الدرس في شرح العقيدة التدمرية 47، ألقاها
يتناول المفهوم الخاطئ لتوحيد الربوبية عند بعض الطوائف، ويبين عدم كفايته كتوحيد حقيقي. يشرح كيف اعتبره المشركون مقرًا به.
يشرح الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، ويبين أهمية توحيد العبادة لدخول الإسلام. يتناول آراء طوائف التصوف المختلفة.
ينتقد المقطع آراء المتصوفة والقدرية، ويقارن بين المشركين والمجوس من حيث الشريعة ومعاملتهم. يبين بطلان ادعاءات الطائفتين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أولئك أهل إثبات للقدر، تعرفون أن الأشاعرة في باب القدر لا يثيرون على مدى بأسهم، والجماعة تمامًا، ولكن عندهم خلط وخلط في هذا الباب، ليس محلهم هذا. قال: «إنما هو توحيد ربوبية، وأن الله رب كل شيء»، ومع هذا فالمشركون كانوا مقتنعين بذلك، مقتنعين بذلك، مع أنهم مشركون. فكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود توحيد الربوبية، هو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه. إذا غاب العارف بموجوده الذي هو الله سبحانه وتعالى عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، كذلك، وبمعروفه عن معرفته، كذلك، ودخل في فناء التوحيد، ودخل في فناء توحيد ربوبية، بحيث جعل من لم يكن ويبقى من لم يزل. معنى هذا أن هذا العارف يستغرق في معرفة ربه عز وجل حتى تتلاشى شيئًا فشيئًا وجوده لوجوده سبحانه وتعالى، ومعرفته لمعرفته سبحانه وتعالى، فلا يشهد ولا يعرف ولا يكون موجودًا في ذلك إلا الله عز وجل. قال: «هذا يصدر بسبب أن الإنسان يتلاشى قلبه في معرفة المحبوب، بحيث لا يبقى في القلب إلا ذلك المحبوب». إذا تلاشى القلب، فلم يكن شيء في القلب إلا هذا الشيء، ذهب بمعرفته عن معرفته، وكذلك بوجوده عن وجوده. العارف عندهم كما يقولون: «إنه تلاشى ما في قلبه تمامًا بحب الله عز وجل، وبتحصيل مرادات الله عز وجل، حتى يصير حبه حبه، وبغضه بغضه، وإرادته إرادته». إذا صار كذلك، يقولون: «إنه صار عارفًا، وصار كبيرًا من كبار الموحدين، وكبيرًا من كبار الأولياء». قال: «فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها»، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، المشركون يقولون بتوحيد الله عز وجل بمعنى أن الله عز وجل هو الخالق الرازق المدبر الذي بيديه ملكوته كل شيء، أي توحيد الربوبية. ولكنه مشرك في توحيد العبادة، فهذا التحقيق الذي حققه هذا العارف موجود عند مشركي العرب، فضلًا عن غيرهم. قال: «ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا، بمجرد التوحيد الربوبية لا يصير الرجل مسلمًا، فضلًا عن أن يكون وليًا لله أو مثيل الأولياء». لأنه لم يحقق عز وجل به الأصل وهي إفراد الله عز وجل بالعبادة، لأن المطلوب الأتم والأعلى والأكمل أن يحقق الإنسان ما أراد الله عز وجل منه شرعًا، بأن يتقرب إلى الله عز وجل بما شرعه الله عز وجل، فيخلص الدين لله عز وجل وحده، فلا يشرك مع الله عز وجل غيره. طائفة من أهل التصوف والمعرفة يقولون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته. منهم من يغير حتى يكون الوجود واحدًا، ومنهم من يميز بين الموجود القديم الأزلي وبين الموجود الممكن. فيكون هذا حال أحسن من غيره، لأنه اعتقد وجود موجودين، بخلاف الأول اعتقد وجودًا واحدًا. فتفانوا حتى صار الوجود عندهم واحدًا، فلا يرى إلا ربه عز وجل، ولا يكون في الكون إلا الله عز وجل. قال: «والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله عز وجل الصفات العقلية المعروفة بالصفات السبع، ويثبتون الصفات الخبرية في الجملة». وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام، فأقوالهم متقاربة، لأن متعلقات الأسماء والأحكام فرع عن متعلقات الجبر. إذا قالوا: «إن الإنسان لا قدرة له ولا قوة»، إذا فعل الطاعات وفعل المعاصي، هو بقدرة الله عز وجل، فهو بأمر الله عز وجل. الكلابية هم أتباع محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، الذي سلك الأشعري طريقه، وأصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، ونحوهما، خير من الأشعرية. قال: «فكلما كان رجل من السلف والأئمة أقرب، كان قوله أعلى وأفضل». الكرامية قول في الإيمان قول منكر، الكرامية أتباع محمد بن كرام، يقولون: «إن الإيمان هو مجرد قول اللسان». فخالفوا الجماعة في الإسم دون الحكم، لأنهم لُقّبوا بأنهم مؤمنون، ولكن في الحكم، قالوا: «هم مخلدون في النار». والناظر في هذا الأمر يعلم أن هذا القول باطل، لأنهم جمعوا بين نقيضين: مؤمن ومخلد في النار. قال: «وأما في الصفات والقدر والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف أهل الكلام التي في أقوالها خالف فلاسفة من حيث الجملة». إلا أنهم في باب الأسماء وصفاتهم مشبهة، ولكن المشبهة خير من المعطلة، لأن المشبهة شبهوا الله عز وجل بالممكنة. قال: «والمبتدعة ينفون الصفات، ويقاربون قول الجهم، لكنهم ينفون القدر». فيقولون: «إن العبد هو الذي يفعله، فعله بنفسه، هو الذي يخلق أفعاله من خير وشر». قال: «ولكن من غلا في القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي والوعد والوعيد، وغلوا فيه، فهم يكذبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب». الإقرار بالأمر والنهي والوعد والوعيد مع إنكار القدر خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، خيرية نسبية، وإلا كلاهما باطل. قال: «ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينكر الأمر والنهي والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم القدرية». القدرية نفوا القدر، ولكنهم معظمون للشرائع. قال: «وإنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة، قويت البدعة». فهؤلاء المتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع عراضهم عن الأمر والنهي، شر من القدرية المعتزلة. لما شهدوا الحقيقة الكونية، ادعوا أنهم مجبورون على فعل المعاصي وعلى ترك الواجبات. قال: «فهؤلاء المتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع عراضهم عن الأمر والنهي، شر من القدرية المعتزلة ونحورهم». أولئك يشبهون بالمجوس، لأنهم أثبتوا خالقين: خالق الله عز وجل، وخالق أفعال العباد. قال: «والقدرية مجوس هذه الأمة». قال: «والمشركون شر من المجوس، لأن المشركين مع شركهم بالله عز وجل، هم مكذبون للرسل، ومكذبون للشرائع، وينسبون الظلم والشر إلى الله عز وجل». لذا كان حال المجوس خير من حال المشركين في شريعتنا، لأن المجوس يعاملون باعتبار أخذ الجزية، وما شابه ذلك، معاملة أهل الكتاب. قال: «فالنفاذ لهذا سبحانه وتعالى، وحمده الله تعالى إلى أهلًا».