شرح السنة للإمام البربهاري 2

شرح السنة للإمام البربهاري 2

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف الشرح والسنة

تناول المقطع الأول تعريف الشرح والسنة لغة واصطلاحا، حيث أوضح معانيها اللغوية والاصطلاحية. السنة في اللغة تعني الطريقة أو السيرة.

طرق الاستفتاح في الكتابات الإسلامية

ناقش المقطع الثاني طرق الافتتاح في الكتب والرسائل والخطب، مبينا الأوجه الثلاثة للاستفتاح وأهمية نعمة الهداية. بدء الرسالة بالحمد له أسبابه.

توضيح العلاقة بين الإسلام والسنة

شرح المقطع الثالث مقولة 'الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام' للبربهاري، موضحا أن كلا المصطلحين يشير إلى الدين ككل. يُفسر ذلك من خلال توضيح شامل لأحكام الدين.

ختام الدرس والدعاء للطلبة

اختتم الشيخ الدرس وعد بالعودة إليه في الغد، ودعا الله أن ينفعهم بما قاله ويصلي على النبي محمد. جاء ذلك في ختام الدرس.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان الإخوان في الله في درسي أو درسي الماضي عبارة عن تقدمة ومقدمة حول المؤلف والمؤلف، وهي شرح السنة للبربهاري رحمه الله تعالى، وكذلك نقف عند العنوان حتى نعرف ما المقصود بهذا العنوان، فالرسالة بمعنى شرح السنة، فما معنى الشرح؟ ذكر منصور في لسان العرب أن الشرح يأتي بمعنى التبيين والتوضيح والكشف، التبيين والتوضيح والكشف هذا معنى الشرح. والسنة يأتي تفسيرها من حيث الناحية اللغوية ومن حيث الناحية الاصطلاحية، أما من حيث اللغة فإن السنة تأتي بمعنى الطريقة والسيرة، بمعنى الطريقة والسيرة، فيقال: هذه سنة الأوائل، هذه سنة الآباء والأجداد، أو هذه سنة القوم، فمعنى السنة هنا أي بمعنى الطريقة، سنة الأوائل أي طريقة الأوائل، سنة القوم أي طريقة القوم. يقول الشوكاني رحمه الله تعالى، كما في إرشاد الفحول، قال: وأما في اللغة فهي الطريقة، وذلك إثر كلامه على تعريف السنة في باب اللغة، قال: أما في اللغة فهي الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسن، إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه، فهي بمعنى الطريقة. وهنا مسألة كذلك يجدر التنبيه عليها، وهي كذلك في معنى السنة في باب اللغة، اختلف أهل اللغة هل السنة تطلق على أي طريقة حميدة كانت أو فاسدة؟ أم أن السنة تطلق فقط على الطريقة الحميدة، على الطريقة المحمودة؟ هذا على خلاف، ذهب جماعة من أهل اللغة، كالأزهري رحمه الله تعالى، إلى أن السنة إنما تطلق على الطريقة الحميدة، على الطريقة المحمودة فقط. وهذه إطلاقات السنة في اللغة تطلق السنة على الطريقة المحمودة فقط، وذهب الكثير من أهل اللغة على خلاف ذلك، وعلى أن السنة تطلق على الطريقة المحمودة وعلى غير المحمودة، تطلق على هذا وعلى ذاك، لكن ترى فعلًا ليست بحميدة، تقول: هذه من سنة الأوائل أو هذه من سنة القوم، وهي فعل غير حميد، مثل قبيلة كانت على التعارف بينهم على الظلم وعلى الاعتداء وعلى جبي الأموال من غير أهلها، أو على الفساد وعلى ارتكاب الفواحش لمن خالف مثلًا، فهذه طريقتهم في المعاملة، فيقول أهل اللغة: لا، بس يقول: هذه سنة القوم، هذه سنة القوم، تطلق السنة على الطريقة وإن كانت غير حميدة. وهذا مذهب جمهور أهل اللغة على جواز ذلك، على أن السنة لك أن تطلقها على الطريقة الحميدة ولك أن تطلقها على الطريقة غير الحميدة، والقول الثاني قول من قال بالعموم له وجه، وذلك لما ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها»، ثم قال: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة فله وزرها»، فحكم نبينا على الطريقة الحميدة بأنها سنة، وحكم كذلك وأطلق على الطريقة غير الحميدة بأنها سنة. فعلى القول الصحيح، على مذهب كثير من أهل اللغة، على أن السنة تطلق على الطريقة الحميدة وعلى غير الحميدة، وهناك قول وسط للإمام الخطابي رحمه الله تعالى، وهو قول وجيه، وهو اعتباره ذكر، وقال: أن السنة الأصل إذا أطلقت السنة فإنما يقصد بها الطريقة الحميدة، هذا الأصل إذا أطلقت السنة فإنه يراد منها الطريقة الحميدة، وقد تطلق على غير الطريقة الحميدة لكن مقيدة، لكنها مقيدة. وهذا كذلك قول له وجه، حتى من نظر في الحديث، قال: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» قيدها، فالحديث جاءت السنة هنا مقيدة، فقول الخطابي قول وسط، وأنه يجوز أن الأصل إذا أطلقت السنة فإنها تذهب سرعان إلى أصلها وهي السنة الحميدة، ولكن إذا أردت أنها السنة غير حميدة فعليك أن تقيدها، هذا على مذهب الخطابي. وأما ما يتعلق بمعنى السنة اصطلاحًا، هذا سيأتي معنا في الشرح، قال المؤلف ورحمه الله تعالى: «الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا به وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى والحفظ مما يكره ويسخط»، إخوانًا في الله، وشرحنا في هذا الباب لن يكون في إسهاب، يعني أخذ كل كلمة بمفردها ثم ذكر ما فيها، وإنما نذكر أهم المسائل المتعلقة بهذه الفقرات. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة بهذه الفقرة بقوله: «الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومن علينا به وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى والحفظ مما يكره ويسخط»، هنا ترد مسألة لربما قد ترد بأذهان بعض الطلبة، يقول: لن نحن قد علمنا ودرسنا أن الكتب يستحب أن يبتدأ بها بالبسملة، والمؤلف هنا رحمه الله تعالى ما ذكر البسملة، فما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن نعرف أن افتتاح الكتب وافتتاح المقالات والخطب، كما يقول العلماء، تكون بأحد أمور ثلاث، الافتتاح سواء كان ذلك للمقالات أو كانت للرسائل، ما كان قولية وما كان خطية، فإن الاستفتاح بها يكون بأحد أمور ثلاث، إما بالبسملة، إما بالبسملة، وهذا الذي أثر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كان إذا كتب الكتب والرسائل ابتدأها بالبسملة، كما في حديث هرقل أن نبينا كتب الرسالة وافتتحها ببسم الله الرحمن الرحيم، وهكذا في قصة صلح الحديبية وكتابة بنود الصلح كان ذلك بعد الافتتاح ببسم الله الرحمن الرحيم. فهذا أثر عن نبينا، وكذلك في الخطب، وكذلك المحاضرات، يجوز أن يستفتح أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يتكلم بما شاء، فالافتتاح يكون بالبسملة، هذا وجه، وجه آخر يكون كذلك بالحمد، يكون كذلك بالحمد، ليس فقط بسم الله الرحمن الرحيم، لك أن تبدأ بالحمد، كأن تكتب كتابة تقول: الحمد لله، ثم تشرع بما تقول، أو تخطب تتكلم تقول: الحمد لله، ثم تبدأ تتكلم، ودليله ما ثبت في صحيح مسلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام خطب خطبًا بالقوم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. فقوله: فحمد الله، إذن بدأ بالحمد، والوجه الثالث أو الطريقة الثالثة في الافتتاح أن يكون ذلك بأي آية بأي آية من سور القرآن من كتاب الله جل وعلا، لك أن تستفتح، ودليله كذلك ما ثبت في الصحيح أن نبينا عليه الصلاة والسلام جاءه قوم من بني نمار أو مجتاب من أهل عرينة، وعليهم الفاقة والفقر، فلما رآهم نبينا صلى الله عليه وسلم ارتقى على منبره وقال: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة»، ثم شرع في خطبته عليه الصلاة والسلام، فلم يبتدأ لا بالبسملة ولم يبتدأ بالحمد وإنما تلا شيء من كتاب الله جل وعلا. فقال العلماء: وهذا كذلك ينفع في ماذا؟ في الافتتاح للمقالات، وكذلك للرسائل، فعندنا أوجه ثلاث، إما البسملة، وإما الحمد له، وإما كذلك الافتتاح بأي سورة، والمؤلف رحمه الله تعالى كما ترون ها هنا بدأ بالحمد، فقال: الحمد لله، إذن فهذا يسعفه والدليل قد دل عليه. قال: «الحمد للذي هدانا للإسلام»، وفيه بيان إخواني في الله على أن أعظم النعم التي يحمد الرب سبحانه وتعالى عليها وهي الهداية إلى الإسلام، الهداية للإسلام، وكذلك فائدة في قول الحمد، قال علماء: الحمد هنا الاستغراق، الحمد الكامل لله عز وجل، ومنه قال علماء: لا يجوز أن يقال: الحمد لفلان، لا يجوز أن تقول: الحمد لفلان، الحمد إلى الاستغراقية، أي جميع المحامد تكون لله جل وعلا. فقول: الحمد لفلان، هذا لا يجوز، وإن من أردت أن تحمد فلانًا فأحمده على أشياء معينة، فلك أن تقول: أحمد فلانًا على كذا وكذا، أحمد فلانًا على كذا وكذا، فلا بأس بذلك، أما أنك تقول: الحمد لله، أي أن جميع المحامد لفلان وفلان، فلا، وإنما جميع المحامد تكون لله جل وعلا. قال: «الحمد للذي هدانا للإسلام ومن علينا به وأخرجنا في خير أمة»، فالأمة المحمدية من خير الأمة، لا أحد يدانيها ولا أحد يباريها في باب الأفضلية، فالخيرية جعلها الله لهذه الأمة كما قال ربنا جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فهذه الأمة الخيرية في اعتقاداتها وفي عباداتها وفي معاملاتها وفي منهجها وفي سلوكها، فكل خيرية جعلها الله جل وعلا فيها. قال علماء: في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، أن يعلم المسلم أن الخيرية لا تكمن في ذاته وإنما تكمن في تعديه لغيره، ليس شأن يا عبد الله أن تكون صالحًا وإنما شأن أن تكون مصلحًا، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لماذا؟ ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فالمسلم يملك بمتعدي النفع، متعدي النفع. صحيح هذا من فضل الله جل وعلا عليك أن جعلك على الهداية وجعلك على خير وجعلك على ثبات وجعلك على الإسلام، لكن عليك يا عبد الله أن لا تقصر الخيرية عليك فقط، وإنما عليك أن تصل إلى أعلى مراتب الخيرية وهو الخروج للناس بالدعوة، بالإرشاد، بالتعليم، بالنفع للغير، وهذه الآية هذا المقصود منها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ السبب: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. فليكن إخواني في الله الواحد مننا يتقاعس عن بذل الخير، وإنما عليك يا عبد الله أن تتصف بالخيرية بهذه الصورة، أنك تبذل الخير بما شئت وكيف شئت، بالدعوة باللسان، بالدعوة بالقول، بالدعوة بالمال، بما تستطيع أن تبذله لك تكون ماذا؟ على هذه الخيرية التي أرادها الله جل وعلا منك. قال: «فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى والحفظ مما يكره ويسخط»، قال: «، اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر»، قوله رحمه الله تعالى: «اعلموا» هو فعل أمر من العلم، ويقول العلماء: أن هذه الكلمة إن جاءت فإنما المقصود منها التنبيه، لأن هذه الكلمة لا تأتي إلا للأشياء المهمة، لا تأتي إلا للأشياء المهمة. ولهذا من تأمل في كتاب الله جل وعلا يجد أن هذه الكلمة تأتي ثم يأتي بعدها الأشياء العظيمة، «اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها»، وتأمل في كل كلمة وفي كل موطن جاء فيه لفظة العلم أو «اعلموا»، «اعلموا» أن المراد منها الأشياء المهمة، وعلى هذا سلك العلماء هذا المسلك، فتجد بعض المؤلفين إذا جاءوا إلى الأمور المهمة يقول: «اعلم رحمك الله»، «اعلم حفظك الله»، «اعلموا أيها الناس»، فثم يأتي بالأمر العظيم، بالأمر العظيم. وقد ذكر الجرجاني رحمه الله تعالى في كتابه التعريفات أن العلم بمعنى الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، هذا هو العلم، الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، فإن كان الاعتقاد الجازم طابق الواقع فهذا هو العلم، فخرج بذلك التردد، وخرج بذلك الشك. قال رحمه الله تعالى: «اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام»، هذه العبارة من العبارات الشهيرة التي اشتهرت عن المؤلف رحمه الله تعالى، مع أن المؤلف ليس إلا ناقل لها، وهذه العبارة هي مذكورة عن بشر بن الحارث، لكنه نقلها عنه فاشتهرت للبربهاري رحمه الله تعالى، تسمع الكثير من الناس يقولون: وقد قال البربهاري رحمه الله تعالى: «اعلموا أن السنة هي الإسلام، والسنة الإسلام هي السنة». وقول المؤلف رحمه الله تعالى: «أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام»، ما وجه ذلك؟ قال علماء: لذلك أوجه، وجه ذلك مثلًا إذا علمنا أن الإسلام هو دين الله، الإسلام هو دين الله، هو كل ما جاء في هذا الدين من أعمال، من أقوال، من الاعتقادات، هذا الدين يسمى الإسلام، قالوا: وكذلك السنة، كذلك السنة تطلق على أحكام الدين، السنة من إطلاقاتها. وسيأتي معنا من فعل السلف أن العلماء يطلقون السنة على الدين، في إصطلاحات الناس هنا، ناس يصطلحوا على إطلاق السنة على النوافل، إطلاق السنة على النافلة، هذه فريضة وهذه سنة قبلية وهذه سنة فعلية عن نوافل، هذه نعم من إطلاقات السنة، وتطلق السنة كذلك على الدين، تطلق السنة على الدين، يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: قال: «السنة هي الطريق المسلوك»، هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، من الاعتقادات والأعمال والأقوال. قال: «وهذه السنة الكاملة»، قال رحمه الله: «وهذه هي السنة الكاملة»، ثم قال: «ولهذا كان السلف قديمًا»، قال رحمه الله: «ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون السنة إلا على ما يشتمل ذلك كله»، إلا على ما يشتمل ذلك كله، فمن كلام ابن رجب رحمه الله تعالى بيّن على أن من شأن السلف رحمه الله تعالى أن يطلقون على الدين لفظ السنة، ما اجتمع على أقوال والأعمال والاعتقادات. فإذا علمنا هذا، إذن علمنا مفهوم العبارة: «الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام»، ما فرق بينهما؟ الإسلام عبارة عن أقوال وأعمال واعتقادات، وكذلك السنة عبارة عن أقوال وأعمال واعتقادات، فلا فرق بين هذا وبين ذاك، فالإسلام هو الدين، والسنة هي الدين، فالإسلام هي السنة، والسنة هي الإسلام، لا فرق بينهما، هذا وجه من أوجه من قال بهذا. وجاء سيأتي معنا البقية في درس غد، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.