الدرس في كتاب البيوع 107، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل أحكام الوديعة ومسؤولية حافظها، حيث يشرح كيفية التعامل مع المطالبة برد الوديعة في حالة تلفها أو ضياعها، وضرورة إثبات ذلك بالبينة أو اليمين. يُقبل قول المودع إذا ادعى تلف الوديعة مع اليمين على عدم التفريط.
يتناول هذا الفصل حكم جحد الوديعة وردها بعد تقديم البينة، حيث يُشرح أنه إذا جحد المودع لديه الوديعة ثم جاءت بينة تثبت وجودها، فإنه لا يقبل ادعاءه تلفها أو ردها سابقًا. يُوضح أن جحد الوديعة ثم الإقرار بعد البينة يعد خطأ.
يتناول هذا الفصل كيفية مطالبة الوديعة في المحاكم، حيث يُشرح أن الرجل لم يستطع أن يطالب بحقه شفاهة، فذهب إلى المحكمة التي طالبت به حقه. يُوضح أهمية اللجوء إلى المحاكم لحل النزاعات المتعلقة بالوديعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد، قال: فصل، ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها. هذا الفصل جعله في حكم قول المودع في رد الوديعة إلى ربها، إلى صاحبها أو غيره، أو تلفها. قال: ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها؛ لأنه أمين، معنى ما أعطاه المال إلا لأنه أمين. فإذا قال: قد أعطيت فلانًا، معنى أنه قد أعطاه، لكن كما تقدم في مذهب الحنابلة أنه مع يمينه هو أمين، لكن لا بد من اليمين. إذا قال: قد أعطيت فلانًا أمانته، ويحلف على ذلك إذا كان ذلك الشخص ينكر، فيحلف على أنه أعطاه، فيقبل قوله. وهذا مذهب الشافعي أيضًا. وعند مالك: كان دفعها إليه بغير بيّنة، وإلا لم يقبل إلا ببيّنة. معنى: إذا كان دفعها بغير بيّنة، معنى أنه يحلف. وإذا كان معه بيّنة فيقيم بيّنته. قال: أو من يحفظ ماله، معنى مثل وكيل له، أعطاه الوكيل أو أعطاه زوجته. قال: أو طيب، أو غيره بإذنه. ويقبل قول المودع في رده لربها أو غيره بإذنه. أما إذا قال: دفعتها لفلان بإذنه، فإن أنكر مالكها الإذن أو الدفع، قبل قول المودع مثل ما قيل في ردها لمالكها. قال: وتلفها أيضًا، يقبل قوله أيضًا في تلفها وعدم التفريط. معنى: لو تلفت عليه، أقصد يحلف على أنه لم يفرط. أقصد يحلف على أنها تلفت. كل ذلك يحلف عليه على أنه لم يفرط، ولم يكن هناك تقصير، وأنها تلفت أو سرقت. لكن إن كان التفريط منه، مثلا أخر ردها، طالبه في ردها فأخرها، وتعمد ذلك من غير عذر، ثم ادعى تلفها، فهنا يضمن؛ لأنه فرط. وكما قال بعض العلماء في التعليل: أنه أشبه الغاصب؛ لأنه هذا يطالبه صاحب المال، وهو يقول: إن شاء الله سأعطيك، حتى قال له: تلفت. وقد ذكر الوزير ابن هبيرة في الإفصاح اتفاق العلماء على ذلك، على أن صاحب الوديعة إذا طلبها، وجب على المودع أن لا يمنعها مع الإمكان. أن لا يمنعها مع الإمكان، إذا كان عنده عذر ممكن، مثلا كان مسافرًا، كان كذا، ما استطاع أن يرجعها له. لكن إن لم يكن عنده عذر، فإنه يضمن. فإذا كان هناك عذر، مثلا تكون هذه الأمانة موجودة في مكان، وهو ليس في المكان الذي موجودة فيه هذه الأمانة، ولا يستطيع أن يخبر أحدًا بذلك؛ لأنه لا يعرف أحدًا مكانها، مثلا. فإذا كان له عذر، فلو تلفت لا يضمن. أما إذا لم يكن له عذر، فإنه يضمن. قال: فإن قال: لم تودعني، ثم ثبتت الوديعة ببيّنة أو إقرار، ثم ادعى ردًا أو تلفًا سابقين لجحوده، لم يقبلا. أولًا لما جاءه، قال له: هات وديعتي، قال: ما عندي وديعة لك، ما أعطيتني شيء. ثم لما جاءت البينة، وكان مثلا عندهم ورقة بينهما، قال: هذه معنا سرقت علي، وكذا، وأنا ما أدري. فهذا لا يقبل؛ لأنه