كتاب الطهارة 70

كتاب الطهارة 70

الدرس في كتاب الطهارة 70، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الحيض وحدوده وصفاته والفرق بينه وبين الاستحاضة

يشرح المحور تعريف الحيض لغةً وشرعاً، ويناقش أقوال العلماء في أقله وأكثره مرجحاً عدم وجود حد زمني محدد، كما يبين سن اليأس واختلاف المذاهب فيه، ويذكر صفات دم الحيض المميزة له عن دم الاستحاضة.

تمييز دم الحيض عن الاستحاضة وتقديم العادة على التمييز

يناقش المحور حديث فاطمة بنت أبي حبيش في الاستحاضة، وكيفية تمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفة أو بالعادة، مبيناً ضعف الحديث ورجوع المرأة المعتادة إلى عادتها ومن لا عادة لها إلى تمييز الدم.

أحكام المتحيرة والمستحاضة: ضوابط التمييز وآداب الطهارة والصلاة

يُبيّن المحور حال "المتحيرة" التي لا عادة لها ولا تمييز فمرجعها لأكثر العادة أو عادة قريباتها، ثم يستعرض أحكام المستحاضة الخمسة منها جواز وطئها ووجوب الاحتياط في الطهارة واختلاف العلماء في توقيت وضوئها.

