الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 649

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 649

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 649، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مراحل تشريع الجهاد وضوابط القتال عند قلة العدد

يوضح المقطع التدرج التشريعي للجهاد من النهي المكي إلى الإذن الدفاعي ثم الفرض بعد بدر، مع بيان سقوط وجوب القتال إذا زاد العدو على مثلي المسلمين استدلالاً بآيات الأنفال. ويؤكد أن هذا التقدير الشرعي يهدف لحفظ دماء المؤمنين وعدم الزج بهم في هلاك محقق.

حكمة النبي في الكف عن قتال قريش وانسحاب خالد في مؤتة

يسلط الضوء على موقف النبي صلى الله عليه وسلم من ترك قتال قريش في مكة امتثالاً لأمر الله بالعفو رغم قوة الصحابة، ومقارنة ذلك بانسحاب خالد بن الوليد الذكي في مؤتة. ويقرر أن حفظ دماء المستضعفين مقدمة شرعية على الاستعجال بالقتال عند اختلال موازين القوى.

العبرة من موقف أبي جندل في الحديبية وطاعة الرسول

يستعرض موقف الصحابة في صلح الحديبية عند رد أبي جندل للمشركين، مبيناً تقديمهم طاعة النبي صلى الله عليه وسلم على عواطفهم الجياشة ورغبتهم في نصرته. ويؤكد أن هذا الموقف يمثل نموذجاً فريداً للانقياد التام لأمر القيادة الشرعية رغم مرارة العواقب الظاهرة.

