شرح كتاب التوحيد 174

شرح كتاب التوحيد 174

الدرس في شرح كتاب التوحيد 174، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية مقام المحبة وتفسير ابن عباس

ختم المؤلف كتابه بالإشارة إلى أهمية مقام المحبة لله وتفسير ابن عباس لآية يوم القيامة، حيث فسر الأسباب بالمودة. الآية تتحدث عن تبرؤ المتبوعين من الأتباع يوم القيامة.

حشر الكفار والصالحين يوم القيامة

يوم القيامة يحشر الكفار مع آلهتهم إلى النار، بينما يجتمع الصالحون مع أنبيائهم، والشفاعة بيد الله وحده. هذا يبين خطورة الشرك وأهمية الإخلاص لله.

خطورة الصحبة السيئة وفضل الصحبة الصالحة

يتناول المقطع خطورة الصحبة السيئة التي تقوم على الشرك وتتحول إلى عداوة يوم القيامة، بينما تبقى الصحبة الصالحة التي تقوم على تقوى الله ومحبته. الله يجعل للمؤمنين مودة في قلوب الناس.

خاتمة حول أهمية المحبة في الله

يختم المؤلف كتابه بالتأكيد على أهمية المحبة في الله كجزء من الإيمان الكامل، مستشهدا بحديث النبي عليه الصلاة والسلام. يدعو المؤلف الله أن ينفع القراء بما جاء في الكتاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى- قال ابن عباس: «وتقطعت بهم الأسباب»، قال: المودة. ختم المؤلف -رحمه الله تعالى- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- هذا الباب، والذي عقده في تتبعه للأدلة الدالة على عظيم مقام المحبة لله جل في علاه. وأشرنا إلى أن هذا المقام من المقامات الواجبة التي ينبغي أن يتخلق بها كل مسلم ومسلمة في إقباله وإخباته لربه جل وعلا، أن يجعل لله ولرسوله المحبة العظمى التي ما هناك محبة توازيها ولا تدانيها. ختم المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الباب بهذا الأثر عن ابن عباس، قال ابن عباس: «وتقطعت بهم الأسباب»، قال: المودة. وقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ وذلك في قول الله جل وعلا: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾، ما المقصود بالأسباب هنا؟ قال ابن عباس: المودة، والمودة من مقامات المحبة، بل هي من أعظم مقامات المحبة، يقال عنها المودة. وهذا الأثر رواه جرير والحاكم، وفيه عيسى بن أبي عيسى، وهو متكلم فيه، متكلم فيه، فهذا الإسناد من حيث السند ضعيف، لكن المعنى صحيح. إذ أن هذه الآية تتحدث عن موقف من مواقف القيامة، وما سيكون يوم القيامة، أن الله جل وعلا يبعث جميع الخلائق، كل من عليها يبعثه ربنا جل وعلا. ومن أولئك من يبعثه الله العبادات التي عبدت مع معبودها، العبادات التي عبدت مع معبودها. يأتي الأتباع، وهم قد عقدوا الآمال الكثيرة في أصنامهم وأندادهم التي اتخذوها من دون الله، هكذا ظنهم في هذه الحياة الدنيا. ذاك الذي يعبد الشجر، ذاك الذي يعبد الحجر، ذاك الذي يعبد الصنم، ذاك الذي يعبد الوثن، ذاك الذي يعبد القبر، قد عقدوا آمالا في هذه المعبودات، وأنها ستنفعهم، ومنها الشفاعة، ومنها الولاية، ومنها النصرة. فيتفاجأون يوم القيامة بأن الله عز وجل أخبر بأن هؤلاء المتبوعين الرؤساء الكبراء هم بأنفسهم سيتبرؤون منكم. ما كان من علاقة المحبة والإخاء والمودة والصفاء، كل ذلك سيزول. فقال جل في علاه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهم الرؤساء والكبراء، تبرأوا ممن؟ تبرأوا من الذين اتبعوا، من الأتباع، من الذين كانوا يصفقون ويحشدون ويأتون من كل حدب وصوب لهذه المعبودات. فتكون المفاجأة العظيمة التي ما خطرت على بالهم أن هؤلاء يتبرؤون منهم يوم القيامة، ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾، ما كان من الإجلال والمحبة والإعظام، هذا الذي قد صار يذهب هباء منثورا، كأن لم يكن. بل تنقلب عليهم هذه المعبودات أن تتبرأ منهم وتشهد عليهم يوم القيامة. وحينها يكون مصير هؤلاء وهؤلاء إلى النار، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، احشروا الذين ظلموا وأزواجهم، قال علماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي نظراءهم، أي نظراءهم، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، كل من عبد شيئا سيجتمع مع صاحبه. فمن كان يعبد هذا الصنم، فكل من عبد سيحشره الله مع بعض. وهذه من مواقف القيامة التي ستكون أن الله عز وجل سيجمع النظراء ويجمع الأشباه والأمثال، كلٌ على حدة، كلٌ على حدة. كما أن الأخيار يجتمعون، كل نبي له راية وله لواء، هذا راية عيسى يجتمع أتباعه، هذه راية موسى يجتمع أتباعه، كل من كان صالحا سيسير خلف نبيه. وهكذا قل من كان من عداد الكفار، من كانت بينهم علاقة ود بمعبود ما، فإنهم سيجتمعون تحت رايته. فمن عبد ذلكم الصنم اجتمعوا حوله، ومن عبد مثلاً الصنم بوذا يؤتى به يوم القيامة ويجتمع عباده من كل مكان، فيجتمعون تحت رايته، وهكذا قس جميع الأصنام والأوثان والأنداد، ستحشر يوم القيامة مع أشباههم وأتباعهم. ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، ثم ماذا؟ ثم بعد ذلك إلى النار وبئس القرار. تذهب هذه الأرايات التي كانت معقودة في الدنيا، كحال كثير من الناس للأسف ممن تعلق قلبه بغير الله، ممن تعلق قلبه بالأولياء أكثر من تعلقه بربه، ويرى أن هذا الولي وذاك الولي هو الذي سيشفع له عند الله. حتى أن منهم من يجزم بهذا ويقول: سيدي هذا شفيعي، يضمن ويجزم، وأصبح كل فرقة ضالة ترى أن سيدها وقائد هذه الجماعة وهذه الفرقة وهذه الطريقة من الطرق أن من دخل وخاض في هذه الجماعة وانتظم في سلكها، فإنه يدخل في شفاعة هذا الولي. وهكذا أصبح كل هؤلاء الرؤساء ينادون من كل حدب وصوب: أي هلموا إلى فرقتنا، هلموا إلى طريقتنا، فصاحبنا شفيع، من خاض في هذه الفرقة لن يخاف من الخسران يوم القيامة. هذا باطل، قل لله الشفاعة جميعا، الشفاعة بيد الله، يعطيها لمن شاء من خلقه، لا أنت تقسمها وتجزم لفلان وفلان بالشفاعة. فهذه الشفاعة تكون في الدنيا لها أثر، أن أصحابها لربما يتقربون لهؤلاء الأولياء والسادات يتقربون إليهم بالإعظام والمحبة والعبادات والطاعات. لكن تكون المصيبة يوم القيامة أن هذا الذي ادعى أن له شفاعة يقول: يا قوم ما عندي شفاعة، ما أعطاني الله الشفاعة، ما مكنني الله من الشفاعة. ماذا سيكون حالك يا عبد الله وأنت تسقط في يدك وأنت ما قربت شيئا لله، وإنما قرابينك لغير الله، ذبحك، دعاءك، استغاثتك، استنجادك، استمدادك لغير الله طمعا في الشفاعة كما تزعم. فما ظنك إذا قال لك هذا الولي الذي تعلقت به: قل لا أعطاني الله الشفاعة، وأني لي الشفاعة؟ الله يقسمها لمن شاء، ولم تكن من نصيبك. فماذا ستفعل يا عبد الله؟ فلهذا نعلم إخواني في الله أن ما لله يبقى، وما لغير الله يبيد ويفنى. فلهذا إن كان من محبة، إن كان من إعظام، إن كان من مودة، اجعلها لله ولدين الله والتقرب إلى الله، هذه ستنفعك، هذه ستنفعك. أما المحبة والمودة إذا كانت قائمة لغير الله، فإنها ستضر أصحابها. ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ﴾، الأخلاء، خلة، نوع من أنواع المحبة، الأصحاب والزملاء والأصدقاء، الأخلاء، ماذا حالهم يوم القيامة؟ ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، تنقلب هذه المودة إلى ماذا؟ إلى عداوة. هذه الخلة والمحبة لما كانت على الكفر، لما كانت على الشرك، لما كانت على محاربة دين الله جل وعلا، لربما هم في هذه الدنيا كقلب رجل واحد، يتحالفون، يتقاربون، يجتمعون، يقررون، كأنهم على هيئة قلبي رجل واحد، بينهم من الصحبة والخلة والتكاتف للأهواء ما الله به عليم. لكن هذه الخلة ستنقلب يوم القيامة عداوة، عداوة، إلا من قال الله: ﴿إِلا الْمُتَّقِينَ﴾، من كان تقيا في دنيا، اتقى المعاصي، اتقى الشرك، وإنما أخلص الناس وصاحب الناس وواد الناس على الله ودين الله، فهذا الذي ستنفعهم الخلة يوم القيامة، ينتفع العبد بصداقاتك وزمالاتك إن كانت قائمة لله. قال الله كما في الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتحابين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في»، كل ما كان لله يبقى، افهمها يا عبد الله، كل ما كان لله يبقى، ولو كانت علاقة، ولو كانت علاقة بينك وبين غيرك، إذا أقمت على تعظيم الله وعلى محبة الله والود لله، فهذه تبقى، تنتفع بها يا عبد الله. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾، المودة جاء في تفسير ابن عباس على أن معنى ودا أن الله جل وعلا يحبهم ويحببهم إلى خلقه، هذه الكفاءة ستجدها في الدنيا قبل الآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾، كما قلنا ودا من المودة، سيجعل الله لهم محبة، محبة من أين؟ أن الله يحبهم فقط لا، وكذلك يحبب لهم خلقه، تنال يا عبد الله بمحبتك لله وتعظيمك لآلاء الله إلا أن تنال محبتين، محبة الله لك، ومحبة الخلق إليك، ومحبة الخلق ستجدها مما يكونه الناس لك من الإجلال والإحترام والإعظام. وقد ثبت في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء وفي أهل السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبه، فيحبه أهل السماوات»، قال عليه الصلاة والسلام: «ثم يوضع له القبول في الأرض»، يوضع له القبول، يوضع له المحبة والإذعان والإحترام والإجلال. والعكس بالعكس، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الله إذا أبغض فلانا نادى جبريل فقال له: إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم يوضع له المقت في الأرض»، يكره ما يحب الناس، يكرهون حتى بين أصحابه وأصدقائه وزمالائه، له الكره والسخط. فاعلم هذا يا عبد الله، أن من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه جل وعلا مقام المحبة، تحب الله سبحانه وتعالى، التعظيم اللائق بجلاله، فلا تقدم عليه شيئا، لا نفسك الأمارة بالسوء، ولا شهواتك، ولا نزواتك، لا والد، ولا ولد. وأيضا من محبتك لله أن تحب كل ما يحبه الله، فتجعل حركاتك وسكناتك ورغباتك لله ومحبة في الله. فكما مر معنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان»، فالشاهد أن هذا الأثر ختم به المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا المقام العظيم من مقامات الدين، قال: وهي المحبة لرب العالمين. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.