الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 651

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 651

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 651، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث خاتم النبوة ومعجزة دعاء العذق

يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث ابن عباس عن رجل من بني عامر طلب رؤية خاتم النبوة مدعياً الطب، فأراه النبي صلى الله عليه وسلم آية بدعاء عذق النخل فاستجاب له. ويبين أن المراد بالطب هنا السحر والجنون، وأن معجزة النبي أعظم من ادعاءات البشر.

معجزة نبوع الماء من أصابع النبي وتأثيرها في إسلام القبائل

يروي المقطع معجزة نبوع الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم حتى امتلأت الأواني والمزاد، مما أدى لإسلام امرأة من بني عامر وقومها. ويذكر قصة جويرية بنت الحارث التي كانت بركة على قومها، مع المقارنة بين سرعة استجابة العرب للحق وعناد اليهود.

معجزات النبي الحسية وعظمة القرآن الكريم

يسرد المقطع معجزات حسية للنبي صلى الله عليه وسلم كنبع الماء من بين أصابعه وإجابة الجمادات والحيوانات له، مقارناً ذلك بعصيان الإنس والجن. ويؤكد أن أعظم معجزاته هو القرآن الكريم الذي تحدى الفصحاء بالإتيان بمثله فعجزوا، وبقي محفوظاً متفقاً لا اختلاف فيه.

إعجاز القرآن وخلوه من التناقض

تشير الآية إلى أن لو كان القرآن من غير الله لكان فيه اختلاف كثير، وكتاب بهذا الحجم لا بد أن يحتوي على تناقضات لو لم يكن من عند الله. لذا نستنتج أن القرآن معجز وخالٍ من التناقض، والله أعلم.

