شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 35

شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 35

الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قاعدة أداء الأمانة وحكم الخيانة

يشرح المقطع وجوب أداء الأمانة إلى أهلها مستنداً إلى نصوص شرعية، مع النهي عن خيانة من خان حتى لو جحد الحق. ويستعرض أنواع الأمانات كمال اليتيم والعارية والوكالة، وينقل خلافاً فقهياً حول جواز اقتطاع الدين من غريم جاحد في معاملة لاحقة.

مسألة الضفر وجواز أخذ الحق بالظفر

يتناول المقطع قاعدة "مسألة الضفر" التي تجيز للدائن أخذ حقه من مال مدينه إذا ظفر به بشرط ثبوت الحق شرعاً. ويقسم العلماء أسباب الضفر إلى سبب ظاهر كنفقة الزوجة والضيف، وسبب خفي كالدين والقرض، مستدلين بأحاديث نبوية.

تفصيل حكم الأخذ بالخفية والفرق بين السبب الظاهر والخفي

يبين المقطع أن الأصل عدم جواز أخذ المال بالخفية إذا كان السبب خفياً كجحد الوديعة، بل يجب الرجوع للقاضي وهو قول الجمهور. أما إذا كان السبب ظاهراً كنفقة الزوجة وحق الضيف فيجوز للأخذ أن يأخذ حقه بنفسه، مع تفصيل الخلاف في السبب الخفي.