أحكام الجنائز وصلاة العاجز والتيسير في العبادة

يبين أجر اتباع الجنازة قبل الصلاة وبعدها، وحكم تكبيرة الإحرام لمن يصلي جالساً لعجز أو جهل، مستنداً إلى أدلة التيسير الشرعية. ويقرر أن الله غفور رحيم يكفي العبد ما استطاع من الصلاة إذا انشغل أو غفل عن أدائها كاملة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وهو مروزي، قال: أنبأنا أبي، وهو علي بن الحسن بن شقيق المروزي، وكان رجلًا عابدًا، وأيضًا من أهل السنة، وهو من أصحاب عبد الله بن المبارك. وقال عبد الله بن المبارك، أو قال الحسن بن شقيق: أنبأنا أبي، أو قال: أنبأنا الحسين بن واقد. الحسين بن واقد أيضًا من غَز، وهو الذي قال فيه ابن المبارك: لما قيل له: من الجماعة؟ قال: أبو حمزة السكري والحسين بن واقد. أبو حمزة قال: أبو بكر وعمر، قال: قد ماتا، قال: أبو حمزة السكري والحسين بن واقد جماعة؛ لأنه ما على خط السلف. قال الحسين بن واقد: عن عمر بن دينار، هو الجملي المكي، وكان من أتقن الناس في الحديث، حتى قال شعبة: ما رأيت أتقن في الحديث من عمر بن دينار، أنا كان يؤجل ألفاظ. قال: عن عكرمة، وهو أبو عبد الله البربري، عكرمة مولى ابن عباس، كان موسوعة من موسوعات العلم، خاصة في التفسير. قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وابن عباس قد ربط عكرمة لما أراد أن يحفظ القرآن، ربطه في السارية حتى يحفظ القرآن؛ لأنه يحفظه العلم، يحفظه القرآن، وهذا من باب أنه يحفظه حتى لا يلعب مع الأطفال، فيفوت على نفسه الحفظ، وهذا من باب الحرص. قال: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي عليه الصلاة والسلام بمكة، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا». قال: فلما حولنا الله إلى المدينة أمرنا بالقتال، فكفوا، أي بعضهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ إلى آخر الآيات. عندما قال العز وجل: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾. فهذه الآيات يقول ابن عباس: أنها نزلت في هذا. وهنا أمر مهم جدًا في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا أيضًا مسألة مهمة ينبغي للدعاة أن يعلموها، وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام في العهد المكي لم يؤمر بالقتال، ولم يؤمر أحدًا بالقتال. لم يؤمر، أي لم يؤمره الله بالقتال، ولم يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقاتل في ذلك الوقت، ولا أيضًا كذلك بعدما جاءوا إلى المدينة. إنما أول ما نزل في السنة الأولى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. وهذا إذن فقط على أن من ظلم له أن يدافع عن نفسه، وليس فيه قتال أو الابتداء بالقتال، أو ما يسمى بقتال الهجوم، أو بالجهاد الهجوم، فهذا غير موجود في هذه الآية. وإنما: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، فلهم أن يدفعوا عن أنفسهم، أما أنهم يقاتلوا عدوًا لا. ثم نزلت بعد ذلك آيات القتال بعد بدر، خاصة أو في وقت بدر. فهنا، فهنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، وهو من الصحابة المبشرين بالجنة، ومن شجعان الناس وفوارس أهل الإسلام، أنه كان عبد الرحمن بن عوف يعتد بكذا وكذا من الفوارس في المعركة، لشدة قتاله. فكان الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا في مكة عندهم قوة في القتال، عندهم قوة، لكن العدد قليل، العدد قليل، ممكن أنهم يقاتلوا، لكن الله عز وجل لم يأمرهم بالقتال، فلهذا أخذ العلماء من هذا أن من كان أمره كالعهد المكي فإنه لا يجب عليه أن يقاتل. من كان أمره كأمر العهد المكي، عنده ضعف، عنده ضعف شديد، ليس ضعفًا شديدًا مثلًا في القوة، لا، عنده قوة يقاتل، لكن هذه القوة قليلة بالنسبة للعدو، بالنسبة للعدو، حتى أن الله عز وجل لما أمر بالجهاد أولًا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، أو: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. هذا كان في البداية، عن الواحد بعشرة. ثم قال جل وعلا: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. أن الواحد أصبح بإثنين، كان الواحد بعشرة، ثم خفف الله عز وجل فجعل الواحد بإثنين. ومعنى ذلك الكلام: أن إذا وجد عشرون، أو وجد مثلًا ثلاث آلاف من المسلمين، وهنا وهناك عدو مثلًا عشرة آلاف، هنا لا يجب عليهم القتال، لا يجب عليهم القتال؛ لأن إذا كان العدو أكثر من ناحية العدد، أكثر من ضعف عدد المسلمين، فهنا سقط الوجوب. إذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين سقط الوجوب. ومعنى سقط الوجوب: ممكن أنهم يقاتلوا، لكن الوجوب سقط. وأيضًا لهم أن يقاتلوا إن رأوا أن قوتهم تكفي، وإلا فإن رأوا أن قوتهم لا تكفي، وأن هذا العدو قد يستعصمهم لكثرتهم، فهنا لا يجب لهم أن يقاتلوا. ولهذا لما خرج خالد بن الوليد رضي الله عنه بالجيش من مؤتة، خرج به ورجع إلى المدينة، النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليه، أثنى على خالد، وقال: «أخذها سيف من سيوف الله»، أو قال: «أخذها سيف الله ورسوله خالد بن الوليد»، أي أخذ الراية، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على خالد. وجاء حديث عند أبي داود وأحمد: أنهم لما رجع خالد بالجيش، قال: جاء، قال بعض الصحابة: جاء الفرارون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس هؤلاء الفرارون»، معنى في الحديث: «وإنما هم الكرارون الذين يتكررون». لكن الحديث فيه ضعف. لكن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على خالد لما خرج، خرج بالجيش لأنه جيش قليل، وأيضًا في أرض الروم، والروم يستمدون كل ما اشتدت الحرب، كل ما استمدوا من أصحابهم، وجيش المسلمين بعيد، المدينة بعيدة جدًا، ما يستطيع النبي عليه الصلاة والسلام أن يمدهم لبعدهم. وتعلمون أنه لم يكن هناك في ذلك الوقت مثلًا شيء اتصالات أو كذا حتى يعرف أينهم، أنا ممكن أنه يرسل الجيش لكن ما يدري أينهم هذا الجيش، لوعورة الطريق، وكذلك أيضًا كانت بينهم صحاري، كانت بينهم صحاري، فلهذا لم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يمد جيش المسلمين في مؤتة. فلما قتل قواد، فلما قتل جعفر بن أبي طالب، ثم أو قبله زيد، ثم جعفر، ثم بعد ذلك أخذ الراية عبد الله، معنى أولًا: معنى جعفر، ثم زيد بن حارثة، وبعد ذلك أخذ الراية عبد الله بن رواحة، وقتلوا جميعًا، قتل القادة الثلاثة، فأخذ الراية خالد بن الوليد من غير تأمير، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الراية عند جعفر، فإذا قتل جعفر أخذ الراية، أخذ الراية، أخذ الراية عبد الله بن رواحة». فقتل هؤلاء الثلاثة، فبقي خالد، فأخذ، فاتفق الصحابة أن خالدًا هو الذي يأخذ هذه الراية، فأخذها خالد. فلما رأى استمداد هؤلاء بأصحابهم، المدد يمدهم، وهم كثرة، حتى قيل أنهم مئتا ألف، مع ما استمدوا من أصحابهم، ولا زال أيضًا المدد يجري؛ لأنهم قريب، قريب الروم، فلهذا اختار خالد هذه الفكرة، فخرج من صفوفهم، وهم يظنون أنه يريد أن يرجع، لكنه لم يرجع. فالمهم أنه أحيانًا إذا حصل الضعف في المسلمين، وتحقق قائد المسلمين وإمامهم أن هذا يكون فيه وبال على المسلمين، وفيه تقتيل، فإنه لا يجوز أن يقدم على القتال، لا يجوز له أن يقدم على القتال؛ لأن الآن الضعف موجود، الضعف موجود، فإذا قتل الرجل، ويقتل بدل الرجل عشر أو عشرون من المسلمين، معنا ما يفرق بين من يشارك في الحرب ومن لا يشارك، فالمسلمون ذمتهم واحدة، ذمتهم واحدة، ما يفرق، معنا لو كان هذا الرجل يقتل، كما يقولون الآن: يقتل عشر من العزة، الآن يضربون مثلًا بصاروخ، يقتل اثنان أو ثلاثة من العدو، فيقومون ويقتلون عشرات الناس، فهذا لا ينبغي أن يكون، ولا يستمر أهل الإسلام في هذا، لأجل أنها إنهاك للمسلمين وقتل في المسلمين. وهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لأجله ترك الحرب في مكة، وإلا يستطيع معنا الحرب، لم تكن في مكة الحرب مواجهة، يعني يستطيعون أن يواجهوهم، وأيضًا شجعان العرب وقادة العرب، أو من من من الفوارس الذين عرفوا في ميدان القتال، كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم: الصديق، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وغيرهم، من علي بن أبي طالب، وغيرهم من أئمة المسلمين، كانوا من أشد الناس بأسًا في الحرب، يستطيعون أن يقاتلوا أهل الشر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «إني أمرت بالعفو». فعبد الرحمن بن عوف قال: يا رسول الله، إن كنا في عز ونحن مشركون، عز عندنا أموالنا، وعندنا ما يستطيع المشرك هذا يتكلم أو يعيبونا في شيء، الآن يعيبونا ونحن ساكتون، وأيضًا يؤذوننا ونحن ساكتون. فقال، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما أمرت بالعفو فلا تقاتلوا». وأيضًا كذلك مثل هذا ما جاء في صحيح البخاري، عندما جاء خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه، عندما رأى ذلك التعذيب الشديد الذي كان يفعله كفار قريش، جاء والنبي عليه الصلاة والسلام مستند ظهره بالكعبة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام، فقال، قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ أي الله، ألا تدعو الله لنا؟ أنا تدعو الله حتى حتى يخلصنا من هذا الأذى، ادعو الله واستنصر لنا الله، أننا ننتصر على هؤلاء الأعداء من كفار قريش. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه كان فيمن كان قبلكم»، أنا ذكر له أهل الصلاح الذين يقتدى بهم، فقال: «إن من كان قبلكم كان يأتي الرجل، وتحفر له الحفرة، وينشر رأسه نصفين، أنا يفرق نصفين، فلا يرده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ولا يصده عن دينه، ولكنكم قوم تستعجلون». ثم قال: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون». فهذا الحديث أيضًا يدل على مثل هذا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالقتال، مع أنه لو أمرهم لقاتلوا، لو أمرهم لقاتلوا؛ لأنهم يريدون أن يدفعوا هذا الأذى عن أنفسهم، ويريدون أن يدفعوا هذا الأذى عن إخوانهم. بعض هؤلاء القادة، مثلًا الصديق، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وطلحة، وغيرهم، هؤلاء من سادات قريش، أو من شباب قريش، قد أنهم لا يستطيعون أن يؤذونهم، كإذا بعض مثلًا المماليك، كبلال، وأيضًا من كان ليس له أحد، كخباب بن الأرت، وصهيب بن سنان، وغيرهم من فقراء المسلمين، وغيرهم من فقراء المسلمين وضعفاء. لكن هؤلاء كانوا تجارًا، وكانوا من الأشراف، فلهذا مع أن أذاهم كان قليلاً، إلا أنهم كانوا يريدون أن يدفعوا هذا الظلم عن إخوانهم الذين يعذبون. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة. وهذه الكلمة أيضًا قالها سعد، سعد بن معاذ، قالها للنبي عليه الصلاة والسلام، لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يصالح بعض اليهود، فقال: يا رسول الله، عندما طلبوا أذية أو كذا، فقال: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية، فكنا أعزة، ولا نعطيهم حبة إلا برضوان، أو كما قال رضي الله عنه، والآن نعطيهم هكذا، لا والله، ما سنعطيهم شيئًا، ما سنعطيهم شيئًا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم شاورهم، قال: ما سنعطيهم؟ فيدل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا عندهم قوة، وعندهم عزة، لكن تركوا القتال لأجل الله عز وجل. في الحديبية، لما منع أهل مكة الصحابة أن يدخلوا إلى مكة، كانوا يستطيعون أن يدخلوا، منهم ألف وأربعمائة مقاتل، يستطيعون أن يدخلوا إلى مكة، ويقاتل أهل مكة من كفار قريش، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرضَ بهذا، حتى قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: ألسنا المسلمون، وهم الكفار؟ ثم قال بعد ذلك: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟ فقال له أبو بكر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، إني رسول الله ولست بعاصيه، أما سأعصيه». وقال أبو بكر لعمر: يا عمر، إنه رسول الله، ولن يعصيه، ولن يعصيه، أي لن يعصي ربه جل وعلا. وقال سهل بن حنيف: «اتهموا رأيكم»، قال: «اتهموا رأيكم، كيف لو رأيتنا في قضية أبي جندل، لو أردنا أن نرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأردتنا حنانًا من شدة الهم، ومن شدة ما وجدوه من أنفسهم، كأنه ذل». لما جاء أبو جندل، ابن سهيل بن عمرو، وهو جاء من مكة، وفر إلى المسلمين، وألقى نفسه بين ظهراني المسلمين، فمعنى: أبو جندل، ابن سهيل بن عمرو، ابن سهيل بن عمرو، فقال سهيل: هذا يا محمد، أول ما أقاضيك عليه، لأنه قد كتبوا أولًا، ولم يتفقوا بعد، لم يقضوا من الكتاب، لكن ذكروا من الشروط: أن من جاء من الكفار إلى المسلمين يرد إليهم، ومن جاء من المسلمين إلى الكفار لا يرد إليهم. فوافق النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الشرط، لكن لم يقضوا الكتاب بعد. فجاء أبو جندل، ابن سهيل بن عمرو، فقال سهيل: هذا أول ما أقاضيك عليه. قال: يا سهيل، لم نقضِ الكتاب بعد، أنا ما قضينا الكتاب، ما اتفقنا بعد. فقال: والله لا أصالحك حتى تعطيني هذا. كأن النبي عليه الصلاة والسلام وافق. فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى الكفار يفتنونني في ديني. فهذه الكلمات نزلت عليهم كالصاعقة. فقال: كيف يجعلون رجلًا من المسلمين لا يستطيعون أن يحموه، وهو عندهم، بل يردونه إلى المشركين؟ فلهذا نزلت عليهم كالصاعقة. فلهذا قال سهيل، سهل بن حنيف: «اتهموا رأيكم، لو أردنا أن نرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددناه في قضية أبي جندل». أنا صحابة كلهم، كيف نرد رجلًا من المسلمين؟ كيف لا نحميه ونعطيه الكفار يفتنونه في دينه؟ لكن أمر الله عز وجل نافذ، فبقوا، ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وهذا هو العاطفة التي لا بد أن يحكمها كتاب الله جل وعلا. الآن، أي شيء الذي جعل هؤلاء من الخوارج، وغيرهم من الإخوان المسلمين، وغيرهم، أنهم لا يعون، لا يعون هذه الأشياء، لأنهم لا يجعلون حماسهم وعواطفهم على الكتاب والسنة، وإنما يمشوا بأهوائهم، بهذه الحماس، بحماسهم يمشون، إذا جاءهم الحماس، وتحمسوا، وتشجعوا، لا ينظرون إلى أدلة، المهم أنهم يفعلوا. كذلك العواطف إذا حكمتهم العواطف، حكموها على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. لكن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحكمون الكتاب والسنة على العواطف. ولهذا عمر ندم على ما قاله للنبي عليه الصلاة والسلام، حتى قال: حتى عملت بعد ذلك أعمالًا أرجو من الله عز وجل أن يعفو عني. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا». قال: فلما حولنا الله إلى المدينة أمرنا بالقتال، فكفوا، على بعضهم، كأنه كف. وقال: فلما كتب عليهم القتال، إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، إلى آخر ما يذكر. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. طيب، هنا سؤال: هل أجر اتباع الجنازة والصلاة عليها يبدأ من إخراج الجنازة من البيت، أم في المسجد، وبعض الصلاة عليها؟ نعم، اتباع الجنازة على أمرين: اتباعها حتى يصلى عليها، «من تبع جنازة حتى يصلى عليها»، ثم تبعها حتى تدفن، فله قراطان. فالظاهر، والله أعلم، كما ذكر النووي وغيره، أن اتباع الجنازة قبل الصلاة له أيضًا أجر، والصلاة لها أجر، وإن كان القراط يوجد، لكن قد يكون القراط الذي فيه اتباع الجنازة قبل أن يصلى عليها، وفيه اتباع الجنازة قبل أن تدفن، قد يكون أعظم ممن فقط صلى عليها في المسجد، أو في المصلى، أو صلى عليها وقت الدفن، ثم بعد ذلك حضر الدفن، أو جاء آخرة. فالمهم أن هذا يتحصل على أجر الصلاة، وعلى أجر أيضًا الاتباع. لكن من اتبعها من مكانها حتى الصلاة، ثم بعد ذلك تبعها من مكان الصلاة إلى أن تدفن، فهذا أجره أعظم. قال: من ليس له قدرة في السجود، هل يكبر جالسًا أم واقفًا؟ يعني الذي يصلي بالكرسي، هل يكبر جالسًا أم واقفًا؟ والذي يكبر جالسًا جاهلًا بالحكم، هل صلاة السابقة تبطل؟ مع أن له قدرة في القيام. لكن جاهل، الأصل أن هذه كما قال الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فإذا كان يستطيع القيام حتى لفترة يسيرة، فلابد أن يكبر تكبيرة الإحرام، وليس تكبير السجود، مع أن تكبيرة الإحرام، لعله يقصد تكبيرة الإحرام، يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم، يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم. فإن لم يستطع القيام، ما يستطيع أن يقوم، وإنما يصلي وهو جالس من بداية صلاته، فيكبر وهو جالس. وأما إذا كان يقوم فيكبر، فلابد أن يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم، ثم إن جاءه مثلًا التعب، جلس. وإلا فيبقى في الصلاة حتى مثلًا إذا تعب، ووجد نفسه لا يتحمل، يجلس. وأما إن كان يستطيع أن يقوم، لكن قد إذا طال الإمام لا يستطيع، فهنا يجب عليه أن يقوم، يجب عليه أن يقوم ويكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم، فإذا أتراه، أتراه العلة، أترته العلة وهو قائم، تعب، فله بعد ذلك أن يجلس. ومن كان جاهلًا بالحكم، إن شاء الله، إذا لم يتحر ما لا يستطيع أن يتحر هذا الحكم، ولم يتحر، فهذا قد يكون آثم. وأما إذا كان انشغل، أو أنه غفل عن هذا الأمر، فالله عز وجل غفور رحيم. طيب، المهم أنه يصلي على ما استطاع، يصلي كما قال الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، وسعكم الله خير.