من صحيح القصص النبوي 3

من صحيح القصص النبوي 3

الدرس في من صحيح القصص النبوي 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث أبي هريرة في سقيا الحديقة

يستعرض المقطع حديث أبي هريرة عن رجل سمع صوتاً من سحابة يأمرها بسقيا حديقة شخص محدد، فتبع الماء ووجد صاحب الحديقة يصرفه بمسحاته. طابق اسم صاحب الحديقة الاسم الذي سمعه، وأخبره أنه يتصدق بثلث الثمر ويأكل ثلثاً ويرد ثلثاً للحديقة.

كرامة السحابة المسماة باسم صاحب الحديقة

يروي المقطع قصة رجل سمع صوتاً في السحابة يأمر بسقاية حديقة شخص باسمه، فتبع الماء حتى وجده يصرفه إلى حديقته. سأله عن سبب هذه الكرامة فأخبره بتقسيم محصول حديقته ثلاثة أقسام: للفقراء، ولعياله، ولإصلاح الحديقة.

تقوى الله والزكاة وأثرهما في الرزق والبركة

يبيّن المقطع أن تقوى الله وأداء حقه في المال من زكاة وصدقة سبب لزيادة الرزق والبركة، بينما منع الزكاة يجلب القحط. كما يؤكد إثبات كرامات الأولياء بشروطها وفضل الصدقة وكفاية المسلم لأهله.

الحد المشروع للصدقة وعدم الإضرار بالورثة

يوضح المقطع أن الإسلام نهى عن التصدق بجميع المال لإضرار بالنفس والورثة، مستدلاً بحديث سعد بن أبي وقاص حيث أقر النبي صلى الله عليه وسلم الثلث كحد أقصى. وقال: "الثلث، والثلث كثير".

