الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 647

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 647

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 647، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إسناد حديث البزار وسبب نزول آية البقرة 272

يروي الإمام البزار بسند متصل إلى ابن عباس رضي الله عنهما كراهة الصحابة الإنفاق على أنسابهم من المشركين، فنزلت آية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ رخصةً لهم في ذلك. وقد بين الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حال رجال الإسناد مبيناً صحة الحديث عند البزار.

حكم النفقة على الأقارب المشركين وتأليف القلوب

يوضح المقطع أن الله بين أن الهداية بيده وأن النفقة على الكافر قد تكون خيراً للمسلم وتثاب عليها، مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في إعطاء مشايخ القبائل. ويقرر العلماء أن الزكاة لا تعطى للكافر لكن تجوز الصدقة التطوعية لتأليف القلوب.

مشروعية الإحسان إلى الجيران غير المحاربين والأقارب غير المسلمين

يستدل المقطع بأثر عبدالله بن عمرو بن العاص في إهداء جاره اليهودي، مؤكداً مشروعية الإنفاق على الأقارب المشركين والإحسان إلى الجيران غير المحاربين. ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي المال لتأليف قلوب المشركين وتقوية إسلامهم.

تفسير حديث كراهة إعطاء الصدقات للأنساب

يفسر المقطع مفهوم الحديث الوارد في كراهة الصحابة تخصيص بعض أنسابهم بالصدقات والهدايا قبل نزول الآيات. ويبين أن الآيات القرآنية نزلت لمعالجة هذا الفهم وتوضيح حكم الإنفاق الواسع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام البزار رحمه الله تعالى كما في "كشف الأستار": حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، وهو العنزي، أبو موسى العنزي محمد بن المثنى البصري، هو من حفاظ أهل البصرة الذين كانوا أكثرون في التحديث، وقد اجتمع عنده الناس مع محمد بن بشار. قال: حدثنا أبو أحمد الزبير، وهو عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزبير. قال: حدثنا سفيان. وأبو أحمد يعتبر من أصحاب سفيان الثوري ممن لازمه، وقد أخطأ فيه أحاديث عن سفيان، وعُدّ العلماء من طبقة الشيوخ مع أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، ومحمد بن يوسف الفريابي، وغيرهم ممن ليس من الحفاظ. وحفاظ أصحاب سفيان هم خمسة: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وابن المبارك، وخامسهم أبو نعيم، كما قال الدارقطني: "أبو نعيم خامس الخمسة". هؤلاء حفاظ أصحاب سفيان الثوري، وهؤلاء أولون آخرون الذين هم في طبقة الشيوخ ممن لازمه. قال: عن الأعمش. أعمش، وسليمان بن مهران، أبو عبد الله، كان يُلقى بالمصحف لشدة حفظه وكثرة حفظه. قال: عن جعفر بن أبي وحشية. هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية. قال: عن سعيد بن جبير، أبو محمد الكاهلي، يعد في الكوفيين. عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قالوا كانوا يكرهون، أو قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم وهم مشركون، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272]، حتى بلغ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 272]. قال: فرخص. قال البزار: لا نعلم بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد. قال: هذا حديث صحيح. وأخرجه الطبري من حديث محمد بن أبي أحمد، قال: حدثنا سفيان به. قال: الحديث أخرجه النسائي في التفسير، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا الفريابي، أي محمد بن يوسف، قال: أخبرنا سفيان به. سفيان هو الثوري كما تقدم. وأخرجه الطبري فقال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو داود، وهو الطيالسي، عن سفيان... أو الحفري، أقصد كما ذكر الشيخ: حدثنا أبو داود، قال: عن سفيان به. وأبو داود هو عمر بن سعيد الحفري. قال: وأخرجه الحاكم عن أبي حذيفة، وهو موسى بن مسعود النهدي، عن سفيان به. فالحديث إلى سفيان صحيح، وقد ذكروه هؤلاء كلهم عن سفيان. وأيضا من سفيان إلى ابن عباس أيضا صحيح على شرط الشيخين. وهذا الحديث معناه: أنهم كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم وهم مشركون، يرضخوا أي يعطوا من كان نسيبهم من المشركين على ما يعطونهم، شيئا من الصدقة أو الهدايا لأجل شركهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ثم ذكر النفقة: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. فأراد ربنا جل وعلا أن يبين أن هذه النفقة وإن كانت على كافر فهي خير لكم، فتجدون فيها الخير، وإن كان هذا النسيب الذي يعطى كافرا. ولعل أيضا الهدايا التي تهدى إليه من المسلمين من نسيبه المسلم، وكذلك الصدقة، ترقق قلبه، ترقق قلبه. والأصل أن الزكاة لا يعطى الكافر، لكن قد يعطى الصدقة لأجل المصلحة، مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي، أو مثل ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60]. قد ذكر العلماء أن المؤلفة قلوبهم نوعان: منهم الكفار الذين يعطون لأجل مصلحة البلاد، لأجل أن يحموا ظهر المسلمين، ومنهم من أهل الإسلام لكن يعطون لأجل أن يتقووا في إسلامهم، إما أن يكونوا مشايخ قبائل أو لهم نفوذ، لكن عندهم تقصير كثير، فيعطون هذا المال، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي بعض مشايخ القبائل: الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وزيد بن علاقة، وزيد الخير، والبراء بن عازب، والبرد بن العسل، وغيرهم من هؤلاء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤلف قلوبهم بهذا المال. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «أوجدتم في أنفسكم على لعاعة أتألف بها قوما ليسلموا، لتتقوى إسلامهم»؟ فلهذا فهذه الآية نزلت في هذا الباب، وهو الإرضاخ، أو إعطاء أهل الشرك ممن كانوا من أنسابهم، أن يرضخوا لأنسابهم وهم مشركون، كانوا يكرهون ذلك، فأنزل الله عز وجل هذه الآية لأجل أنه ليس عليك أن تهديهم، لكن نفقاتهم، أو النفقات التي تنفق عليهم، هي خير، هي خير عند الله عز وجل، يوفيها الله عز وجل لكم، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، وغيرها مما ذكر الله عز وجل في هذه الآيات. فيه كما قلنا: النفقة على هؤلاء الأنساب من المشركين، أو الصدقة، أنه يتصدق عليهم، وأيضا يهدون من باب الهدية، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما لهم رحم سأبلها ببلالها»، أي المشركون لا أغني عنكم من الله شيئا، وإنما لهم رحم سأبلها ببلالها، أي سأصلها، والوصل قد يكون بالمال، قد يكون بالزيارة، وقد يكون بغيرهما. أيضا قول الله عز وجل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. فذكر الإمام البخاري رحمه الله في "الأدب المفرد" عند هذه الآية ما كان يفعله عبد الله بن عمرو بن العاص: كان له جار يهودي، فإذا كان معهم لحم، أراد أن يهدي، فقال: «ابدؤوا بجارنا اليهودي، ابدؤوا بجارنا اليهودي»، ما نعطوه من هذا الطعام أو غيره، فكان يبدأ به. وهذا من باب الدعوة، ومن باب الرفق والشفقة، فيعطون لأن الله عز وجل أيضا ذكر أنهم يبرون، ومن باب البر أنهم يعطون الهدايا والصدقات. فقال الله عز وجل: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فهذا فهم هذا الحديث، المراد كما قلنا: أنهم كانوا يكرهون أن يعطوا بعض أنسابهم من الصدقات ومن الهدية، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات. هذا مفهوم هذا الحديث، والله تعالى أعلم.