الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 43، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح أهمية الإيمان بأجر المرض والبلاء ورفع درجات العباد وتكفير ذنوبهم. المرض يمكن أن يكون أجرًا بحد ذاته أو يحتاج إلى احتساب الأجر عند الله.
يبين فضل المرض والصبر عليه وتكفير الله لخطايا المسلم. يحذر من الفرح بالعافية الدائمة ويشير إلى أجر الشهيد وضابط الشهادة الحقيقية.
يُنبه على أهمية فهم معنى الشهادة وضبط إطلاقها. يُوضح أن الشهادة لا تعني غفران الذنوب كاملة خاصةً ما يتعلق بحقوق العباد.
يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى- «والإيمان بأن الرجل إذا مرض يأجره الله على مرضه، والشهيد يأجره الله على القتل»، في هاتين المسألتين -إخواني في الله- ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- المسألة الأولى، وهي المتعلقة بأقدار الله جل وعلا وما يقدره على العباد من البلاء، ومن ذلكم الأمراض. فقال «والإيمان بأن الرجل إذا مرض يأجره الله على مرضه»، وهذا من رحمة الله جل وعلا بعباده أن الله يبتلي العباد بما شاء من البلاء، جل في علاه، وذلك إما تكفير لسيئات أو مضاعفة للأجور. وأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة عن هذه القاعدة الربانية في قوله عليه الصلاة والسلام «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وأهله حتى يلقى الله، ما عليه خطيئة»، لا يزال البلاء من مرض، من فقر، من ضنك، من شدة في المؤونة، فينزل ربنا جل وعلا أنواع البلاء على العباد حتى يكفر عنهم من خطاياهم. يقول رب نبينا عليه الصلاة والسلام «لا يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وأهله حتى يلقى الله، ما عليه خطيئة»، أي تتولاك وتتنزل عليك مثل هذه الأقدار المؤلمة من مرض ونحوه، فالغرض من ذلك -عبد الله- أن الله جل وعلا يصفيك من ذنوبك حتى تلقى الرب جل وعلا وليس عليك ذنب وليس عليك خطيئة. قال «والإيمان بأن الرجل إذا مرض يأجره الله على مرضه»، وهنا مسائل تتعلق بالأمراض ونحو ذلك، منها يقول علماء: هل المرض إذا نزل هل هو فقط تكفير للخطايا أم يكون كذلك رفع لدرجات؟ من من قال بهذا؟ ومن من قال بما هو أعم من ذلك؟ بأن الله جل وعلا في الأمراض صحيح أنه يكفر ما مضى، وكذلك يعظم لك الأجر. وهذا الذي ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- في المثل، قال «يأجره الله على مرضه»، أي مع التكفير لما مضى فإن الله يأجرك أجرًا زائدًا على ما عُليت به. وبقي مسألة متعلقة بالأمراض: هل المرض إذا مرض العبد يأجره ربه؟ أم لا بد من الاحتساب؟ لا بد من الاحتساب، أي أنك تحتسب في مرضك وتحتسب في بلواك. ذهب جماعة من العلماء إلى أن الأجر المناط في باب البلاء وفي الأمراض خاصة لا بد له من الاحتساب، إذا ابتليت فاحتسبت الأجر عند الله فإن الله يأجرك، هذا قول من هذا العلم، ذهب إلى أن الأجور المتعلقة بأي بلاء في الأمراض وفي غيرها كما قال نبينا عليه صلى الله عليه وسلم «ما يصيب المؤمن من هم من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه»، حتى الشوكة تشاكها. فقال علماء: إذا كان هناك احتساب للأجر فإن الله يأجرك. وذهب جماعة من أهل العلم قال: لا، بل إن نزول البلاء عليك هو أجر بحل ذاته، نزول البلاء عليك هو أجر، كونك تمرض هذا المرض أجر، هذا المرض أجر، كونك تحتسب هذا أجر آخر، هذا أجر آخر. وينظر من أراده يزيد فيراجع ما ذكره الحافظ في الفتح في هذه المسألة، وذكر أقوال الأدلة وأقوال العلماء، وذكر قول كثير من العلم من ذهب للثاني إلى أن المرض والبلاء فقط إذا نزل، الشوكة فقط تشاكها هذا أجر مباشرة، أي أن هذه الغزة وهذا الوخز الذي أصبت به ما أصابك إلا بتقدير من الله، أن