الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 132، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن المال والجند لا يغنيان عن عذاب الله، مستشهداً بفرعون وقارون، ويبين أن الولاية الحق لله وحده. ويستعرض استنباط ابن السعدي لاحتمال توبة صاحب الجنة بعد ذهاب ماله، مستدلاً بندمه وقوله «يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا».
يبيّن كيف يكرم الله الولي المؤمن بأنواع الكرامات ويدفع عنه العقوبات، محذراً من الاغترار بالنعم الدنيوية التي تلهي عن الآخرة. ويؤكد ضرورة نسبة النعمة إلى الله بقوله ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ لشكرها وحفظها.
يستعرض قصة صاحب الجنتين مبيناً أن المال والولد لا ينفعان إلا إذا استُخدما في طاعة الله، وأن المؤمن يتسلّى بما آتاه الله من الإيمان والعمل الصالح. ويشير إلى أن الولاية الحقيقية والنصر النهائي يكونان للمؤمنين يوم القيامة لا في الدنيا.
يوضح أن هلاك أعداء الولي ونزول العقوبة بهم دليل على نصرة الله لأوليائه المتقين في الدنيا قبل الآخرة. ويذكر أن الدرس انتهى من هذه القصة وسيتناول الدرس القادم قصة أصحاب الفين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الشيخ الإمام المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في سياق ذكره لتمام قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾، أي: لما نزل العذاب بجنته ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه: «أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً»، فلم يدفع عنه من العذاب شيئاً، أشد ما كان إليهم حاجة، وما كان بنفس منتصراً. وكيف ينتصر أو يكون له أنصار على قضاء الله وقدره الذي إذا أمضاه وقدره، لو اجتمع أهل السماء والأرض على إزالة شيء منهم لم يقدروا؟ فانظر إلى ما أوتي في هذه الدنيا من مال وولد، هل أغنوا عنه شيئاً؟ هل منعوا عنه العذاب؟ كم ممن قص الله عز وجل علينا في كتابه ممن أوتوا ملكاً عظيماً من الأموال والجند: فرعون، هو القائل: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾، فلما قدر الله عز وجل عليه الغرق، هل أغنت عنه جنده شيئاً؟ هل استطاعوا أن يمنعوه من الغرق وأن يدفعوا عنه الغرق؟ أبداً. وهكذا قارون، كم أوتي من المال ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فلما خسف به، هل أغنت عنه تلك الأموال شيئاً أبداً؟ بل خسف الله به وبماله وداره الأرض. فإذا مهما أوتي الإنسان في هذه الدنيا من مال أو جند أو أعوان أو أنصار، فإذا نزل أمر الله لا يستطيع أحد أن يرده، وهذه القصة خير شاهد على ذلك. «ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه أن صاحب هذه الجنة التي أحاط بها فحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة فحسن حاله، وراجع رشده، وذهب تمرده وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ما يطغيه، ما هو سبب طغيانه هذه الجنة، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم جهول». وهذا استنباط من المفسر رحمه الله أنه لم يستبعد أن هذا الرجل صاحب الجنة قد تحسنت حاله، وكان ذهاب هذه الجنة سبباً لصلاحه ولرجوعه إلى ربه، فلم يرد في القرآن التصريح بذلك، لكن استنبط المفسر هذا المعنى من ندمه، ومن قوله: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، فهذا فيه شيء من الندم والحسرة، فلعل هذا الندم كان سبباً في توبته ورجوعه وإنابته. وقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾، أي: في تلك الحال التي أجرى الله فيها العقوبة على من طغى وآثر الحياة الدنيا، والكرامة لمن آمن وعمل صالحاً وشكر الله ودعا غيره لذلك، يعني: دعا غيره إلى شكر النعم، يعني المؤمن الذي وعظ وذكر ونصح صاحب الجنة، ﴿وَشَكَرَ اللَّهَ وَدَعَا غَيْرَهُ لِذَلِكَ﴾، تبين وتوضح أن الولاية لله الحق وحده، فمن كان مؤمناً به تقياً كان له ولياً، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فكل من كان مؤمناً تقياً كان لله ولياً. «فأكرمه بأنواع الكرامات»، أي: هذا الولي المؤمن التقي، فأكرمه بأنواع الكرامات، ودفع عنه الشرور والمثلات، والمثلات يعني العقوبات، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمُ الْمَثُلَاتُ﴾، أي: الأمم التي حلت بهم العقوبات، حلت بهم العقوبات. «ومن لم يؤمن بربه ويتولاه خسر دينه ودنياه، فثوابه الدنيوي والأخروي خير ثواب يرجى ويؤمل». هذه جملة اعتراضية، ففي قوله: «فأكرمه بأنواع الكرامات»، أي: هذا الولي المؤمن التقي، ودفع عنه الشرور والمثلات، هذا أيضاً الولي المؤمن التقي، ثم جعل جملة اعتراضية وهو قوله: «ومن لم يؤمن بربه ويتولاه خسر دينه ودنياه»، هذه جملة معترضة، ثم قال: «فثوابه الدنيوي والأخروي»، هذا الكلام الآن للمؤمن التقي الولي، رجع إليه بهذا الوصف: «فثوابه الدنيوي والأخروي خير ثواب يرجى ويؤمل»، فمن اتقى الله نال ثواب الدنيا والآخرة، من اتقى الله عز وجل نال الدنيا والآخرة، هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى. قال: «فوائد من هذه القصة»، وهذه الفوائد للمؤلف نفسه، يعني الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «ففي هذه القصة العظيمة اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعمًا دنيوية فألهته عن آخرته وأطغته وعص الله فيها، فإن مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع بها قليلاً فإنه يحرمها طويلاً، وأن العبد ينبغي له إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده أن يضيف