الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع عبارة البربهاري 'ليس في السنة قياس' ويبين أن العلماء حملوا هذه العبارة على ثلاثة محامل. يؤكد أن القياس يعتبر من الأدلة الشرعية ويستخدم في الأحكام، لكن البربهاري ينفيه في سياق معين يتعلق بالتعامل مع السنة النبوية.
يناقش المقطع كيفية التعامل مع السنة النبوية، حيث يؤكد على عدم جواز ردها بالقياس أو الأمثال أو الأهواء. يشدد على أهمية التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح.
يناقش المقطع معنى قول المؤلف 'بلا كيف' و'بلا شرح' في العقيدة، ويحذر من الكلام والخصومة والجدال والمراء في الدين. يوضح أن نفي الكيفية يعني عدم التشكيك في أخبار رسول الله، وأن الشرح الممنوع هو الذي يعتمد على الآراء العقلية دون الرجوع إلى الكتاب والسنة.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء أن ينفع الله بما قيل، ويعد بالتطرق لأقوال العلماء والسلف في الدرس القادم. يختم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح، ولا يقال لما وكيف. في هذه الفقرة أورد البربهاري رحمه الله تعالى مسألة متعلقة بالتعاون مع السنة، أي السنة النبوية، فقال رحمه الله تعالى: واعلم... وقد مر معنا معنى العلم، وأن هذا اللفظ يؤتى للأشياء المهمة، وفي قوله رحمك الله مر معنا أن هذا أسلوب دعائي استعطافي، وفيه دلالة على حسن سيرة المؤلف رحمه الله. قال: إنه ليس في السنة قياس، ليس في السنة قياس، وهذه العبارة قد تستشكل عند بعض الناس، وخاصة إذا علم أن القياس يعتبر من الأدلة الشرعية التي يستدل بها في الأحكام. وأدلة من احتج بالقياس أدلة كثيرة ووفيرة وعديدة ومتنوعة، سواء كان من كتاب الله جل وعلا، وكذلك من سنته، وهكذا بإجماع الصحابة، كما ذكر البعض أن إجماع الصحابة قد قام، وقد قالوا بالقياس. استدل من استدل بحادثة قتال المرتدين أن الصديق رضي الله تعالى عنهم استخدم القياس، حيث يستدل بقتاله لتارك الزكاة قياسًا بتارك الصلاة. وأدلة كثيرة جدًا تدل على صحة الاستدلال بالقياس، بل حتى الذي هو مذهب جمهور الأمة، جمهور العلماء على صحة الاستدلال بالقياس والعمل به، حتى على قول من قال بعدم العمل بالقياس، وإن صرح هذا بمقاله ولسانه، لكنه في واقع الحال يستخدم القياس. بل إن بعض العلماء شنع على من ترك القياس، ومنهم الرماه بالشذوذ، بل حتى إن بعضهم كابن رشد، أبو الوليد بن رشد، حكم على أن منكر القياس ساقط العدالة، وهذا حكم شديد، لكن المسألة اجتهادية. والذي دلت عليه الكتاب والسنة هو العمل بالقياس. هنا يأتي الإشكال، إذا كان العمل بالقياس صحيح، كيف يقول المؤلف رحمه الله تعالى إنه ليس في السنة قياس؟ هنا يأتي التأويل المستساغ. حمل العلماء عبارة المؤلف رحمه الله تعالى على ثلاثة محامل. المحمل الأول: يحمل هنا على نفي القياس الذي يستخدم في رد الحق، القياس الذي يستخدم في معارضة الأدلة الشرعية، كما كان عليه الكفار وعلى رأس هؤلاء الشيطان، عندما أبى واستكبر عن السجود لآدم، استخدم القياس: ﴿خلقتني من نار وخلقته من طين﴾، استخدم القياس في رده لأمر الله جل وعلا، فهذا قياسهم لا يصح. ففي قوله: إنه ليس في السنة قياس، أي القياس في معارضة للسنة، هذا وجه. الوجه الثاني: يحمل على نفي القياس الفاسد، من درس ومن تفقّه في باب الأصول يعلم أن القياس على قسمين: قياس صحيح، وقياس فاسد، والفرق بينهما في التزام بالشروط. القياس الصحيح له شروط: الأصل المعلوم، الفرع المجهول، العلة المشتركة، فهذا القياس بهذا الاعتبار صحيح. لكن إذا وجد قياس لم تتوفر فيه الشروط، ليس عنده أصل معلوم، وليس عنده فرع مجهول، وليس هناك علة، وليس هناك مناط للحكم، فهذا قياس باطل لا يصح. فإذا وجد أن القياس فاسد، فهذا منفي عن السنة، لا تستخدم القياس الفاسد في السنة، فهذا المحمل الثاني: لا قياس، أي لا قياس فاسد. المحمل الثالث: حمل علماء قول المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: إنه ليس في السنة قياس، قالوا: لا ننظر في كلمة القياس، بل ننظر في كلمة السنة، ما الذي أراد المؤلف بقوله السنة؟ قال علماء بعض الشراح: إن المؤلف رحمه الله تعالى أراد بالسنة ما كان عليه السلف من إطلاق السنة على باب العقيدة. السنة كان السلف يسمون كتب العقيدة، وخاصة في باب الأسماء والصفات، بكتب السنة. فكتب العقيدة والتوحيد تسمى سنة. إذن ففي قوله: إنه ليس في السنة قياس، أي ليس في العقيدة قياس، لا تجعل باب الأسماء والصفات قابلًا للقياس، لا العقيدة والتوحيد لا يقدّرها القياس، بل أمور توقيفية، أمور توقيفية. فهذا المحمل الثالث، إذن يحمل قول المؤلف على أنه ليس في السنة قياس، أي السنة هنا بمعنى العقيدة، فليس في العقيدة قياس. وبهذا تندفع عبارة المؤلف رحمه الله تعالى، وأنه كلامه على ما أراد جمهور الأمة على صحة القياس في الأحكام الشرعية، وما نفاه يُحمل إما على القياس الذي فيه رد للحق، أو القياس الذي هو الفاسد الذي تتغفر فيه شروط، أو تُحمل السنة على العقيدة والتوحيد، فليس فيها قياس. قال رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس، ولا يُضرب لها الأمثال. المقصود بالأمثال هي الأشباه والنظائر، الأشباه والنظائر. فإذا جاءك الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا تأتي بالأشباه، لا تأتي بالنظائر، كيف لو كان كذا أو لو كان كذا، لا تمثل ولا تنظر، يا عبد الله، سلّم لحديث نبيك عليه الصلاة والسلام. روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه كان في مجلس مع رجل، فقال له: يا ابن أخي، إذا حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال. بعض الناس، إخواني في الله، لو وجد مسألة فائدة علمية نبوية، قال نبيك كذا، طيب كيف لو كان كذا؟ لو كان أمر آخر، سلّم أولًا لهذا الحديث، سلّم لهذا الحديث، ثم دع الأمثال والآراء والأهواء لك، يا عبد الله. فهذا من الأدب مع السنة أنك لا تردها بقياس من قياس الفاسد، أو كذلك لا تردها بضرب الأمثال ونحو ذلك من الآراء. قال: ولا تتبع فيها الأهواء. وقد مر معنا في دروس سابقة ما يتعلق بالهوى وما يتعلق بالتحذير منه. وقد نهى ربنا جل وعلا عن اتباع الأهواء، فقال جل في علاه: ﴿ولا تتبعوا الهوى﴾. فإذا جاءتك السنة يا عبد الله عن نبيك عليه الصلاة والسلام، فعليك بالتسليم كما سيأتي، ولا تردها بهواك، لا تردها بهواك. حال الكثير من الناس ممن لم يعظم سنة النبي عليه الصلاة والسلام، تأتيه السنة فيجعلها خلف ظهره، لا يرفع لها رأسًا ولا يلقي لها بالًا، وإنما يتخذ من هواه هو المشرع وهو المتبوع، يتبعه حيثما جره انجر. قال: وإنما هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم. التصديق بآثار رسول الله يعتبر وتعتبر هذه الخصلة من أعظم الخصائص التي يبرهن فيها العبد مدى تصديقه لرسول الله عليه الصلاة والسلام. كثير من الناس من يدندن في ليله ونهاره يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يؤمن ويعرف ويعترف بأن محمدًا رسول الله، لكن ما هي حقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله؟ جعل علماء من أعظم حقائق هذه الكلمة ومن أعظم أماراتها وعلاماتها على أنك مؤمن ومذعن لهذه الكلمة هذه الخصلة، أنك تصدق تصديقًا بأخباره، تصدق بأقواله عليه الصلاة والسلام. ومن هنا عرف من عرف من العلماء معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، قال: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر. فجعل من أركان شهادة أن محمدًا رسول الله هذه الخصلة: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر. عليك أن تصدق يا عبد الله بأخبار نبيك عليه الصلاة والسلام، كيفما حدثك به، حدثك في باب العقائد، في باب المعاملات، في باب العبادات، في باب الأخلاق، في باب الأفعال، في باب التروك، في كل ما يحدثك به نبيك عليه الصلاة والسلام وثبت عندك بإسناد صحيح متصل، فعليك أن تُذعن لخبره، فلا ترده بقياس، ولا بأمثال، ولا بهوى. قال: وإنما هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح، ولا يقال لما وكيف. بيّن المؤلف رحمه الله تعالى أن من كمال التصديق لخبر الرسول ولآثار الرسول عليه الصلاة والسلام أنك لا تستخدم مثل هذه الحوارات ومثل هذه المقولات والتساؤلات: لما وكيف؟ فلا تحتاج السنة إلى شرح منك، ولا تحتاج إلى التكييف منك. قال علماء في قول المؤلف رحمه الله تعالى: بلا كيف، قال: المقصود بنفي الكيفية هنا هي الكيفية التي يراد منها المعارضة والتشكيك لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا كان استخدامك لكلمة "كيف" استخدامك لهذه الكلمة من باب التشكيك والمعارضة والمصادمة، فهذا منهي عنه، ولا يجوز أن تستخدم هذه الكلمة وأنت تقصد منها المصادمة والمعارضة، كما كان عليه المبتدعة. ومن ذلك القصة الشهيرة على إمام مالك رحمه الله تعالى، عندما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، فقال له رجل: كيف استوى؟ فعلم مالك رحمه الله أن هذا الرجل أراد المعارضة والتشكيك بخبر الله عز وجل وخبر رسوله، فنهره وزبره وأمر بطرده، لماذا؟ لأن هذا عين المخاصمة، عين المخاصمة لخبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: بلا شرح. حمل الشراح كلمة المؤلف رحمه الله تعالى "بلا شرح" إما على الشرح الذي يكون في باب الأسماء والصفات خاصة. في باب الأسماء والصفات هذا الباب قائم على التسليم، يحدثك نبيك عن ربه، عن الله عز وجل، في باب الأسماء والصفات، لا يحتاج منك شرح، تسهب فيه وتفصل فيه، تصدق، أخبر نبينا عن ربه أن الله له كذا وكذا من الأسماء الحسنى من الأسماء العلية وصفات الكمال، وتسلم بهذا، فما تحتاج إلى الشرح والإسهاب. وهذا الذي وقع فيه المبتدعة من الشرح والإسهاب في باب الأسماء والصفات حتى جرهم إلى إدخال عقولهم في بعض المسائل، فذاك نفى وذاك عطل وذاك كيف وذاك شبّه. وإنما السنة للسلم، انظر للصحابة رضي الله تعالى عنهم، ما أحد منهم سأل في هذا الباب، أي باب الأسماء والصفات، الإسهاب والتفصيل، وإنما الإذعان والتسليم لخبر الله وخبر رسوله في هذا الباب. قال علماء: يحمل "بلا شرح" أنك في باب العقيدة لا تسهب فيها، وخاصة في باب الأسماء والصفات، فلا تسهب فيها، وإنما الباب قائم على التصديق والإذعان والتسليم. وذكر في الإجمال أن العبارة الثانية والمحمل الثاني لكلام العلماء أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد "بلا شرح" أي أن مسائل الدين لا تحتاج منك إلى شرح، وهو الشرح غير المتلقى عن علوم شرعية، وإنما هو رأي محض، رأي محض، كحال المبتدعة في زمانه، المبتدعة في زمان المؤلف رحمه الله تعالى وإلى أزماننا هذه. في باب الأحكام الشرعية إذا أرادوا أن يؤصلوا أو أرادوا أن يثبتوا حكمًا شرعيًا، فتراهم يدخلون عقولهم، آراء محضة، ليس فيها اتكاء على آية، وليس فيها استناد على حديث، أو اقتباس من أثر من أثر السلف الصالح، دلائل عارية جدًا من هذه الأمور، إنما فيها قول قال فلان، وقال فلان، والعقل يحكم، والواقع يفرض، هذه أدلة. فهذا شرح منهي عنه، ليس هذا في ديننا، وليس هذا في منهجنا. ولهذا قال المؤلف: بلا شرح، أي هذا شرح لا يرد السنة، ما نريد شرح على هذا المنوال، أدلة عقلية، آراء محضة. وإنما شرح ما كان من الكتاب والسنة، فعلى هذا قال العلماء: إذا من أراد أن يشرح السنة شرحًا قائمًا على الكتاب والسنة، فهذا هو العلم الشرعي، فليس مراد المؤلف رحمه الله تعالى أن المسلمين يمتنعون عن شرح السنة، لا، بل المؤلف هو شرح السنة. فإنما أراد بالشرح هو شرح معين، وما كان عليه المبتدعة من عدم الرجوع والاقتباس من الكتاب والسنة، وإنما شرحهم قائم على الآراء وعلى العقول. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: والكلام والخصومة والجدال والمراء محدثة، يقدح الشك في القلب وإن أصاب صاحبه الحق والسنة. وهذه المسائل العظيمة التي نبه عليها المؤلف رحمه الله تعالى، وستلاحظون في خضم هذه الرسالة أن المؤلف رحمه الله تعالى أكثر من ذكر وسرد هذه العبارات تقديمًا وتأخيرًا، وذلك لعلم المؤلف رحمه الله تعالى أن الذي أوقع المبتدعة وأوقع المخالفين في ترك الكتاب والسنة هو الدخول في هذه الأبواب: في باب الكلام، في باب الخصومات، في باب الجدل، وفي باب المراء. قال: والكلام والخصومة والجدال والمراء محدثة، يقدح الشك في القلب وإن أصاب صاحبه الحق والسنة. وإن شاء الله نأتي في درس قادم بإذن الله التفصيل في معاني هذه الكلمات وأقوال العلماء وأقوال السلف في التحذير من هذه الأمور. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.