الدرس في كتاب البيوع 109، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع مفهوم إحياء الموات بالعمارة والبناء والزراعة وحفر الآبار، وتقدير ذلك بالعرف والقانون، مع تفصيل أحكام حريم البئر حيث تبلغ خمسين ذراعاً في العادية ونصف ذلك في البادية درءاً للضرر، مستنداً إلى أثر سعيد بن المسيب، كما يتناول حريم النخل والأنهار.
يوضح المقطع أن ملكية الأرض الموات تثبت بالإحياء لا بمجرد الإقطاع، ويجوز للإمام منح الأرض لمن يعمرها مع تحديد مهلة كما فعل عمر بن الخطاب مع بلال بن الحارث، مع تفصيل خلاف العلماء في جواز بيع الأرض المقطوعة قبل إحيائها، وبيان أحكام المعادن الظاهرة والباطنة في الأرض المقطوعة.
يتناول المقطع جواز الجلوس في الطرق الواسعة بشرط عدم الإضرار بالناس، ويشرح معنى تخصيص قطعة أرض أو مكان للجلوس للناس مثل رحبة المسجد، ويشير إلى تسجيل ذلك كملك لأمانة أو وقف عام.
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. فذكرنا مسألة الحياء، إحياء الموات، وأنها تكون بالإعمار؛ من أعمر أرضا فهي له. لكن إذا لم يعمرها، وإنما حاط عليها حائطا، فهذا الصحيح كما ذكرنا أنه بحسب عرف الناس، يرجع إلى العرف؛ إن كان هذا يعتبر تعميرا لها فبها، وإلا فالأغلب أن مثل هذا ليس تعميرا، فلذا يرجع هذا إلى الحاكم، فإن كان قد قرر قانونا في هذا ويأخذ به، لأن الشرع لم يحدد مسألة الحياء. لكن معروف في اللغة أن الحياء هو الإعمار: إما يعمرها ببيت، أو يعمرها بزرع. قالوا: حفر بئرا فوصل إلى الماء، أو أجراه إليه من عين أو نحوها، أو حبسه عنه ليزرع، فقد أحياه. يعني: إذا حبس الماء عن الزرع ليزرع، فإن من الزرع ما يحتاج إلى حبس الماء عنه، يعني قد الماء هذا يقتله، فإذا كان هذا الماء يسيل إلى الأرض فاشتغل حتى حبس هذا الماء وأوقف هذا الماء عن الجهة التي لا يريدها، فإن هذا أيضا يعتبر إحياء. وإذا حفر بئرا ووصل إلى الماء، فمعنى ذلك إحياء للأرض، أو أجراه إليه من عين، أيضا هذا إحياء للأرض. وإذا اشتغل مثلا بإزالة الأحجار ونحوها عن الأرض، وإصلاح مثلا، أو إصلاح هذه الأرض بالأسمدة، فهذا أيضا إحياء لها. لكن كما قلنا يرجع ذلك كله إلى العرف، إلى عرف الناس. قال: ويملك حريم البئر العادية خمسين ذراعا من كل جانب، وحريم البادية نصفها. إيش العادية؟ العادية: البئر العادية القديمة. قلنا: العرب يقولون هذا "عاد"، معناه أنه من قوم عاد، قديم، يطلقون على الشيء القديم "عاد". قوله هنا: "ويملك حريم البئر"، والحريم هو ما يمنع غير المالك من التصرف فيه. الحريم: بمعنى المكان الذي يجعله الشخص لنفسه، أو بمعنى هو الذي يتصرف في ذلك المكان، إما يحوطه بحائط أو كذا. معنى حريم البئر: حتى لا يدخل أحد ويتعدى ويأخذ الماء. وسُمي حريما؛ قيل: لأنه يحرم على غيره. فيقول: أن حريم البئر القديمة خمسون ذراعا على مثل خمسين ذراعا، تقريبا خمسة وعشرون مترا. الذراع قيل أنه خمسة وسبعون سنتي، أنا قريب: الذراع خمسة وسبعون لأنه تسعين، وتسعين سنتي، وار. بعضهم يتجاوز يجعلها مترا. خمسون ذراع تعتبر خمسة وعشرين مترا. واستدلوا بمسألة الحريم هذه بما جاء عن سعيد بن المسيب رحمته الله عليه أنه قال: السنة أن يكون حريم البئر العادية خمسين ذراعا، وحريم البادية خمسة وعشرين ذراعا. هذا رواه أبو داود في المراسيل بسناد صحيح، وله شاهد أيضا عن الزهري عند أبي داود أيضا في المراسيل. معنى: إذا كانت بئر عادية يكون الحريم أكثر، لماذا؟ لأنها غالبا تسقط، فيخاف من السقوط وكذا، فيجعل الحريم أكثر. معنى يكون خمسة وعشرين متر من كل جانب، خمسة وعشرين متر من كل جانب، لكن هذا كثير، لكن هم أخذوها على الحديث. معنى: يريد إيش؟ أن هذه المنطقة يزرع فيها، لهوان يزرع فيها، لأنها عند البئر. معنى: كأنه أحياها. إذا جاء فعل بئر في مكان، وهذا المكان ليس لأحد، فيعطى خمسة وعشرين متر من كل اتجاه إذا كان بئر قديمة، أما إذا كان بئر جديدة فيعطى أقل، يعطى نصفها، نحو 12 متر أو 13 متر بكل جانب. وأما إن كان الذي فعله أشجار ونخيل، فإن حريمها ما امتدت إليه أغصانها، ما امتدت إليه أغصانها يكون حريم هذه الأرض. وقد جاء أيضا عند أبي داود عن أبي سعيد قال: اختصم الرجلان إلى النبي عليه الصلاة والسلام في حريم نخل، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بجريدة من جريدها فوجدت سبعة أذرع أو خمسة أذرع، فقضى بذلك. معنى: إذا كانت نخل، ينظر إلى الجريدة، جريدة النخل، بمعنى الغصن، فمدى هذا الغصن يكون الحريم. قال: وأما مثلا إذا كان نهر أو بركة أو كذا، فبقدر ما يحتاج إليه. قال: والإمام يقطع موات لمن يحييه ولا يملكه. معنى: للإمام أن يقطع الموات لمن يحييه، معنى لمصل حتى يحيي الأرض، لأن الشرع حث على الإحياء. وقد أقطع النبي عليه الصلاة والسلام جماعة من الصحابة: أقطع الزبير بن العوام نخلا، وأقطع وائل بن حجر أرضا في حضرموت، وأقطع رجلا أيضا من أهل مارب، أقطع له أرضا في مارب. لكن هل يملكه بالإقطاع؟ إذا قال مثلا الحاكم: هذه الأرض خذها يا فلان، فهل هنا الآن يملكها بهذا الإقطاع تكون حقه، أم أنه يملكها بالإحياء؟ فالملك يكون بالإحياء: من أحيى أرض موات فالأصل أنه لا يملكها إلا بإحيائها. يعني إذا أعطاه أرض، ليس معنى أنه يتاجر فيها مثل ما يفعل الآن الناس، وإنما يحييها: إن كانت أرض زراعية يزرع، إن كانت أرض سكن يبني. وهذا الذي كان يعمل به عمر رضي الله عنه، أنه أخذ من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته مما أقطعه النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في الحديث، وإن كان بعضهم يضعف، لكن له شواهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية، فلما ولي عمر نزع عنه ما عجز عن عمارته، فاستدل به الحنابلة على أن الإنسان لا يملك إلا بالعمار، وهذا أيضا مذهب الجمهور، مذهب الشافعية كذلك. ومثلة: مثلا الإمام متى يأخذ منه هذا؟ عند الإمام الإمام يقرر مهلة، كما ذكرنا عندنا هنا يقولون: أن الأرض الزراعية خمس سنوات، والأرض السكنية عشر، أو العكس. ومعنى أنه إذا أقطعها له لا يملكها، فلذا فبيعها غير صحيح. وهناك رواية عن أحمد أنه يجوز له أن يبيعها، لأنه أحق بها، فهي من اختصاصاته وإن لم يملكها، لكنها نفع له واختصاص له. وقد جاء عند أبي داود أن جهنيين لحقوا النبي عليه الصلاة والسلام في ذهاب إلى تبوك، في الرحبة، فقال عليه الصلاة والسلام: "من أهل ذي المروءة؟" فقيل له: بنو رفاعة من جهينة، فقال: "قد أقطعتها، أي الرحبة، لبني رفاعة". فقال الراوي: فمنهم من باع، ومنهم من أمسك، فعمل. وهذا الحديث سنده لا بأس به، سنده محتج به، ففيه أنه لا بأس أن يبيعها، وهذا هو القول الصحيح: مادام أنها دخلت في اختصاصه، فلا بأس أن يبيعها. الذي يحجز أرضا وتقطع له، يقطع له لأول الماء، فهو حق بها، فإذا لم يحييها فإنها تؤخذ عليه، وإن باعها فله أن ينتفع بمالها. وإن كان هذا المال الذي يكون في الأراضي، جاء في الحديث على أنه لا، لا يستعمل في غيره، أنها إنما يستعملوا، يستعملوا في الأرض. فإن أقطع مثلا الإمام رجلا من المسلمين أرضا، فوجد فيها شيء من المعادن، كالذهب والفضة، أو معادن مثلا ظاهرة كالمملح والكحل: معادن باطنة ومعادن ظاهرة. المعادن الباطنة التي تكون في بطن الأرض: الذهب والفضة وكذا، والقصدير والنحاس. والمعادن الظاهرة: مثل الكحل، المملح، لأنه يكون غالبا موجود في ظاهر الأرض، وإن أحتاج إلى حفر لا يحتاج إلا حفر قليل. إذا أقطع الإمام شخصا أرضا فوجد فيها معدن من المعادن، سواء كان ظاهر أو باطن، قالوا: أنه له، لأن هذه الأرض ملكه. أنا أكثر أهل العلم يقولون: أن هذا له، لأن الأرض من اختصاصاته. وهل للإمام أن يقطع أرضا فيها معادن؟ أما المعادن الظاهرة فليس للإمام، بالاتفاق: ليس للإمام أن يقطع أرضا فيها معدن ظاهرة. ولهذا لما أقطع النبي عليه الصلاة والسلام لأبيض بن حمال المعربي، أقطع له معدن المملح، فقيل للنبي عليه الصلاة والسلام: إنما قطعت له المملح العد، معناه المملح الذي لا ينقطع، سيبيع من هذا كثيرا، فأرجع النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإقطاع، وأقطعه أرضا أخرى. وأما المعادن الباطنة فاختلف فيها العلماء: هل يملكها بهذا الإقطاع أو لا؟ أن هذه المعادن الباطنة التي تحتاج إلى حفر وعمل. فقال بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي: أنه ليس له ذلك أيضا كالمعادن الظاهرة، ليس له أن يقطع إنسان أرض فيها معادن باطنة. وذهب الإمام أحمد، المشهور عنه، وهو قول أيضا في مذهب الشافعي، إلى جواز ذلك، ما لم يكن فيه ضرر، ما لم يكن فيه ضرر. وهذا هو الصحيح، لأن الأصل فيه الحل. وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المعادن القبلية: جليها وغوريها. الجلي: هي الأرض المرتفعة، والغور: هو الأرض المنخفضة. فأعطاه هذه الأرض مع أنها أرض معدن، أرض معدن، فيجوز أن يتملك هذه الأرض، لكن ما لم يكن فيه ضرر. هذا في المعادن الباطنة، أما المعادن الظاهرة فلا يجوز أيضا. ويقطع الجلوس في الطرق الواسعة ما لم يضر بالناس. معناه: يقطع لهم شيء يجلسون فيه، مثل رحبة المسجد، رحبة المسجد، الأماكن عامة، مثلا يجعلها للناس. طيب، إن شاء الله نكتب هذا: ملك بكية لأمانة، نكتب هذا.