جحد أول شيء. فلو كان مثلا صادقًا، لقال ذلك من أول شيء. لكن أول شيء ينكرها، وهذا بعض مثلا الناس يفعل هذا حماقة. تجد مثلا عنده المال، يجحد، كأنه يريد أن يري هذا الشخص لماذا يضع ماله عنده، وهو أمنه. فيقول له: أنا ما عندي شيء، اذهب إلى أي مكان تريده من الأماكن، أنا ما عندي شيء. لكن لما يرى الأمر جد، أو أن صاحب المال يظهر بيّنة، فيقر بعد ذلك، فيقول: لكن تلف علي، وسرق علي، وكذا. لو قال ذلك من أول مرة، لا قبل منه. لكن يجحد، ثم بعد ذلك يقول: ضاع علي، أو تلف علي، فهذا خطأ. قال: بل في قوله: ما لك عندي شيء، ونحوه. إذا جحد، أو بعده، بعد جحوده، أو بعده بها، معنى: بعد جحوده لم تودعني. قال: أو بعده بها، أي بالبيّنة؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البينة، ولا يكذبها. لو قال مثلا: ما عندي شيء، أو ما لك شيء عندي، أو ما لك عندي شيء، وهو يريد: أنها ما عندي هذه تلفت. وقد مثلا يقول له: قد أخبرتك أنها قد تلفت. فالجحود بعد الإقرار قد يكون من باب هذا الباب، يعني: يقول: ما لك عندي شيء، أنا قد أخبرتك أنها قد تلفت، أو سرقت، أو كذا. أو يريد هذا: يريد أنها قد أخذت. هذا المال، مثلا إنسان عنده آلة، فقال لآخر: خذ هذه الآلة واتركها عندك، أنا سوف أسافر وآتي. يقول له: أنا ما أستطيع، عندي أشغال، وكذا. قال: لا، ضعها عند البيت. فتركها، فأخذت. فجاء ويطالبه، يقول له: هات، يقول: أنا ما لك عندي شيء، ما لك عندي شيء. معنى: تركت لك في هذا المكان، وجاء وأخذت. فهنا يقبل قوله، لكن بيمينه. قال: ودعى وارثه الرد منه، أي من وارثه، على أن وارثه رد هذه الوديعة، أو من مورثه. معنى: مورثه هو المودع. قال: لم يقبل إلا ببيّنة. لماذا؟ لأنه ليس هو المؤتمن. فرق هنا بين المؤتمن وبين غيره. لو مثلا هذه الأمانة مات هذا الأمين، والمودع عنده، وجاء صاحب هذا المال ويطالب أبناءه، فقال أحدهم: قد أعطيناك إياها، هذا المال قد أعطيناك إياها. هنا لا يقبل قوله إلا ببيّنة، وإلا فهذا الدعاء، فهو مقر. معنى: من الآن أصبح المدعي الوارث، أصبح يدعي أنه أعطاه إياها. فهذا المدعي يحتاج لبيّنة، وإلا حلف صاحب الحق، وثبتت عنده. قال: وإن طلب أحد المدعين نصيبه من مكيل أو مزون، ينقسم بأن ينقسم إذا كان ليس فيه ضرر. قال: أخذه، أي أخذ نصيبه، فيسلم إليه؛ لأن قسمته ممكنة بغير ضرر، ولا غبن. معنى: هذا الطالب الذي طلب نصيبه من الوديعة يعطى، إذا كانت تستطيع قسمتها، أو كان هناك تمييز بين نصيب أحد الشركاء من نصيب الآخر. فإذا كان سيعطيه بغير ضرر على صاحبه، ولا غبن، فهذا جائز. وبعض العلماء قال: لا يجوز إلا بإذن الحاكم. ويقول بعض الحنابلة: قاله للمستودع، والمضارب، والمرتهن، والمستأجر. أن إذا غصبت العين منه، مطالبة غاصب العين؛ لأنهم مأمورون بحفظها. وللمستودع، والمضارب، والمرتهن، والمستأجر -معنى هؤلاء مأمورون بحفظ هذا المال- معنى: ما يقول: خلاص أخذها فلان، وأنا ما أستطيع أن أقاومها، لا. لابد أن يطالب بها. معنى: يذهب إلى المحاكم، يذهب إلى كذا، حتى يخرجها منه. فإن مثلا عمل بالأسباب، ولم يستطع أن يخرجها، فهو معذور. أما إذا كان مثلا يقول: أخذها وغصبت مني، وكذا، قهرًا أخذت مني قهرًا، وهو يعرف من يأخذها. لا، لا بد أن يطالبه. ليس مثل التلف، السرق مثلا السرق لا يدري من أخذها. لكن لو درى من السارق، لابد أن يطالبه. لكن لو غصبها إنسان، لابد أن يطالب هذا الإنسان، ولو أن يذهب إلى المحكمة. لذا لم يستطع أن يطالبه شفاهة، يذهب إلى المحكمة، المحكمة تطالبه.