حكم الوضوء لكل صلاة عند المستحاضة وتفصيل أقوال العلماء

ينقل المحور عن عروة بن الزبير قوله: «توضئي لكل صلاة»، ويفيد بجواز أن تتوضأ المستحاضة لكل صلاة، كما يجوز لها الصلاة بوضوء سابق سواء كان في الوقت أو قبله، مستعرضاً خلاف الجمهور وابن حزم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحيض. قال: الحيض: مفعَل، حاضت المرأة تحيض حيضاً، وما حيض فهي حِيض. لما كانت له أحكام شرعية من أفعال وتروك، عقد له المصنف باباً، ساق فيه ما ورد فيه من أحكامه. والحيض لغة: السيلان. حاض الوادي إذا سال. وعرّفه أهل الشرع - وكثير من هذا العلم - أنه: دم طبيعة وجبلة، يرخيه الرحم، أو رحم المرأة البالغة في أوقات معلومة. فهو دم طبيعة وجبلة يرخيه رحم المرأة البالغة في أوقات معلومة. وهذا الحيض جاء في أحاديث كثيرة، وهو من أشهر حديث عائشة في فاطمة بنت أبي حبيش. واختلف العلماء في حد أكثره وأقله: هل للحيض حد لأكثره أو لأقله؟ والصحيح أنه لا حد لأقله، والصحيح أنه لا حد لأقله ولا لأكثره. فلو جاء دفعة واحدة ثم انقطع يعتبر حيضاً. وأما أكثره: فذكر بعض العلماء أنه خمسة عشر يوماً كما ذكر الشافعي، وذكر بعضهم كمالك أنه سبعة عشر يوماً، وقال أحمد: أيضاً أكثر ما عُرف سبعة عشر يوماً، أن المرأة تجلس حيضاً سبعة عشر يوماً. وأما الطهر: فلا حد لأكثره ولا لأقله. فالعصر أنه لا حد، لكن لا بد يكون للمرأة منتهى تنتهي إليه حتى يعرف ويفرق بين الحيض والاستحاضة. معلوم أن الدماء التي تقعد المرأة ثلاثة: دم حيض، ودم استحاضة، ودم نفاس. أما دم الحيض ودم النفاس فهو واحد، وأما دم الاستحاضة فهو عرق نزيف يخرج من المرأة. أيضاً: هل للحيض أو للمرأة سن معين تحيض فيه وينتهي أيضاً حيضها؟ فعند الجمهور يقولون: إن المرأة إذا جاءها الدم بعد تسع، أو عند تسع سنين وما فوق، فهذا يعتبر دم حيض، وما كان قبل ذلك لا يعتبر. يقولون: إذا كان قبل هذا لا يعتبر. وأما آخره: فعند الشافعي والمشهور عن أحمد خمسون يوماً - أقصد خمسين سنة. في رواية عن أحمد أنها ستون يوم - أقصد ستين سنة. إذا بلغت المرأة ستين سنة، يُعتبر بعدها الدم الذي يأتيها بعد ذلك ليس دم حيض. هكذا يقولون. والصحيح أنه لا حد لأقله ولا لأكثر. فلو جاء قبل تسع سنوات فهو حيض، إذا جاء بصفاته فهو حيض. وإن أيضاً تأخر حتى إلى سبعين سنة والمرأة تحيض، يعتبر حيضاً، يعني يخرج منها هذا الدم الذي صفاته صفات الحيض. ودم الحيض له صفات يعرف بها: أولاً: اللون يكون مائلاً إلى السواد، وله رائحة. وكذلك دم الحيض يكون غليظاً. أيضاً ذكر بعض المعاصرين صفة رابعة: وهي أن دم الحيض إذا خرج يتجمد - أقصد يسيح - إذا خرج من الرحم يسيح لأنه متجمد داخل الرحم، فلذلك إذا خرج سال. بخلاف الدم العادي: الدم العادي بسرعة يتجمد لأنه سائل في الجسم، فإذا خرج خارج الجسم بسرعة يتجمد. حتى دم الحيض يتجمد لكن تجمده بطيء، بخلاف الدم العادي الذي هو دم الاستحاضة. قال: عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي». رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم. استنكره أبو حاتم. وهذا الحديث جاء من طريق محمد بن عمر بن علقمة، عن أبيه، عن سلمان، عن عائشة. ومحمد بن عمر بن علقمة هو ثقة، لكن عنده أوهام، لكن في حديثه أوهام، ولهذا استنكره عليه. وقال أبو داود بعد إخراج هذا الحديث: كان ابن أبي عدي يحدث بهذا الحديث من حفظه فيذكر عائشة، وإذا حدث من كتابه لم يذكر عائشة، فلذلك استنكره أبو حاتم. وأيضاً أنه لم يأت أحد بمثل هذا الذي جاء به محمد بن عمر. قد روى الناس حديث فاطمة بنت أبي حبيش عن عائشة، ولم يذكر أحد هذا الكلام، وإنما ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم سألها - أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت له: إني أستحاض، فقال: «إن ذلك عرق، فإذا جاء فاجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، فإذا جاء كذلك الدم فأمسكي عن الصلاة، ثم إذا ذهب فصلي». وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي». وأما قوله: «إن دم الحيض دم