الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول تعريف الشفاعة ومعناها اللغوي والاصطلاحي في الإسلام، واعتقاد أهل السنة والجماعة في شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يوضح أن الشفاعة تعني التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة.
تناول أقسام شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، مع التركيز على شفاعته للمذنبين الخاطئين، وما فيها من نزاع بين أهل السنة والجماعة وأهل البدع حول إخراج العصاة من النار بشفاعته.
شرح شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان يوم القيامة، واستدل بأحاديث نبوية على أن الشفاعة ليست خاصة بالنبي فقط، كما بين رحمة الله بالأمة الإسلامية وأهمية التوحيد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف كتاب "التدمرية" رحمه الله تعالى: والإيمان بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة، وعلى الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم. وما من نبي إلا وله شفاعة، وكذلك الصديقين والشهداء والصالحين. ولله بعد ذلك تفضل كثير في من يشاء. والخروج من النار بعد ما احترقوا وصاروا فحما. أراد المؤلف رحمه الله تعالى، وهو بصدد تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، وفي هذه الفقرة - كما تلاحظون إخواني في الله - تكلم المؤلف رحمه الله تعالى حول الشفاعة. وقبل الدخول في هذا المعتقد وبيان ما عليه أهل السنة والجماعة، نقف على ما يتعلق بلفظ الشفاعة وما معنى الشفاعة. يقول علماء اللغة: الشفاعة ضد الوتر، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿والشفع والوتر﴾. ويذكر بعضهم في معناه اللغوي أن الشفاعة في اللغة هو ضم شيء إلى آخر، لكي يجعله شفعا. ويهمنا في هذا الباب أن ننظر إلى المعنى الاصطلاحي. ومن المراد بالشفاعة في لسان الشرع؟ خلاصة التعريف في هذا الباب: قال العلماء إن الشفاعة هي التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة. المقصود هنا بقول المؤلف رحمه الله تعالى: "والإيمان بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أي أن أهل السنة والجماعة يعتقدون - وهل الإسلام كذلك يؤمنون - بأن نبينا عليه الصلاة والسلام له شفاعة في يوم القيامة. وأحاديث الشفاعة كثيرة وكثيرة جدا، حتى أنها بلغت حد التواتر. وذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، وهكذا القاضي عياض، كما في شرح مسلم، ذكروا أن أحاديث الشفاعة بلغت حد التواتر. هذا بالجملة، لكن في التفصيل يقول العلماء: إن شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام تنوعت واختلفت. وقسم العلماء الشفاعة إلى أقسام عدة وأقسام متنوعة. منها شفاعة تسمى بالشفاعة العظمى أو الشفاعة الكبرى، وذلك عندما يشفع نبينا صلواته ربي وسلامه عليه لأهل الموقف في ماذا؟ للحساب والجزاء. وكذلك من شفاعته عليه الصلاة والسلام شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة. شفاعته لأهل الجنة بأن يدخلوا الجنة. وهكذا أوصلها بعضهم إلى ست، وبعضهم إلى السبع، وبعضهم إلى الثمان. المؤلف رحمه الله تعالى ماذا قال؟ قال: "والإيمان بشفاعة رسول الله للمذنبين الخاطئين في يوم القيامة". المؤلف رحمه الله تعالى اقتصر على شفاعة واحدة، وهي شفاعته عليه الصلاة والسلام للمذنبين، للمذنبين الخاطئين من العصاة. ولماذا المؤلف رحمه الله تعالى اقتصر على هذه الواحدة؟ اقتصر عليها لأن فيها النزاع الذي وقع بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع والضلال. فإن المبتدعة نازعوا في هذا النوع من أنواع الشفاعات، وهو هل يمكن لرسول الله عليه الصلاة والسلام أن يشفع عند الله جل وعلا في أن يخرج أناس من أهل النار؟ فأن يخرج أناس من أهل النار استوجبوا النار واستحقوا النار بمعاصيهم وبذنوبهم. فذهبت جماعة من المبتدعة، كالخوارج والمعتزلة، إلى المنع من ذلك؛ لما يعتقدونه في أن صاحب المعصية إذا مات على معصيته فإنه خالد في النار. فعندهم في الآخرة أن صاحب المعصية حاله كحال المشرك، لا تنفع شفاعة الشافعين. فمهما جاءت الشفاعات فإن صاحب المعصية لا ينتفع بشفاعة أحد. هذا قول المبتدعة. وخالف أهل السنة والجماعة، وأثبتوا أن هذا يمكن ويعقل ويجوز في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يشفع لأهل الذنوب والمعاصي. واستمد العلماء من أهل السنة بأدلة كثيرة، منها ما جاء في مسند الإمام أحمد: قال عليه الصلاة والسلام: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". فشفاعته عليه الصلاة والسلام ادخرها وجعلها للعصاة من أمته. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وما من نبي إلا وله شفاعة، وكذلك الصديقين والشهداء والصالحين". كذلك بيّن المؤلف رحمه الله تعالى أن هذه الشفاعة التي أعطيت لنبينا عليه الصلاة والسلام لم يختص بها، وإنما ربنا جل وعلا عمّم نفعها إلى جميع الأنبياء. ويدل على ذلك أن الشفاعة جعلت لها أولا، كما جاء في صحيح مسلم في الحديث الطويل من حديث أبي سعيد الخدري، قال: فيقول الله جل وعلا: "شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون". وفي ذلك دلالة على أن هؤلاء قد شفعوا في أهل النار. يأتي الصديق فيشفع، ويأتي كذلك المجاهد. وقد جاءت دلالة خاصة تدل على أن المجاهد يشفع لكذا وكذا من أهل بيته. وهكذا الفرط يشفع كذلك لأهل بيته. وهكذا يجعل ربنا جل وعلا لأهل الإيمان وأهل التقى، على حسب مراتبهم، مقام الشفاعة. يشفعون لماذا؟ لمن أرادوا، وذلك برحمة الله عز وجل. ثم قال: "ولله بعد ذلك تفضل كثير في من يشاء، والخروج من النار بعد ما احترقوا وصاروا فحما". كذلك، بعد ما تنتهي شفاعات البشر وشفاعات المخلوقات، يشفع ربنا جل وعلا، كما جاء ذلك في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، قال: لما يقول ربنا: "شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون"، قال: "فلم يبق إلا أرحم الراحمين". فيقبض قبضة من نار، فيخرج منها قوم لم يعملوا خيرا قط. فيشفع ربنا جل وعلا، قبضة فيخرج من جهنم أقوام لم يعملوا خيرا قط. وهذا من رحمته سبحانه وتعالى بهذه الأمة؛ لما استقاموا على دين الله جل وعلا، ولو كانوا من أهل الذنوب، ولو كانوا من أهل المعاصي، المهم أنهم على أصل التوحيد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.