خاتمة الجلسة والاكتفاء بالطرح

يختتم المتحدث الجلسة معلناً الاكتفاء بما تم طرحه من مسائل فقهية، مستعيناً بالله ومفوضاً أمر العلم إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «أدِّ الأمانة للذي قد أمنك، ولا تخن من خانك، فهو قد هلك». قال المؤلف رحمه الله تعالى: الشيخ المعتمين: «أدِّ الأمانة للذي قد أمنك، ولا تخن من خانك، فهو قد هلك». قال: هذه قاعدة من القواعد الفقهية، وهي أن الإنسان يجب عليه أن يؤدي الأمانة إلى من ائتمنه. من أعطاه أمانة وديعة يجب عليه أن يؤديها، ولا يخن من خانه. إذا حصلت خيانة، فهو لا يخونه في أمانته أيضًا؛ لأن الله عز وجل أمر بأداء الأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. فلذلك إذا حصل أن إنسانًا أعطى إنسانًا أمانة، فالواجب أنه يؤديها من غير تعدٍ ولا تفريط. وجاء هناك حديث إسناده لا بأس به، وممكن أن يقال إنه في الشواهد، وفيه: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». معنى بعض طرقه فيها ضعف، لكن بمجموع الطرق يدل على صحته: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»، وهو نفس القاعدة. وهذه الأمانة سواء كانت مالًا أو غيره، مثلاً: مال يتيم، أو شيء لليتيم، أو مثلاً عارية تعتبر أمانة. إنسان أعار شيئًا من عنده آخر، تعتبر هذه أمانة، لا بد أن يؤديها. أو وكيل: أن ائتمنك مثلاً على سلعة، أيضاً وكلك تبيعها، أيضاً لا بد أن تؤدي هذه الأمانة، وهي أمانة البيع، وهكذا. وقوله هنا: «ولا تخن من خانك»، فقال المؤلف هنا: «ولا تخن من خانك، من خانك فهو قد هلك». هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. مثلاً: لو أن إنسانًا استدان عند آخر، فقال له: أريد ألف ريال سعودي مثلاً، أعطاه ألف ريال سعودي، ثم طالبه، فجحد، قال: ما أعطيتني شيئًا. ثم اشترى منه سلعة بثمن مؤجل، مثلاً: هذا يبيع سلعة، اشترى منه سلعة سيارة مثلاً، أعطاه نصف المال، وبقي نصف المال. فيقوم: هل يجوز له مثلاً أن يخصم المال هذا الذي له عليه، يخصمه من هذا المال؟ كلام المؤلف يقول: إنه لا تخن من خانك. هذا أيضًا في الحديث. فقال أكثر أهل العلم - وهو قول الجمهور -: إنه لا يخصم ماله، بل يطالبه في المحاكم، ولا يأخذ هنا؛ لأنه هناك يقول: إنه خانه. سيكون هنا لا؛ لأن هذا لو فُتح الباب لتلاعب الناس بمثل هذه الدعاوى. لكن إن كان عليه دعوى، مثلاً يطالبه بألف ريال سعودي، مثلاً يذهب إلى الحاكم يطالبه بهذا المال. أما أنه يأخذه من شرائه ومن كذا، فليس كذلك. قال: تمام هذه القاعدة: «وجائز أخذك ما لك حق شرعاً ولو سراً كضيف فهو حق». هذه المسألة تخرج من قوله: «ولا تخن من خانك». وهذه المسألة يسمونها مسألة الضفر، يسميها الفقهاء مسألة الضفر. وهي أن يظفر الإنسان بمال لشخص له حق عنده، جحده إياه. فهل له أن يأخذ منه هذا المال بدلاً من حقه أو لا؟ على نفس المسألة: إذا كان عنده مال لكن جحده، ثم تمكن من مال له، تمكن من مال له، هل يجوز له أن يأخذ هذا المال بدلاً عن ماله الذي جحده؟ فقسمها بعض العلم إلى قسمين: أولاً: أن يكون هذا المال ظاهرًا، أو السبب يكون ظاهرًا. السبب يكون ظاهرًا، مثلاً: أخذه غصبًا، أخذه غصبًا. أو مثلاً السبب الذي جعله يأخذ، مثلاً: نفقة الأولاد. نفقة الأولاد، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام لزوجة أبي سفيان: «خذي من ماله ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف». أخذ نفقة من ماله أنت، ونفقتك، ونفقة أولادك بالمعروف. فأجاز لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله، مثل معنى هذه النفقة. أو حق الضيف كما ذكر الشيخ: «ولو سراً كضيف فهو حق». النبي عليه الصلاة والسلام جعل للضيف حقًا، وهذا من الأمر الذي يكون سببه ظاهر: نفقة الضيف للضيافة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نزلتم على قوم فلم يقروكم فخذوا قراكم منهم». فلم يقروكم، لم يضيفهم، فخذوا قراكم منهم. فلن وجدت شيئًا فخذوه. وهذا الحديث في الصحيحين: «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف». والأمر الثاني: أن يكون السبب خفيًا. السبب خفيًا، ما يدري إيش السبب. مثل أن يكون قرضه مالًا، أو ثمن مبيع اشترى منه شيئًا، أو قيمة متلف. فهنا في مثل هذه الحالة، الحالة ليس له أن يأخذ ممن أخذ، أو جحد وديعته، أو جحد عاريته، أو جحد ما أعطاه. فهذا السبب يعتبر خفيًا. فإذا ظفر الإنسان بمال لهذا الشخص، فلا يأخذ. وهنا تتحقق: «فلا تخن من خانك». وإنما ترجع إلى القاضي. إذا كان مثلاً ما سيأتي بالصلح، أو ما سيأتي بالكلام، ترجع إلى القاضي فتأخذ حقك. لأن لو دُعي لكل أحد هذا، فُتح هذا الباب، وتلاعب الناس به، وذهب. وذهب جماعة من أهل العلم، كالشافعي وأبي حنيفة، وأيضًا وهو في مذهب مالك، على أنه يجوز أن يأخذ هذا المال إذا كان السبب خفيًا، يجوز أن يأخذ هذا المال. وبعضهم، أي بعض هؤلاء الشافعية، قال: يجوز لكن إذا كان لا يمكن إثباته عند القاضي. إذا كان لا يمكن إثباته عند القاضي يجوز، أما إن كان يمكن إثباته عند القاضي فلا يجوز. معنى ذلك: معنى إذا كان صاحب الدين مثلاً عنده بيّنة، عنده بيّنة تدل على جهده. معنى جحد: قال: أنا ما عندي هذا المال، قد أعطيتك، وعنده بيّنة على أنه أعطى، مثلاً جاء بسند أنه أعطاه. فالآن السبب ينقسم لقسم: ما كان ظاهرًا فهذا يجوز، وما كان خفيًا ففيه هذا الخلاف الذي حصل من العلماء. والصحيح أنه لا يأخذ، أنه لا يأخذ مادام أن السبب خفي، ويذهب إلى، أو يطالب بحقه عند القاضي، يطالب بحقه عند القاضي. فخلاصة هذه القاعدة: أن من ائتمنك أمانة فلا تخنه، ولو خانك. هذا هو الأصل. لكن هل يجوز في بعض الحالات أن يأخذ؟ نعم، إذا كان السبب ظاهر، إذا كان السبب ظاهر، له أن يأخذ هذا المال، ولو خفية، ولو بدون إذنه. مثل كما قلنا: نفقة الأولاد والزوجة، إذا لم ينفق عليهم، فلهم أن يأخذوا بالمعروف، بقدر ما يعرف في إعطاء النفقة. وكذلك كما ذكر هنا: الضيف. الضيف معنا، مثلاً: جاءوا إلى أناس، نزلوا عندهم ضيوف، ما أكرموه، ولا يعطوهم حق الضيافة. فوجدوا رأس لحم موجود، أو عنده لحم حيوانات، فيجوز لهم أن يأخذوا واحد ويذبحوا ويأكلوا. المهم أنهم إذا احتاجوا إلى الأكل، وهذا لم يضيفهم، فإنه لهم أن يأخذوا، ولو بخفية، يأخذوا ولو بخفية. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.