أسود يعرف»، فهذا يُقرأ «يُعرف» ويقال «يعرف» عن قراءة «يعرف» - يعرف: معنى أنه معروف، ويعرف: أي له رائحة. قال: عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش - تقدم ضبطه في أول باب النواقض - كانت تستحاض. تقدم أن الاستحاضة: ذَرْفُان الدم من فرج المرأة في غير أوانها. وتقدم فيه أن فاطمة جاءت النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دم الحيض دم أسود يعرف» بضم حرف المضارعة «يُعرف» وكسر الكاف. معنى ضم حرف المضارعة: «يُعرف» - «يُعرف» - «يُعرف» - كسر الكاف معنى الرائحة. «يُعرف» - «يعرف» - معنى أن له رائحة. قال: «فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر - أي الذي ليس بتلك الصفة - فتوضئي وصلي». رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، واستنكره أبو حاتم؛ لأنه من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، وجده لا يعرف. قد ضعف الحديث أبو داود. وظهر أن الشيخ هنا أوهم في هذا: ليس هذا الحديث من رواية عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، وإنما هو من رواية محمد بن عمر بن علقمة، عن أبيه سلام، عن عائشة. وإنما رواه ابن عدي - ابن عدي من حفاظ البصرة، محمد بن عدي، محمد بن راهي بن عدي - وليس هناك عدي بن ثابت عن أبيه. محمد بن ثابت ثقة. وكأن الشيخ واهم في هذا. عندكم تخريج لهذا؟ وهذا الحديث معروف من طريق محمد بن عمر بن علقمة. طيب. قال: وهذا الحديث يرد المستحاضة إلى صفة الدم، بأنه إذا كان بتلك الصفة فهو حيض، وإلا فهو استحاضة. وقد قال به الشافعي في حق المبتدئة. وقد تقدم في النواقض أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: «إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي». قال: ولا ينافي هذا الحديث، فإنه يكون قوله: «إن دم الحيض دم أسود يعرف» بياناً لوقت إقبال الحيض وإدبارها. فالمستحاضة إذا ميزت أيام حيضها إما بصفة الدم أو بإتيانه في وقت عادتها - إن كانت معتادة وعلمت بعادتها - ففاطمة هذه يحتمل أنها كانت معتادة، فيكون قوله: «فإذا أقبلت حيضتك» أي: بالعادة، أو غير معتادة فيراد بإقبال حيضتها بالصفة، ولا مانع من اجتماع المعرفين في حقها وحق غيرها. على أنه حمل هنا الشيخ الصنعاني رحمه الله على أن يحمل على أن المرأة هذه قد عرفت عادتها. فقد عرفت عادتها. المرأة المستحاضة إما أن تكون تعرف عادتها وتمييزها - تمييز دمها: تميز دم حيضها من دم استحاضتها - أو تعرف معنى: تعرف عندها معرفة بعادتها، مثلاً خمسة أيام، ستة أيام، وعندها أيضاً تمييز لدمها. فهذه المرأة التي تعرف عادتها وتمييز دمها: إن اتفق العادة والتمييز فلا إشكال. إن اتفق العادة والتمييز فلا إشكال. لكن إن اختلفت العادة والتمييز: إذا اختلفت العادة والتمييز فهناك إشكال. من ناحية أن مثلاً لو جاءت - لو تعرف أن عادتها ستة أيام، والدم هذا الذي تعرفه دم الحيض الذي تعرفه عن الآخر الذي هو دم الاستحاضة - جاء خمسة أيام، فكيف تفعل الآن؟ هل تأخذ بالخمسة أيام أم تجلس وتكمل ستة أيام؟ فعلى حديث عائشة الذي في البخاري ومسلم في فاطمة بنت أبي حبيش: أنه أرجعها إلى العادة: «اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها». وفي هذا الحديث أرجعها إلى الدم، إلى تمييزه: أن دم الحيض دم أسود يعرفه. فهو أرجح: ارجعها إلى العادة أرجح؛ لأنه الحديث الصحيح، وأما هذا فهو مختلف فيه كما قلنا. فلذلك فالعادة مقدمة على التمييز. العادة مقدمة على التمييز. طيب. فالصحيح أن العادة هي التي تقدم. إذا كان مثلاً ما عندها عادة، اختلطت عليها عادتها، وعندها تمييز للدم: دم الحيض عن دم الاستحاضة، فتأخذ بالتمييز. فتأخذ بالتمييز. إذا لم يكن عندها تمييز وعندها عادة تأخذ بالعادة. إذا كان ليس عندها عادة ولا تمييز: إذا كان ليس عندها عادة ولا تمييز، وهذه الحالة الرابعة في النساء، فهذه إما أن تكون مبتدئة، وإما أن تكون مثلاً اختلطت عليها العادة وما استطاعت أن تتميز دمها من دم الاستحاضة. فهذه سماها العلماء: المتحيرة. سماها العلماء المتحيرة. وفيها