النعمة إلى موليها ومسديها وهو الله عز وجل، وأن يقول: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ليكون شاكراً لله متسبباً لبقاء نعمته عليه، بقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾». هذه دروس عظيمة، أولها: هذا الدرس العظيم أن نعتبر بحال من سبق، وبحال من أخبر الله عز وجل عنه ممن أنعموا بنعم كثيرة دينية ودنيوية فألهتهم النعم الدنيوية عن الآخرة وعن الأعمال الصالحة، فإن هذه النعم تزول عنهم، ولا محالة تزول عنهم، ولا محالة، فإن مآلها، أي نهايتها، الانقطاع والاضمحلال، إما أن تنقطع انقطاعاً، أو أنها تنقص وتقل حتى تنتهي، وأنه إن تمتع بها قليلاً فإنه يحرمها طويلاً. هو الآن منتعش ومتمتع بهذه النعمة، فيظن أنه ستبقى له هذه النعمة وستستمر معه، فيطغى ويتكبر ويكفر نعمة الله عز وجل عليه، فإذا بها تذهب. وكذلك قد يعجب الإنسان بماله أو بولده أو بمسكنه أو بمركبه أو بزوجته أو بأي نعمة من نعم الدنيا، فإذا أعجبه شيء من ذلك يأتي بهذا الذكر، فإنه سبب لحفظه: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. ولذلك فرق أهل العلم بين أن يرى المسلم نعمة عند غيره، فهنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعجبه شيء فليبرك»، يعني يقول: «بارك الله، ما شاء الله، بارك الله»، لكن من أعجبه شيء من ماله أو من النعمة التي يتمتع بها فليقل هذا الذكر كما في القرآن: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، ولا مانع أن يدعو لماله بالبركة فيقول: «اللهم بارك لي فيه»، لكن يأتي بهذا الذكر: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وهذا الذكر له معنى عظيم، أي: أن هذه النعمة ليست بحولي ولا قوتي ولا علمي ولا ذكائي ولا فطنتي ولا حرصي، وإنما أمر شاءه الله وأمر قدره الله بحوله وقوته سبحانه وتعالى، ففيه هذا المعنى العظيم وهو نسبة النعم إلى موليها ومسديها، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فإذا أضيفت كل النعم إلى الله سبحانه وتعالى، فمن قال: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ فقد أضاف هذه النعمة إلى مسديها وإلى موليها. قال: «وفيها الإرشاد إلى التسلي على زهد الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير، لقوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلُّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ﴾». كنت فقيراً، كنت ضعيفاً، كنت محروماً من كثير من نعم هذه الدنيا، فتسلَ بما أعطاك الله عز وجل من الإيمان، ومن القرآن، ومن العلم، ومن السنة، ومن الأعمال الصالحة، احمد الله عز وجل على هذه النعم الدينية العظيمة التي لا توازى ولا تقارن بنعم الدنيا. فهذا الرجل المؤمن لما افتخر عليه صاحب المال والولد بماله وولده، قال: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ﴾، كم ستعيش في هذه الدنيا؟ ثم الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، وسيوافيك أحسن الجزاء، كما قال الله عز وجل: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يجزيك الله عز وجل على هذه الأعمال الصالحة وعلى هذا الإيمان أحسن الجزاء يوم القيامة، فهذا فيه تسلية لنا جميعاً، معاشر الدعاة إلى الله وطلبة العلم، ممن صبروا على هذا الطريق الذي ليس هو طريق جمع الأموال، ولا نيل الرئاسات والوجاهات، ولا هو طريق كذلك الجاه والشهرة ونحو ذلك، وإنما هو طريق الجنة، ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. قال: «وفيها في هذه القصة أن المال والولد لا ينفعان إن لم يعينا على طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾». هذا لفت من المؤلف أن المال لا يذم لذاته، وإنما يذم لما يعمل به مالكه، فإن سخر هذا المال في معصية الله وفيما يغضب الله، فهذا المال يكون حسرة وندامة على صاحبه يوم القيامة، يوم القيامة، وإن سخر هذا المال في مرضاة الله في النفقات الواجبة والنفقات المستحبة وفي عمل البر والخير والإحسان، فإن هذا المال يكون سبباً لنعيم هذا المنفق ولسعادته في الدنيا والآخرة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنتين»، وذكر منها: «ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في حقه». قال: «وفيها الدعاء بتلف مال من كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصاً إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين وفخر عليهم»، إنسان بسبب ماله تكبر وطغى وترفع على إخوانه المؤمنين، وأصبح بسبب هذا المال يفخر عليهم، فيجوز والحالة هذه أن يدعى بتلف ماله، أن يدعى عليه بتلف ماله حتى لا يتكبر ولا يطغى بماله على خالقه وعلى عباد الله عز وجل، والدليل على ذلك هذه القصة، فإن هذا المؤمن دعا على صاحب هذه الجنة فقال: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتَصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾. قال: «وفيها أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء ووجد العاملون أجرهم، فهنالك الولاية، هنالك الولاية لله الحق، وخير ثواباً وخير عقبى، أي عاقبة ومآلاً». فمتى يظهر نصر الولي المؤمن؟ إذا هلك أعداؤه، وإذا نزلت العقوبة بأعدائه، فيعلم حينئذ الكل أن الحق مع هذا الولي، وأن الله عز وجل إنما يوالي أولياءه المؤمنين المتقين، فينصرهم في الدنيا قبل الآخرة، قبل الآخرة، كما في هذه الآية. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القصة، وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قصة أصحاب الفين، بارك الله فيكم، إلى هنا ورد آخ