الدرس في شرح فتح المجيد 8، ألقاها
كان المشركون يقرون بأن الله هو الخالق والرازق والمدبر، لكنهم أشركوا في الألوهية. معظم المشركين أقروا بتوحيد الربوبية كما ذكر شيخ الإسلام.
المشركون اعتقدوا أن عبادتهم للأصنام تقربهم إلى الله، والشرك الحقيقي هو في توحيد الألوهية. مشركو زماننا يخطئون في فهم معنى لا إله إلا الله.
الجن يطلق على الروحانيين المستترين، والإنس سمي بذلك لاحتياجه للناس أو لنسيانه. العبادة تعني التذلل لله، ولام التعليل في 'إلا ليعبدون' تشير إلى الغاية من الخلق.
الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة يعبر عن توبة صادقة واعتراف بالذنب. التضرع إلى الله يظهر التقرب إليه والاعتراف بعبوديته.
بسم الله قال رحمه الله تعالى: «عامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء». قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «عامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء» فيه إشارة لطيفة إلى أن بعض الطوائف وقع منهم الشرك في الربوبية. أن بعض الطوائف وقع منهم الشرك في الربوبية مثل السنوية من المجوس. هؤلاء يقولون: بأن للكون خالقين، خالق للشر وخالق للخير. فيقولون: إن إله الخير هو النور، وإله الشر هو الظلمة. فهؤلاء أشركوا في الربوبية، إذ جعلوا خالقين للكون. وهذا القول منهم لا يعني أنهم جعلوا خالقين للكون متماثلين من جميع الوجوه، بل كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه، ومنها العقيدة التدمرية، ذكر رحمه الله تعالى أن كل العالم يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق الذي ليس مثله شيء من حيث الكمال المطلق. قال: حتى السنوية من المجوس القائلين بالإلهين الخير والشر، فإنهم لا يقولون: بأن هذين الخالقين متماثلين، بل يقولون: إما أن يقولوا بأن إله الشر خلقه إله الخير، فيكون الإله الآخر مخلوقا، وإما أن يقولوا: بأن إله الشر دون إله الخير. وإله الخير هو الله رب العالمين. فعلى هذا، ليس في العالم من يقول: بأن هناك خالقا مثل الله عز وجل من جميع الوجوه، حتى السنوية من المجوس. فقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «عامة المشركين» فيه إشارة؛ لأن لفظ «عامة» ليس هو كلفظ «كل». فلا يفيد أن كل المشركين أقر بتوحيد الربوبية، ولكن مقصوده أن الكثير، الأكثر أقر بتوحيد الربوبية. إذا قال لنا قائل: كيف تزعمون أن توحيد الربوبية فيما مضى معنا من دروس في التوحيد، لا سيما في كشف الشبهات، أنكم تقولون: أن توحيد الربوبية محل اتفاق بين الأمم؟ فالجواب: أن طول أهل السنة والجماعة أن توحيد الربوبية محل اتفاق، وليس محل خلاف؛ لأن القائلين بأن هناك خالقا لا يقولون: بأن هذا الخالق هو مثل الله عز وجل من جميع الوجوه، بل يقرون بأن الله عز وجل هو أفضل وأعظم. حتى الذين يقولون بمذهب الخالقين، هذا أمر آخر. أن من قال بهذا القول، فإنما قاله عن استكبار وجحود، وإلا فمعرفة الرب سبحانه وتعالى والإقرار بالرب سبحانه وتعالى معرفة فطرية، خلق الله عز وجل عليها الناس. فالكل يقرون ويعتقدون بأن الله عز وجل هو الخالق وحده لا شريك له. أهل السنة والجماعة إذا تكلموا في هذه المسائل، بعضهم يقيد العبارة فيقول: «المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية». وكانوا يوحدون الله عز وجل توحيد الربوبية، وإنما الشرك وقع منهم في توحيد الألوهية، كما دلت على عيها الأدلة الكثيرة من كتاب الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «وعامة المشركين أقر بأن الله خالق كل شيء». «وما عدى الله عز وجل فهو مخلوق». قال: «وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أندادا». بمعنى أن الشرك الذي وقع من المشركين إنما هو شرك في الألوهية. وأما في الربوبية، فإنهم يقرون بأن الله عز وجل هو المستحق للعبادة وحده. فهم يقرون بأن الله عز وجل هو الرب وحده، وهو الخالق وحده، وهو المدبر وحده، وهو النافع الضار وحده سبحانه وتعالى. ولكنهم يشركون في الإلهية وفي العبادة، فلا يخصون الدين لله عز وجل. فكما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، قال: «وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أندادا». بمعنى أنهم اتخذوا هؤلاء المألوهات المعبودات وسائط فيما بينهم وبين الله عز وجل. هل يعتقدون في هذه الوسائط نفعا أو ضرا؟ لا. ولكن كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فهم يعبدونهم لأجل أن يرضوا الله عز وجل. فهم يعبدونهم لأجل أن يرضوا فإذا رض هؤلاء الوسائط عنهم، رضي الله عنهم. فهم في الحقيقة يريدون النفع والضر ممن؟ من الله عز وجل. فهم يعتقدون أن المالك هو الله عز وجل. وقد أشرنا في ذلك فيما جاء في مسلم، حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أن المشركين كانوا يقولون في تلبية الحج: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك». يقرون بأن هذا الشريك الذي أشرك به في العبادة إنما هو ملك لمن؟ لله رب العالمين. فهم يقرون بأن الله عز وجل الخالق الرازق المالك المدبر النافع الضار. ولكن اتخذوا هذه الوسائط شفعاء لهم عند الله عز وجل؛ لأجل أن يكونوا شفعاء لهم عند الله عز وجل، فعبدوهم. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. أي: أن الشفاعة ملك لله عز وجل. فلا تطلب إلا من الله. فلا يجوز أن تطلب هذه الشفاعة من غير الله عز وجل مما اتخذوهم آلهة يعبدونها ويتقربون بها إليها. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فعبادة أولئك المشركين لهذه الآلهة إنما هي لأجل أن تقربهم إلى الله. وإلا فإنهم يقرون بأن الله عز وجل هو النافع الضار المطلق سبحانه وتعالى. قال: وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَأَيْنَا ظُهُورَكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. أي: يزعمون أن هذه الآلهة تشفع لهم عند الله عز وجل. هل هذا الاعتقاد وهذا الظن نفعهم عند الله عز وجل؟ وظل عنهم ما كانوا يزعمون. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ كل واحد جاء فردا وحيدا بين يدي الله عز وجل. ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾. ﴿وَرَأَيْنَا ظُهُورَكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾. أين شفعاؤكم الذين زعمتم أنهم سيشفعون لكم عند الله عز وجل؟ لا شيء. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. أي: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون. قال: وظنوا أن هذه الآلهة التي عبدوها مع الله عز وجل أنها تنفعهم وتقف معهم عند الله عز وجل، فتدفع عنهم الضرر وتجلب لهم النفع. وعند التحقيق وعند التمحيص، وجدوها لا شيء. وظل عنكم ما كنتم تزعمون. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. فهذا فيه إشارة إلى أنهم اتخذوا أندادا، أي: نظائر وشركاء في المحبة. وهي من العبادات. ففي هذه الأدلة إشارات لطيفة، بل عبارات صريحة إلى أن شرك المشركين إنما كان في الألوهية، ولم يكن في الربوبية. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوهم ويصوم وينسك لهم ويتقرب إليها». ثم يقول: «إن هذا ليس بالشرك، إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي». فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا. ومن المعلوم بالإضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك. يقول الشيخ السامر رحمه الله: «ولهذا كان من أتباع هؤلاء - أي: من المشركين - من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوهم». من يزجد لها أي: يعبدها ويتقرب إليها ويدعوها ويصوم وينسك لها - أي: يذبح لها - ويتقرب إليها بأنواع القرب. هل كان هذا التقرب منهم إليها لأنها تنفع أو تضر؟ الجواب: لا. وإنما عبدوها لأجل أن تقربهم إلى الله عز وجل زلفا. منهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الأنبياء، ومنهم من عبد الصالحين، ومنهم من عبد الشجرة والحجرة والشمس والقمر، كل ذلك لأجل أن تقربهم إلى الله عز وجل زلفا. كما قال الله عز وجل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. قال رحمه الله تعالى: «ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، لماذا؟ قال: إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي». إذن المشركون عندهم الشرك في توحيد الألوهية أو في توحيد الربوبية؟ في توحيد الربوبية. المشركون عندهم الشرك إنما وفي توحيد الربوبية. بمعنى: يقال للرجل بأنه مشرك عندهم إذا أشرك في الربوبية. وفي حقيقة الأمر إنما وقع الشرك منهم في توحيد الألوهية وفي توحيد العبادة. ولكن القوم أهل جدل وأهل باطل، فجادلوا بالباطل ليبطلوا به الحق، فضلوا وأضلوا كثيرا. فهم يقولون: «إنما الشرك إذا أشركنا في الربوبية». وهل أشركوا في الربوبية؟ يقولون: لا. ولئن سألتهم: «من خلقهم؟» لا يقولون: «الله». فهم في توحيد الربوبية مقرون بتوحيد الربوبية. وإنما وقع الشرك منهم في توحيد الألوهية. وهذا من الضلال بمكان؛ إذ إنهم في ضلال وهم لا يعلمون أنهم في ضلال. قال ربنا جل في علاه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فهؤلاء يشركون بالله عز وجل، بل ويتقربون إلى الله عز وجل بما يبعدهم من الله، وهو الشرك بالله عز وجل. هم يتقربون إلى الله لأجل أن يتقربوا إلى الله عز وجل بهذه المألوهات، ظنا منهم أن هذا الفعل منهم يقربهم إلى الله. وإنما يزيدهم من الله عز وجل بعدا. قال: «فالحاصل من هذا أن شرك هؤلاء وقع في الألوهية». وأما في الربوبية، فهم يعتقدون ويقرون بأن من وقع منه الشرك في الربوبية فهو مشرك. وإنما أنكروا توحيد الألوهية. إذا طبقنا هذا على مشركي زماننا، الذين ما عرفوا من لا إله إلا الله إلا أنها معناها: «لا خالق أو لا رب أو لا قادر على التصرف إلا الله». هل هؤلاء وافقوا أولئك في هذا الأمر أم لا؟ مشركوا زماننا إذا سألهم السائل فقال لهم: «ما معنى لا إله إلا الله؟» سيقولون: «لا خالق إلا الله». وإذا قيل لهم: «ما هو الشرك؟» سيقولون: «الشرك في الربوبية». «إنما الشرك في الربوبية». فما الفرق بين هؤلاء وأولئك؟ قال رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: «وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾». كما مر معنا مرارا. أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ألف كتابه. والناظر والمتأمل في كتابه يرى أنه رحمه الله تعالى يذكر بابا ثم يتبع ذلك الباب الذي هو ترجمة لما أراد يتبعه بآية أو حديث أو أكثر من ذلك، ثم آثار وما شابه ذلك؛ ليدلل على ما أراد من ذلك الباب. فهو ابتدأ هذا الباب بقوله: «كتاب التوحيد». ثم قول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. ومناسبة الباب أو مناسبة الآية لهذا الباب واضحة. وهو أن الباب ما هو؟ الكتاب ما هو؟ كتاب التوحيد. والتوحيد من وحد يوحد توحيدا. والمراد بالتوحيد أن يوحد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، فلا يشرك به أحد. ما الدليل؟ قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾. «ما» ها هنا نافية. و«خلق» فعل ماضي، والتاء فاعل، و«الجن» مفعول به. قال العلماء: أصل الجن أي لغة: يقال أصل الجن من ستر الشيء الحاسة؛ لأن مادة الجيم والنون تدل على هذا. مادة الجيم والنون تدل على الستر. فهي تدل على ستر الشيء الحاسة. والجن يقال على وجهين: أحدهما للروحانيين المستترين عن الحواس كلها، بازاء الإنس. فعلى هذا تدخل فيه الملائكة والشياطين؛ لأن الكل محجوبون عن الحواس. لأن كل ما حجب عن الحواس فهو جن. وعلى هذا فكل ملائكة جن، ولا عكس. وقيل: بل الجن بعضهم من الروحانيين. وذلك أن الروحانيين ثلاثة: اخيار وهم الملائكة، واشرار وهم الشياطين، وأوساط فيهم اخيار واشرار وهم الجن. فقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. المراد بالجن ها هنا عدى الملائكة من المذكورات؛ لأن الملائكة خلقها الله عز وجل طائعة، عابدة لربها عز وجل. والإنس سمي بذلك؛ لأنه خلق خلقة لا قوام له إلا بانس بعضهم ببعض. ولهذا قيل: الإنسان مدني بالطبع؛ من حيث لا قوام لبعضهم إلا ببعض. ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه. وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يأنس بكل من يألفه. هذا معنى الثاني. وقيل: وهو المعنى الثالث: هو أي إنسان من إفعلان. وأصلهم إنسيان. سمي بذلك؛ لأنه عهد الله إليه فنسي. قال ابن القيم رحمه الله تعالى بعد أن ذكر نحو من هذه الأقوال: «والإنسان سمي إنسانا؛ لأنه يأنس، أي: يرى بالعين». «والناس فيه قولان: أحدهما أنه مقلوب من أنسا». قال: «وهو بعيد». «والثاني - وهو الصحيح - أنه من النوس، وهو الحركة المتتابعة». قال: «فسمي الناس ناسا للحركة الظاهرة والباطنة». «وأما قول بعضهم: أنه من النسيان، فهذا ليس بشيء». فقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قد تقرر معنى «الجن»، وماذا يدخل فيهم؟ وما معنى «الإنس»؟ وما يدخل فيه؟ وقول الله عز وجل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. هذا أسلوب من أساليب الحصر. وأساليب الحصر بهذا الأسلوب الذي هو النفي والإثبات - كما يقول علماء المعاني والبلاغة - أنه أقوى معاني أو أقوى أسلوب في الحصر. أسلوب النفي والإثبات. والله عز وجل عبر بهذا التعبير في هذا المقام؛ ليدلل على عظيم هذا المقام. أن الخلق أي: الجن والإنس إنما خلقهم ربنا عز وجل لغاية عظيمة جليلة، وهي عبادته سبحانه وتعالى. وقول الله عز وجل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. اللام ها هنا عند أهل السنة والجماعة يقال لها: «لام الحكمة». وعند النحاة يقال لها: «لام التعليل». وعند الأشعرية يقال لها: «لام الصيرورة». وهذا قول باطل. سيأتي الإشارة إليه في أثناء الكلام بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «قال - أي: في قول مصنف رحمه الله تعالى: «وقول الله تعالى» - قال: بالجر، أي: في قوله: «وقول الله»». واضحة. «وقول الله» قال: بالجر، عطف على «التوحيد»، أي: على قوله: «كتاب التوحيد». كتاب التوحيد؛ لأن «التوحيد» مضاف إليه، مضاف إليه فهو مجرور بالإضافة، وعلامة جره الكسرة. وقوله: «في قوله: وقول الله» يحتمل أن يكون معطوفا على على قوله: «التوحيد». والمعطوف على المجرور مجرور. قال رحمه الله تعالى: «قال الشيخ الإسلام: العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة رسله». وقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «العبادة هي طاعة الله». هذا معنى من معاني العبادة. فالعبادة هي طاعة الله عز وجل فيما أمر، وطاعة الله عز وجل فيما نهى عنه وزجر. والطاعة قد تكون بما أمر الله عز وجل به من الأمور الظاهرة، وقد يكون بما أمر الله عز وجل به من الأمور الباطنة. وقد يكون بما نهى الله عز وجل عنه من الأمور الظاهرة، وقد يكون بما نهى الله عز وجل عنه من الأمور الباطنة. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في التعريف الآخر: «وقال أيضا - أي: شيخ الإسلام رحمه الله - العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة». اسم جامع. ما هي العبادة؟ قال: «اسم جامع». أي: يجمع تحت هذا اللفظ أفرادا كثيرة. فيجمعها. ما هو؟ قال: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه». فكل ما يحبه الله ويرضاه فهو عبادة. ثم قال: «من الأقوال». ثم قال: «والأعمال». والأقوال على قسمين: أقوال ظاهرة، وأقوال باطنة. القول الظاهر هو قول اللسان. ومنه ما هو واجب، أو قول شرط في الإسلام والتوحيد. ومنه ما هو مستحب. النطق بالشهادتين شرط في الإسلام، وشرط في التوحيد. ومنه ما هو الواجب، مثل ما أوجبه الله عز وجل علينا أن نقوله بألسنتنا، مثلا قراءة الفاتحة في الصلاة، التكبير، تكبيرة الإحرام للصلاة. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، وما شبه ذلك. ومنه المستحب، وهو كل ما أمر الله عز وجل به أو رسوله استحبابا أن يقال باللسان. وقول القلب: اعتقاده. وهذا شرط الإيمان. وكذلك نعم. وقول القلب اعتقاده، وشرط الإيمان؛ إذ لا يصح إيمان إلا بهذا القول. لا يصح إيمان إلا به. فالقول بالقلب لا بد منه، ولا إيمان إلا به. والقول باللسان منه ومنه. فلا بد من نطق باللسان. وكذلك فلا بد من قول باللسان، وقول بالقلب. هذا أمر. قول هو من الأقوال. والأعمال كذلك، منها أعمال الجوارح، ومنها أعمال القلوب. أعمال جوارح كثيرة، وهي كل ما أمر الله عز وجل بأدائه بالجوارح، من صلاة، وجهاد، وحج، إلى غيرها من أمور التي تقام بالجوارح. وأعمال باطنة، وهي التي تكون بالقلب، مثل محبة الله، وخشيته، وتعظيمه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، إلى غير ذلك من معاني العبادة. فقوله رحمه الله تعالى: «الظاهرة والباطنة» يدل على هذا. يدل على أن الأقوال ظاهرة وباطنة، وعلى أن الأعمال ظاهرة وباطنة. لذا قال من قال من أهل العلم: أن هذا التعريف من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أجمع تعريف للعبادة. والله أعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.