أقوال كثيرة، حتى قال الشوكاني في صعوبة مسائل الحيض: «فصعبوها حتى جاءت المتحيرة فتحيروا». فمسألة المتحيرة: الصحيح أنها إما أن ترجع - ترجع إلى أكثر العادة: ستة أيام وسبعة أيام، كما في حديث حمنة بنت جحش سيأتي الكلام عليه - أو ترجع إلى نسائها: إلى أمها وخواتها، ترجع إلى عادتهم. طيب. قال: وهذا - والمستحاضة أحكام خمسة قد سلف الإشارة إلى الوعد بها - منها: جواز وطئها في حال جريان دم الاستحاضة عند جماهير العلماء؛ لأنها كالمطهرة في الصلاة والصوم وغيرهما، فكذا في الجماع. المستحاضة حكمها حكم الطاهر على الصحيح، ولم يقل أحد بتحريم جماعها، وإنما قال بعضهم بالكراهة. قالوا: لأنه لا يحرم إلا عن دليل، ولم يأت دليل بتحريم جماعها. قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم. إذا صلت فالصلاة أعظم. معنى جاءه سائل وقال له: زوجتي مستحاض، أفآتيها؟ قال: هي تصلي؟ قال: نعم. قال: الصلاة أعظم. معنى: ما دام أنها تصلي فيجوز ما بعدها، لأنها لو كانت تتحاشى من شيء لاشتحشت من الصلاة. قال: منها: أنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث والنجس، فتغسل فرجها قبل الوضوء وقبل التيمم، وتحشو فرجها بقطنة أو خرقة دفعاً للنجاسة وتقليلاً لها. فإن لم يندفع الدم بذلك شدت مع ذلك على فرجها، وتلجمت واستثفرت، كما هو معروف في الكتب المطولة. وليس بواجب عليها، إنما هو الأولى تقليلاً للنجاسة بحسب القدرة. ثم تتوضأ بعد ذلك على مثلة التلجم، وكذا. فهذا ينبغي أن تحرص عليه المرأة حتى لا يقطر هذا الدم في أثيابها أو في أماكن. فلذلك تحرص على عدم خروجه. وأما طهارة الفرج أو غسل الفرج: وهذا لا بأس، معنى: تغسل فرجها ثم تتوضأ. ولو توضأت مثلاً والدم خارج منها ما في شيء، حتى لو خرج إلى الخارج ما في شيء، لأن هذا يعتبر شيء مرض. معنى: قال: وإنما هو الأولى تقليلاً للنجاسة بحسب القدرة. ثم تتوضأ بعد ذلك. ومنها: أنه ليس لها الوضوء قبل دخول وقت الصلاة عند الجمهور. اضطهارتها ضرورية، فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة. معنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم - أو في حديث، أقصد حديث فاطمة بنت أبي حبيش - جاءت زيادة: «وتوضئي لكل صلاة»، وهي في البخاري من طريق هشام، عن نبيه، عن عائشة. زيادة: «وتوضئي لكل صلاة». واختلف العلماء فيها في ثبوتها عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: أنها مرسلة، أرسلها عروة. ومنهم من قال: أنها فتوى من عروة، أنا أفتى بهذا عروة، هو الذي أفتى بأن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة. فهذه المسألة: مسألة الوضوء قبل دخول وقت الصلاة. معنى: عندهم أنه يشترط عند الجمهور أن تتوضأ عند دخول الوقت. إذا دخل وقت الصلاة تتوضأ. وهذا لا دليل عليه صريح، إلا أنهم سدلوا بقوله: «توضئي لكل صلاة». ولا يلزم من تتوضأ لكل صلاة أن يكون في وقت الصلاة. ليس هناك دليل على أنها تتوضأ إذا دخل الوقت. لكن من باب الحفاظ على الوضوء، فأكثر العلماء يرون ذلك: أنها تتوضأ لكل صلاة. وابن حزم أخذ بظاهر هذا اللفظ، فقال: تتوضأ لكل صلاة، سواء كان نفلاً أو فرضاً. معنى: يقول مثلاً إذا أراد أن تصلي - أن تصلي ركعتين تتوضأ، مثلاً تصلي سنة الظهر تتوضأ للسنة الظهر، فإذا أراد أن تصلي الفريضة تتوضأ للفريضة. تتوضأ لكل صلاة. وهذا مشقة. وهناك قول في هذه المسألة اختاره بعض المالكية، وهو قول ابن عبد البر وابن المنذر وجماعة من العلماء: على أن هذا الاستحاض مرض. على أن هذا الاستحاض مرض. وما دام أنه مرض فيعامل معاملة المرض. معنى: ما يكون حدثاً، ما يكون حدثاً. ومعنى ذلك: أن له أن يتوضأ في أي وقت، يتوضأ في أي وقت، لأن خروج الدم لا يكون بعد ذلك - لا يكون بعد ذلك ناقضاً للوضوء. فلذلك كما قلنا: عندهم أنها لا يشترط تتوضأ لكل صلاة. أنه أعلوا هذه الزيادة، وأنها من كلام عروة، من كلام عروة بن الزبير: «توضئي لكل صلاة». فقالوا: يجوز لها أن تتوضأ لكل صلاة، ويجوز لها أن تصلي بوضوء ما قبلها، سواء كان توضأت في الوقت أو في غير الوقت. لا يوجد