  • 23 جمادى الأولى 1446هـ - 24/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، وهو صاحب الأعمش، كان الناس يرجعون إليه في حديث الأعمش. قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران، عن أبي ضبيان، اسمه قابوس، أو اسمه حسين بن جندب، واسمه حسين بن جندب، وهو من أصحاب عبد الله بن عباس، الثقات. قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أتى النبي عليه الصلاة والسلام رجل من بني عامر، فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإني من أطب الناس. فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألا أريك آية؟ قال: بلى. قال: فنظر إلى نخلة، فقال: ادعُ ذلك العذق. قال: فدعاه، فجاء ينقض حتى قام بين يديه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ارجع. فرجع إلى مكانه. فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيتكم اليوم رجلاً أسحر. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأبو ضبيان اسمه حسين بن جندب. والحديث أخرجه الدارمي. فقال رحمه الله: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جرير وأبو معاوية عن الأعمش به. إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، فرواه عن جرير، جرير بن عبد الحميد الضبي، وأبو معاوية، وكلاهما من أصحاب الأعمش، أو من ثقات وحفاظ أصحاب الأعمش. هذا الحديث يخبر أن ابن عباس رضي الله عنهما حدث أن رجلاً من بني عامر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: أرني الخاتم الذي بين كتفيك. وخاتم النبوة هو مثل الحجلة، أو مثل اللحمة الزائدة، وفيها شعر. هذا خاتم النبوة، أي الشيء الذي يميزه عن غيره. خاتم النبوة: معنى شيء جعله الله عز وجل في نبيه صلى الله عليه وسلم علامة يعرف بها أنه هذا النبي الذي وعد الله عز وجل بني إسرائيل وغيرهم أنه سينزله، أو سيبعثه في تلك الحقبة. فظن هذا الرجل أن هذا مرض، وأنها لحمة زائدة تحتاج إلى أن تذهب، فقال: فإني من أطب الناس. "أطب الناس" معنى أنه يعالج ويعرف العلاج، وهو خبير به. فجاء له النبي عليه الصلاة والسلام بشيء أعظم مما هو فيه. لما قال له: إني من أطب الناس، معنى الطب هو نوع من الأنواع الخفية التي تشبه السحر، على أنها كلها أعشاب وعقاقير، فهي تشبه السحر في هذا. لهذا، معنى جعل الأدوية أو صناعة الأدوية شيء يحتاج إلى ذكاء، يحتاج إلى خفة، يحتاج إلى نفس واسعة. لهذا، النبي عليه الصلاة والسلام أراه شيئاً أعظم مما يدعي، وهو هذا الطب. وغالباً أيضاً يسمى الجنون طباً، أو طب، كما جاء في الحديث: "قالوا به طب"، أي سحر. والسحر أيضاً يسمى طباً: "به طب"، وقال: "من أطبهم؟ قالوا: لبيد بن الأعصم، أطبهم"، أي سحر. فيسمى السحر أيضاً طباً. لهذا قال: "فإني من أطب الناس"، أي أذهب بالسحر، وأذهب بالجنون، وأذهب بهذه الأشياء، وأعالج. فقال: ألا أريك آية؟ أنا أعظم مما أنت فيه، وأعظم مما تدعي. قال: بلى. قال: فنظر إلى نخلة، فقال: ادعُ ذلك العذق. فدعا، فجاء ينقض حتى قام بين يديه. "ينقض" معناه يجري بسرعة، وكأنه قفز من مكانه، وجرى حتى جاء إلى ذلك، إلى قرب النبي صلى الله عليه وسلم، بدعوة ذلك الرجل من بني عامر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ارجع. أي: لهذا العذق. فرجع إلى مكانه. فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيت كاليوم رجلاً أسحر. "أسحر" من كل ساحر، مثل ما قالت تلك المرأة: "فإن كان هذا سحراً فهو أسحر الناس، وإلا فهو كما قال"، أي أنه رسول الله. وأنه إذا كان سحراً... لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من مزادة مائها، وصبها في الإناء، ثم وضع يديه عليه الصلاة والسلام، فنبع الماء من بين أصابعه. وضع يديه على الماء، فنبع الماء من بين أصابعه حتى امتلأت القصعة. ثم أن الناس توضؤوا منها، ووضعوا في آنيتهم حتى امتلأت. ثم أخذ المزادة النبي صلى الله عليه وسلم، وصب فيها الماء حتى امتلأت هذه المزادة، حتى كادت تشقق من شدة، من كثرة الماء الذي فيها. لأن هذه المزادة مصنوعة من الجلد، كلما وضع فيها ماء انتفخت، انتفخت حتى إلى آخر شيء، مثل هذه القربة، السقاء، لكن هذا السقاء صغير يسمى مزادة. فملأها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: هل رزأنا من مائكِ شيئاً؟ قالت: لا. ثم لما ذهبت إلى قومها، قالت: والله إني جئتكم من عند أسحر رجل، أو أنه كما قال، أي أنه رسول الله. ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرسل السرايا فيغزون الناس، ويغزون القبائل، لكن لا يغزون قبيلة هذه المرأة. فقالت هذه المرأة: والله ما ترككم هذا الرجل وأصحابه إلا لشيء، أفلا تتبعونه وتأخذون بدينه؟ فأسلم قومها. كانت بركة على قومها. مثل أيضاً جويرية بنت الحارث المصطلقية، كانت بركة على قومها. سبحان الله، تجد الأعراب، لأنهم أو العرب، لأنهم أهل فطرة، فإذا جاءهم الحق رجعوا إليه. بخلاف اليهود، اليهود أهل العناد، تجد أنهم يعرفون الحق ولا يرجعون إليه، يعرفون أن هذا صحيح. قالت صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام: قالت لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، خرج اليهود، ومنهم أبي وعمي ياسر، ياسر بن حيي. قالت: فلما جاء، وكنت تقول صفية بنت حيي، وهذه رواها ابن إسحاق بإسناد لا بأس به. فقالت صفية: وكنت أحب ولد إليه إلى حيي، وكان عمي أيضاً يحبني، فسمعتهم يتكلمون. فقال عمي ياسر لأبي: والله إنه هو الذي عندنا، هذا الذي في الكتب عندنا، ألا نتبعه؟ قال: فنهره أخو حيي بن أخطب، قال: وأين سيذهب ديننا؟ أو كذا معنى. أنكر أن يتبع. وإلا هم عرفوا أنه... لكن من كان في قلبه الخير، كعبد الله بن السلام، أول ما رآه وسمع منه آمن به، رضي الله عنه. لهذا تجد اليهود يعاندون، أكثر الناس شراً ومعاندة اليهود. فهذه جويرية بنت الحارث كانت بركة على قومها، أسلموا كلهم. وهذه المرة أيضاً التي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مزادتها، وهذه الآيات التي تحصل على يد النبي عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل يؤيده بها، فهي علامة من علامات نبوته، وآية من آيات الله عز وجل التي يجعلها على الأنبياء. وتجد أنها آيات عظيمة، حتى أن العلماء قالوا: إن هذه الآيات لم تحصل لأحد من الأنبياء قبل. وعلى خروج الماء من بين الأصابع، وكذا لم يحصل، إنما خرج من الصخرة، ناقة خرجت، وفي عهد موسى خرجت العيون من الصخرة، من الجبل، لكن لم يخرج ماء من بين الأصابع إلا بين أصابع النبي عليه الصلاة والسلام. لهذا كانت من أعظم الآيات. وأيضاً هذه الآية، وهو أن دعا النبي عليه الصلاة والسلام النخلة حتى وقفت عنده، فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يطيعه حتى الجمادات، كان يطيعه حتى الجمادات. وقد جاء في حديث جابر عند أبي يعلى البزار وغيره، مسنداً صحيحاً، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "كل شيء يستجيب لي إلا من الجن والإنس"، أو قال: "كل شيء يطيع الله عز وجل فيه إلا ما كان من الإنس والجن". هؤلاء يتمردون عن الطاعة، ويعصون النبي عليه الصلاة والسلام. حتى الحيوانات تطيع النبي عليه الصلاة والسلام. ذاك الجمل، كما تقدم معنا، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ركب، لما قال له: يا رسول الله، إنه صار مثل الكلب، الكلب، وإنا نخاف عليه. فقال: لا بأس، لا بأس عليه مني. معنى أنه لا يستطيع يؤذيني. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بكى، وجاء يخر حتى سجد بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، وهو حيوان. لهذا فالنبي عليه الصلاة والسلام استجابت له الحيوانات والجمادات. فحري بالإنسان الذي جعل الله عز وجل له عقلاً، وفضله على العالمين، على كل المخلوقات، لكنه تجده يعرض ويخالف ويعصي. صلى الله عز وجل عافية. قال: فرجع إلى مكانه، فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيت كاليوم رجلاً أسحر. فخلاصة الحديث: فيه آية من الآيات التي أجراها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والآية العظمى التي جعلها الله عز وجل لنبيه هي القرآن، هي القرآن. كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إن الله ما أرسل نبياً إلا أرسل معه ما على مثله آمن البشر، ما على مثله آمن البشر، وإن الذي أوتيته قرآن، وإن الذي أوتيته قرآن". يعني: الله عز وجل أرسل، جعل آية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم العظمى هي القرآن، هي القرآن. قال: قال بعض العلماء: إنما كان القرآن أعظم آية للنبي عليه الصلاة والسلام لأن الناس كانوا فصحاء، كانوا أهل فصاحة ولغة، ويتفننون في اللغة. فجاء القرآن وأعجزهم عن أن يأتوا بمثله. تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بمثله، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، وتحداهم كذلك أن يأتوا بسورة من مثله، سورة واحدة من مثله. وقال العلماء، كما ذكر الرازي وغيره: أنه ينطبق على كل سورة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل القرآن. فقال الله عز وجل: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38]. "مِّن مِّثْلِهِ" أي مثل هذه السور، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها. وقال الله عز وجل: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: 24]. إن ما تتمكنون من فعل هذا، ولن تتمكنوا على فعله، لأنكم... لأن هذه آية من الله، وأنتم قاصرون على أن تأتوا مثل هذا القرآن. لهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. هذا القرآن العظيم، فيه مائة وأربع عشرة سورة، وفيه ثلاثون جزءاً، ليس فيه شيء يخالف الآخر، ليس فيه شيء يخالف الآخر، بل كله متفق. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. يعني: كتاب كبير مثل هذا لا شك أنه سيوجد فيه الاختلاف والتناقض. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.