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن القصص النبوي الذي تم اختياره في هذا الدرس حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحّى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة. فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله. فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته. فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له صاحب الحديقة: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماءه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك. فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأرد فيها ثلثاً». رواه مسلم في صحيحه. هذا الحديث فيه كذلك فوائد كثيرة ومعانٍ عظيمة. نأخذ أولاً شرحه وألفاظه، ثم نذكر ما تيسر من فوائده وأبحاثه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخبر عن رجل في الأمم السابقة - في الأمم السابقة -: هذا الرجل كان بفلاة من الأرض، والفلاة هي الأرض التي لا بناء عليها، ما عليها بناء، ولا عليها كذلك شيء مما تسكن فيه، فهي فلاة. فسمع صوتاً في سحابة، وهذا شيء خارق للعادة: سمع صوتاً في سحابة فوقه. ما هو هذا الصوت؟ الصوت: «اسق حديقة فلان». يعني ذكرت هذه الحديقة باسم شخص، أنت اسمك محمد أو أحمد أو سعيد، قالت هذه السحابة: اسق حديقة سعيد، اسق حديقة أحمد، يعني ذكرت اسماً لصاحب هذه الحديقة. أهذا مما يستغرب منه؟ صوت يصدر من سحاب. فتنحّى ذلك السحاب، أي برز هذا السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، يعني أمطرت هذه السحابة ونزل هذا الماء في حرة، والحرة هي الأرض الملبسة حجارة سوداء، الأرض التي فيها الأحجار السود، يعني مغطى بالأحجار السود، هذه تسمى حرة. فنزل الماء في هذه الأرض التي هي عبارة عن أحجار سوداء. قال: «فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله». ومعنى «فإذا شرجة» بفتح الشين وسكون الراء: شرجة، والشرجة هي مسيل الماء، يعني الفرع الذي يكون في الأرض فيخرج منها الماء. فمثلاً على سبيل المثال: لنفرض أن هذه الحرة هذا المسجد، فالشرجة هي بمثابة هذه الأبواب، الناس هؤلاء أنتم الآن بمثابة الماء، لما ينتهي الدرس كل واحد يذهب إلى الباب الذي يؤدي إلى بيته، صح؟ هاشم يخرج من هذا الباب، بيتها هنا، طيب. وكذلك بعضهم مثلاً ليسكن في هذه العمارة يخرج من هذا الباب، الذي يريد المدرسة أو الحمام يخرج من هذا الباب، كل واحد له منفذ يخرج منه. وهكذا هذه الحرة فيها عدة قنوات وفتحات، إذا نزل الماء تتوزع فيها، يتوزع فيها الماء: اللي يخرج من هنا، واللي يخرج من هنا، واللي يخرج من هنا، واللي يخرج من هنا. فهذه الشرجة خرج منها الماء، ولم يخرج من بقية الشراج أو بقية - نعم - الشراج، خرج من فتحة واحدة فقط من بين فتحات كثيرة. قال هنا: «فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، خرج في هذه الشرجة». قال: «فتتبع الماء». الرجل الآن صابه شيء من الذهول والاستغراب: السحاب يخرج منه صوت، ينزل الماء، يدخل الماء في فتحة معينة. فبدأ هذا الرجل يمشي مع الماء: أين يريد هذا الماء الذي ذكر اسم صاحبه؟ فتتبع الماء، قال: «فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته». يعني أن هذا الماء مرسول كما يقال، هذا الماء باسم هذا الرجل، أنزله الله وأدخله في الشرجة التي تؤدي إلى حديقته، التي تؤدي إلى حديقته. فوجد هذا الرجل يحول الماء بمسحاته. تقول: المسحة، هذا معروف حتى عندنا، يقال لها مسحة، هي الآلة التي فيها عصا وحديدة مذببة، يعني يحول بها الماء أو تحفر بها الأرض أو نحو ذلك، معروف إلى الآن. قال: لها مسحة. نعم. فوجد هذا الرجل معه هذه المسحة يحول الماء، أي ينفس ويوسع للماء كي يدخل إلى حديقته. فقال هذا الرجل الذي سمع الصوت لصاحب الحديقة: «يا عبد الله». ما سمّط، وعبد الله هنا ناداه بحقيقة وصفه، كلنا عبيد لله، عزيزي، كما مر معنا في حديث عبد الله بن عتيق. فقال له: «يا عبد الله، ما اسمك؟» صاحب الحديقة قال: فلان، مثلاً اسمه سعيد. قال له: اسمي سعيد، نفس الاسم الذي سمع الرجل أين؟ في السحابة. طابق الصوت الذي سمعه في السحابة اسم هذا الرجل صاحب الحديقة. فصاحب الحديقة استغرب: أنت لو جاء واحد عندك وقال لك: إيش اسمك؟ أكيد يعني يريد منك شيء، يستثبت من شيء، يعطيك شيء مرسول إليك، أو يتأكد من شيء. صح؟ ما يسأل واحد عن اسم الآخر إلا وله مقصد، له مقصد من هذا السؤال. فصاحب الحديقة يقول للرجل: لماذا تسأل عن اسمي؟ فقال له هذا الرجل: «إني سمعت صوتاً في السحاب، الذي هذا ماءه، الذي أنت الآن دخل الحديقة، هذا ماءه، يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، يعني نفس الاسم الذي ذكرته لي. فما تصنع فيها؟». هذه كرامة أكرم الله عز وجل بها هذا الرجل. ولذلك الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى ذكر هذا الحديث في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في باب كرامات الأولياء، لأن هذا أمر خارق للعادة. فتستقرب هذا الرجل، قال له: أنت عندك خبيئة، عندك سر، هذا السر هو سبب اختصاصك بهذا الرزق، وهو الماء. تذكر السحابة اسمك، ثم تنزل في حرة، ثم تدخل في الشرجة التي توصل إلى حديقتك. في سر هناك، إيش تصنع؟ ماذا تفعل؟ فقال صاحب الحديقة للرجل: «أما - أو - أما إذ قلت هذا، يعني طالما أنك قد خلصت دخلت في حالي وسألتني عن هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها»، يعني ما ينتج من هذه الحديقة، يجمعه ثم يقسمه أثلاثاً. لو كان مثلاً تسعمائة صاع، يجعل ثلاثمائة وثلاثمائة وثلاثمائة صاع، يقسمه أثلاثاً. قال: «فإني أنظر إلى ما أخرج منها، فأتصدق بثلثه». هذا ثلث صدقة للفقراء والمساكين والمحتاجين. «وآكل أنا وعيالي ثلثاً». ثلث أعف به نفسي وأولادي، نأكل منه حباً أو براً أو تمراً أو نحو ذلك، أتقوى به أنا وعيالي. «وأرد فيها ثلثاً». ومعنى «أرد فيها ثلثاً»: أجعل ثلثاً لمصالح هذه الحديقة، الحديقة تحتاج إلى شراء أشياء، وإلى إصلاح أمور، وإلى ربما أجرت عامل ونحو ذلك، فثلث أرده في هذه الحديقة. إذن ما هو السر في اختصاصه بهذا الرزق؟ إنه تقوى الله سبحانه وتعالى، ومعرفة حق الله عز وجل في هذا المال. فهذا رجل تقي، رجل تقي، فبسبب تقواه وصلاحه وولايته خصه الله عز وجل بهذا الرزق. وفيه معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وفيه أن إخراج الزكاة في الأموال الزكوية من النقدين، أو من الثمار، أو من بهيمة الأنعام، سبب لزيادة الرزق والبركة فيه، والبركة فيه. والعكس بالعكس: فإن منع الزكاة سبب لقلة الرزق وقطع الأمطار من السماء، كما جاء في حديث ابن عمر عند ابن ماجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الصحابة وقال: «خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن»، وذكر من هذه الخمس: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولولا البهائم لم يمطروا». فلعل ما يبتلى به الناس اليوم من قلة وشحة في المياه إنما هو بسبب عدم إخراج حق الله عز وجل في الأموال. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: فيه إثبات كرامات الأولياء، فأهل السنة يثبتون كرامات الأولياء بضوابطها وشروطها، كأن تكون هذه الكرامة وقعت على يدي ولي من أولياء الله، والولي هو كل مؤمن تقي، كل مؤمن تقي، كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ففيه إثبات كرامات الأولياء إذا ثبتت لولي. وانتبه إلى قول: «ثبتت»، بمعنى أنها صحت سنداً، لا يعني يخبر بها من غير خطام ولا زمام، وإنما يكون لها سند صحيح كقصتنا هذه، فقد أخرجها الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، في صحيحه. وفي هذا الحديث أيضاً: جواز الإخبار عما يقع في الأمم السابقة، ومن أجل أخذ العظة والعبرة. فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا وأخبرنا عن قصة هذا الرجل، لما فيها من الموعظة، ولما فيها من العلم. وهكذا القصص الذي فيه من العلم، وفيه كذلك من المواعظ، ينبغي أن تكون من أحاديث مجالسنا. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فيه فضل الصدقة، وأنها سبب لزيادة الرزق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال»، وكما قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً». وفي الحديث الآخر: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك، يا ابن آدم أنفق أنفق عليك». ففيه فضل الصدقة، وأنها سبب لزيادة الرزق، كما قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. وهكذا. من فوائد هذا الحديث: فيه عناية المسلم - نعم - عناية المسلم بأن يكفل من يعول، من يعول. فهذا الرجل لم يتصدق بكل ما في هذه الحديقة، بل جعل ثلثاً منها لعياله، يعف بها نفسه، ويعف بها أهله من ولد وزوجة وأم أو أب أو نحو ذلك. وهكذا المسلم لا يتصدق بجميع ماله فيتكفف الناس بعد ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، أعطوهم أو منعوهم، لما أراد أن يتصدق بجميع ماله، وبنصف ماله، وبثلثي ماله، وإنما أذن له بأن يتصدق بثلث ماله، قال: «الثلث، والثلث كثير». نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر