كعصى يستخدمها الإنسان أو حبل يستخدمه الإنسان، أو إلى غير ذلك مما هو من اختصاص إنسان ما ضل عنه ربه فالتقطه غيره». الثاني: حكمها وأدلتها. قالوا: والأصل فيها حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن لقطة الذهب أو الورق -والورق الفضة- فقال: «اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن عندك وديعة، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه». وسأله عن ضالة الإبل، فقال: «ما لك ولها؟ دعها؛ فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها -أي صاحبها-». وسأله عن الشاة، فقال: «خذها؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب». هذا الحديث هو أصل في باب اللقطة، وهو متفق عليه. المسألة الثانية: أقسام اللقطة. أولًا: القسم الأول من أقسام اللقطة: ما لا تتبعه همة الناس، كالصوت والرغيف والثمرة والعصى. وهذا يجوز التقاطه، وللملتقط الانتفاع به وتملكه بلا تعريف. لماذا؟ لأن همة الناس لا تسعى إلى البحث عنه. ثانيًا: ما يمتنع بنفسه من صغار السباع وغيرها. ما يمتنع بنفسه يمتنع من صغار السباع، والمقصود بصغار السباع كالثعلب والذئب وما كان على شاكلتهم. قالوا: ما يمتنع بنفسه من صغار السباع وغيرها، كالإبل والخيل والبقر والبغال. أي أن هذه الأشياء تمتنع بنفسها. الإبل تمتنع من صغار السباع، وكذلك الخيل، الخيل إما بقوتها وإما بعدوها. والبقر كذلك لضخامتها، والبغال كذلك. قال: وهذا يحرم التقاطه، ولا يملكه ملتقطه بتعريفه. منطوقه: «لا يملكه». والله أعلم. لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث زيد بن خالد المتقدم: «ما لك ولها؟» أي في الإبل. «دعها؛ فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها». والحاصل من هذا: أن ما يمتنع بنفسه من صغار السباع كما ذكر، جاء النص في الإبل، ويلحق به ما كان في معناها. والعلة في ذلك: من كان يمتنع بنفسه عن صغار السباع ويستطيع أن يأكل بنفسه ويشرب بنفسه. «دعها؛ فإن معها سقاءها وحذاءها». فلذا ألحق العلماء رحمهم الله تعالى بالإبل كل من كان يمتنع بنفسه من صغار السباع، إما لضخامة جسمه كالبقر والفيلة وما كان كذلك، أو ما كان يمتنع منها بقوة عدوه وسرعة عدوه كالضباع والفهود ونحوها، أو ما كان يمتنع منها بالطيران كالطيور. فإن مثل هذا لا يلتقط. ثالثًا: ما يجوز التقاطه ويلزمه تعريفه، كالذهب والفضة والمتاع. الذهب والفضة معروفة، والمتاع: كالثياب ونحوها. وما لا يمتنع من صغار السباع كالغنم والدجاج ونحوها. وذلك لحديث زيد بن خالد المتقدم. هذا لمن وثق في نفسه، أي أنه قادر على الحفظ وعلى التعريف وقادر على تعريفها. قوله في الذهب والفضة والمتاع: أنها تعرف، الأمر في ذلك واضح لصحة حديث زيد بن خالد. وأما الغنم والدجاج وما كان في معناها مما لا يمتنع بنفسه عن صغار السباع، فهل تعرف عامًا أم لا؟ أم تمتلك مباشرة؟ قولان لأهل العلم. من أهل العلم من قال: بأنها تمتلك ولا تعرف. ومن أهل العلم من قال: بأنها تعرف عامًا. والقول الأول ظاهر الحديث يدل عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الشاة، قال: «خذها؛ فإنما هي لك». واللام هنا للتمليك. ولم يحدد بأن يعرفها أو أن يعرف شكلها أو ما شابه ذلك. بخلاف الذهب والفضة. والقول الثاني أحوط. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.