الله أراد أن يأجرك بهذا الوخز، فالوخز أجر. فإن احتسبت الحمد لله، قدر الله ونحو ذلك من الرضا هذا أجر آخر، هذا أجر آخر. وهذا كذلك يدل على سعة رحمة الله بعباده من أهل إيمان، والأدلة -أخواني- فيها كثيرة جدًا تدل على فضل المرض والصبر عليه، كما قال نبينا من ذلك «لأم العلاء أبشري يا أم العلاء، إن مرض المسلم يكفر الله به من خطاياه»، إن الله بمرض المسلم يكفر به من خطاياه. فأنت -يا عبد الله- إذا ابتليت بمرض، بأسقام، بآفات، بعاهات، بأمراض فيك أو في أهلك فلا تتصبر، لا تتصبر، بل تحتسب، تعلم أن من وراء هذه الأمراض الأجور العظيمة. وننبه وننوه كذلك إلى أن المسلم الذي يفرح بما عليه من صحة واستقامة الحال، وأن تمر عليه السنوات والسنوات وما أصيب بمرض، لا يظن هذا مفتاح خير، بل يخشى عليه، لأن الأصل أن المسلم يفتتن في الدنيا، يفتتن في الدنيا، لا يزال بلاء في المؤمن والمؤمنة. لا يبقى البلاء معك، ويؤيد هذا المعنى أن من يرى من نفس العافية في حياته لا يصاب بنكبات ولا بفتن ولا بلاء، أن هذا نذير شؤم، ما جاء في مسند إمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قصة ذاك الرجل الذي سأله نبينا عليه الصلاة والسلام، قال له «أصدعت؟» قال الرجل «وما صداع؟» قال عليه الصلاة والسلام «ريح تضرب عروق الرأس»، فقال «لا ما صدعت»، الرجل ما يعرف الصداع أبدًا. قال «ما صدعت؟» قال له نبينا عليه الصلاة والسلام «أو أصبت بحمى؟» قال الرجل «أما حمى؟» قال عليه الصلاة والسلام «نار أو حرارة أو نقل نار بين الجلد واللحم»، نار بين الجلد واللحم، فقال رجل «لا حتى الحمى ما أصبت بها»، لا يعرف ما صداع ولا يعرف ما حمى، فلما ولّى الرجل، قال عليه الصلاة والسلام «من أحب أو من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا»، وأشار إليه. من سره ومن أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا وأشار إليه، هذا رجل معافى أبدًا دائمًا وأبدًا، لا صداع ولا حمى ولا شيء من الأوجاع، هذا ما يمكن، الأصل أن المسلم معرض للفتن، يبتليه الله جل وعلا بالأمراض، بالأسقام، بالفقر، بالضيق، بشدة في المؤونة، بغيرها من المناقصات، وذلك لتكفير سيئاته ورفع درجاته. أما أنك لا هذا ولا ذاك، فلا تفرح -يا عبد الله-، فلا تفرح -يا عبد الله-. وليس معنى أنك تدعو الله بالبلاء لا، وإنما إن نزل منك البلاء تعلم أن ذلك بتقدير الله جل وعلا، وأن ذلك مما تؤجر عليه -يا عبد الله-. فما نرى من بعض الناس ممن قل صبره فتراه يتصبر ويتذمر من قدر الله جل وعلا، فهذا لم يؤت حظًا من الفقه ومن العلم وبمعرفة بدين الله جل وعلا. ولهذا كان من السلف الصالح من كان إذا نزل عليه البلاء يفرح، كما قال عليه الصلاة والسلام يخبر عن شأن الصالحين ممن كانوا قبلنا «وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء»، الواحد منهم كان يفرح بالبلاء لماذا؟ لعلمه أن الله جل وعلا سيقدر له كل خير في هذا البلاء من تكفير السيئات ومن مضاعفة الأجور، وكذلك من رفع الحسنات. قال المؤلف -رحمه الله تعالى- «والشهيد يأجره الله على القتل»، وهكذا الشهيد يأجره الله جل وعلا على القتل إذا قتل شهيدًا محتسبًا، فإن الله جل وعلا يأجره ويعظم له الأجر والمثوبة، والأدلة في ذلك كثيرة. وضابط الشهيد وهذا الذي يهمنا في هذا الباب كما قال الشافعي -رحمه الله تعالى- «قال الشهيد هو قتيل المعركة في حرب الكفار»، الشهيد هو قتيل المعركة في حرب الكفار، فهذا الذي به تنضبط لفظ الشهادة. وهذه يسميها العلماء بالشهادة الحقيقية، وهناك شهادة حكمية، أي أن شرعًا حكم عليهم بالشهادة لكن في ذلك في الآخرة، أي أن ما لهم أجر الشهادة، لكن أما حكمهم فليس الحكم كالحكم الشهداء كالمبطون والغريق وصاحب الهدم، فهو لا، وإن سموا شهداء، لكن ماذا؟ شهادة الحكمية، أي أن أجرهم كأجر الشهيد، لكن التعامل معهم ليس كباقي الناس. ولهذا أجمع العلماء على أن المبطون والحريق وصاحب الهدم هؤلاء إذا ماتوا وقتلوا على هذه القتلة فإنهم يغسلون إجماعًا، فإنهم يغسلون إجماعًا، أما شهيد المعركة فهذا لا يغسل كما جاءت في ذلك الأحاديث والسنن. وبهذا نعلم -أخواني في الله- أن الخطأ الذي عليه الكثير من الناس في هذه الأزمان من توزيع وتقسيم لفظ الشهادة لكل من هب ودب. بعض الناس إذا مات ميت أو قتل قتيل في أي قضية أو في أي مسألة، سرعان ما سطروه ونحتوا على قبره لفظ الشهادة «الشهيد فلان بن فلان»، وإن أردت أن تعرف من أين جاءت لفظ الشهادة؟ لا ما دريت من أين جاءت؟ هل هو قتل في سبيل الله؟ لو ربما كان مقتله ليس في شهادة ولا في سبيل الله أصلًا، وإنما قضية شخصية، وإنما هي نزعات طائفية أو انتماءات حزبية ونحو ذلك. فإذا بلفظ الشهادة جاهز مجهز يعطى لذاك ويعطى لذاك على أسس طائفية وانتمائية، وهذا -أخواني- من الخلل ومن التلاعب بشرع الله جل وعلا، فإن لفظ الشهادة لا يعطى إلا لأهلها. ولهذا بواب العلماء كالبخاري قال «باب لا يقال فلان شهيد»، وذكر في ذلك أثر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه نهى عن استعجال بإطلاق لفظ الشهادة لكل أحد «فالله أعلم بمن يقتل في سبيله»، فالله أعلم بمن يقتل في سبيله. وكذلك -أخواني في الله- مع فضل الشهادة على أن شهادة أمرها عظيم، إلا أن هناك عراقيل قد تمنعك -يا عبد الله- من أنك تتنعم بأجر الشهادة، من ذلك ما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام «إن شهيدًا يكفر الله جل وعلا كل خطاياه إلا الدين»، إلا الدين، وهذا التنبيه العظيم -إخواني في الله- إذا كان الشهيد مع أنه قد بذل نفسه وروحه في سبيل الله جل وعلا، ومع ذلك يصل إلى مرحلة ماذا؟ قد لا يغفر الطرف عنه في أمر الدين، وما يسمى بحقوق الناس. مع أن الدين يموت الشهيد عليه ديون، فهذه ديون تعتبر منغصات في حق هذا الشهيد بأنه ماذا؟ لا بد أن يستوفي الدين، وهذا قد نحبه، لكن إذا كنت -يا عظم الأحياء- فلا بد. وبهذا قد نعلم عظم حقوق العباد بعضهم على بعض، بل ما هو أصرح من ذلك في قصة ذاك الرجل الذي قتل في سبيل الله في زمن نبينا، قال عليه الصلاة والسلام عندما امتنع عن الصلاة عنه «إن الغلة أل إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه في قبره»، شملة أخذها من غير وجه حق، شملة لا تساوي شيئًا. ومع ذلك هي حق من حقوق العباد، ومع ذلك كان من أمر هذا الرجل قد قتل في سبيل الله، ومع ذلك ماذا؟ لم يتسامح في هذا الحق. بهذا -أخواني- نعلم عظم حقوق العباد في أموالهم، في أعراضهم، وفي أنفسهم، فلا يتغر أنك -يا عبد الله- تلكم الأسماء الشهداء أو كذا، وهم قد ماذا؟ انغمصوا انغمصوا إلى آذانهم في دماء المسلمين أو في أموال المسلمين أو في أعراض المسلمين. فإخواني، فلا ينبغي للمسلم أن يتنبه لذلك. وبعض الناس يتذرع يتذرع بأن يسبق دماء الكفار ويحشر معهم بعض المسلمين يفجر في مجمع من مجامع الناس وفيهم كفار على حد زعمه، هاتنزيلًا معه على حد زعمه، وفيهم من أهل الأخيار ومن أهل الصلاح، فإذا يقول «يا أخي عبد الله فقتلت هؤلاء وهؤلاء»، قال «يبعثون على نياتهم»، لا -يا عبد الله-، بل هذه الدماء والأرواح سوفكت وأنت تعلم أنهم برآء وليس عليهم شيء وليس منهم شيء. فإن هؤلاء يأتونك يوم القيامة، يأتونك يوم القيامة إذا كان دين وإذا كانت شملة ماذا؟ عذب صاحبه قد مات في سبيل الله، فكيف بأرواح الناس -عبد الله- الأبرياء؟ فإن ماذا؟ ستلاحقك حتى ماذا؟ يستوفون حقهم منك. هذا -أخواني- مسألة سريعة متعلقة بأمر الشهادة أحببنا أن ننبه عليها. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.