شرح الجوهرة الفريدة 51

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 51، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في الجبرية وفرقها

تناول المقطع الأول الجبرية وفرقها، موضحاً أنهم ينقسمون إلى جبرية غلاة وجبرية متوسطة، مع توضيح اعتقاداتهم. تم الرد على هذه الاعتقادات بالكتاب والسنة والإجماع والحس.

نقد مذهب الجبرية وتناقضاتهم

ناقش المقطع الثاني بطلان مذهب الجبرية وتناقضهم، مؤكداً أن العبد مختار وليس مجبوراً، وقدم أمثلة على تناقضاتهم في أقوالهم وأفعالهم.

الرد على القدرية المعتزلة ومذهبهم

بين المقطع الثالث بطلان مذهب القدرية المعتزلة الذي يرى استقلال العبد في مشيئته، مستنداً إلى النصوص الشرعية والعقلية، وأوضح أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.

ختام الدرس والجمع بين الآراء

اختتم الدرس في المقطع الأخير بالإشارة إلى أن الجمع بين الآراء المختلفة هو الصواب، وختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. ومن بعده، كان آخر الكلام في الدرس الماضي في ذكر من ضل في مرتبتي المشيئة والخلق من مراتب القدر، وهما الجبرية والقدرية المعتزلة. الجبرية هم على نوعين: جبرية غلاة، وجبرية متوسطة غير غلاة. فالجبرية الغلاة هم الجهمية، أتباع جهم بن صفوان، حيث قالوا إن العبد مجبور على فعله، لا مشيئة له ولا اختيار، وإنما هو مجبور كالريشة في مهب الريح. كما أن الريشة تتحرك تحركها الريح لا اختيار لها ولا مشيئة في حركتها، فكذلك العباد مجبورون على أفعالهم. ويرد عليهم بالنصوص في كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، التي فيها بيان أن الله جل وعلا جعل للعباد مشيئة واختيار، ما جعلهم مجبورين. حاشا وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أن يجبر عباده على فعل المعصية ثم يعاقبهم عليها. المجبور على فعل المعصية معذور كالمكره. ولذلك جاءت النصوص في كتابه والسنة لأن المكره إذا فعل أفعالا أكره عليها لا إثم عليه ولا يعاقب. لماذا؟ لأنه لم يفعل ذلك باختياره. فكيف يقول العبد مجبور على فعل المعاصي؟ إذا كان مجبورا على فعل المعاصي لا يعاقب، يكون كالمكره. والله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. هنا أثبت للعباد مشيئة واختيارا يختارون. فأنت يا عبد الله لم يجبرك الله جل وعلا لا على فعل الطاعة ولا على فعل المعصية، وإنما جعل لك الاختيار وجعل لك المشيئة. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. أنت تختار، عندك الاختيار وعندك المشيئة. وهذا يحسه كل أحد، إذا فعل الطاعة يعلم أنه لم يجبر عليها. لم يجبره أحد على فعل الطاعة، لا على فعل الصلاة ولا على فعل الصدقات ولا على فعل الصيام ولا على فعل غيرها من الطاعات. وهكذا كذلك إذا فعل المعصية والعياذ بالله، يعلم ويحس أنه لم يجبره على فعله أحد، وإنما فعلها بمحض اختياره. فقول الجهمية "العبد مجبور على أفعاله" هذا قول باطل، ترده أدلة الكتاب والسنة والإجماع، بل والحس. لأن هذا يحس به ويشعر به حين يفعل العبد الفعل، يعلم أنه فعله باختياره. فرق بين الفعل الذي يفعله مجبورا والفعل الذي يفعله باختيار. ما هو الفعل الذي يفعله مجبورا؟ إذا أكرهه أحد: افعل هذا وإلا قتلتك. نعم، أو يجره جرا لفعل المنكر أو المعصية، هذا هو مجبور عليه، جبره ذلك الشخص. لكن إذا فعل المعصية ولم يجبر، يشعر أنه فعلها باختياره، ما أجبر وما أكره. وإلا لو أكره فلا شيء عليه، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾. فهذا المؤاخذ، وهذا الذي يعاقب. والجبرية المتوسطة هم الأشاعرة، حيث قالوا: العبد في ظاهره مختار، في باطنه مجبور. مختار في الظاهر، مجبور في الباطن. وهذا لا وجود له في الواقع، وإنما هو في أذهان من اعتقد ذلك. لأن الإنسان ربما يظن أشياء وأنها صحيحة، والحقيقة لا وجود لها في الواقع. لا يمكن أن يكون شيء واقع على هذا الوصف في الواقع، في الذهن ممكن لكن في الواقع أبدا ما يمكن. يكون الشيء في الواقع مختار مجبور لا، فإما مجبور وإما مختار. هم أرادوا أن يفروا من عقيدة الجبرية الغلاة، لكن قالوا بقول آخر باطل، ترده كذلك نصوص الكتاب والسنة. لأنه إذا كان مجبورا أيضا مجبورا في الباطل، فهو مكره والمكره لا شيء عليه. فكيف يعاقب؟ والله جل وعلا توعده إذا فعل المعاصي. فإذا فعل المعاصي وهو مجبور، هذا باطل، ترده نصوص الكتاب والسنة، وهو شيء ينزه الرب جل وعلا عنه سبحانه وتعالى. فلذلك أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى اخترع لفظ الكسب. والكسب عند الأشاعرة أنهم يقولون: العبد ينسب إليه العمل كسبا، يعني إذا باشر العمل هو، فالظاهر مختار عمل العمل، ولكنه في الباطل مجبور. فإذا قيل لهم: كيف ينسب إليه العمل إذن؟ وقيل: فلان صلى، وقيل: فلان صام، وقيل: فلان سرق، وقيل: فلان قتل. قالوا: نسب إليه العمل كسبا. فما هو الكسب؟ ماذا تفسرون الكسب؟ يختلف في تفسير الكسب على إثني عشر قولا. وهذا يدل على تناقضهم، ما استطيعون أن يفسر هذا الكسب تفسيرا يتفقون عليه. وهذا يدل على بطلانه، لأنه لا يمكن أن يفسر بتفسير صحيح، لأنه لا وجود له في الواقع وإنما هو في الأذهان، وهذا من المحال. ويمثلون بالسكين إذا قطعت الخبز، فيقولون: قطعت السكين الخبزة، فنسب القطع إلى السكين، مع أن السكين إنما قطعت لإمرارها لما أمرت على الخبز قطعت. ويجعل العبد هكذا، إذا فعل الطاعة وإذا فعل المعصية، ظاهر أنه هو الذي فعل، ولكن في الحقيقة أنه دفع إلى ذلك وفعل ذلك الطاعة هو المعصية. ولذلك نسب إليه العمل كما نسب إلى السكين القطع. قال: أنه إذا باشر العمل من طاعة أو معصية اكتسب ذلك الفعل. وهذا لا دليل عليه لا في الشرع ولا في العقل ولا في الحس، بل هو من المحالات. ولذلك قالوا: مما يقال ولا مقولة تدن تحته معقولة لذي الأفهام. الكسب عند الأشعر، والحال عند البهشم، وطفرة النظام، هذه أشياء ثلاثة اخترعها أصحابها في أدهانهم، لا وجود لها في الواقع. الشاهد أن مذهب الجبرية باطل، سواء كان الغلاة وهم الجهمية أو التوسط وهم الأشاعرة، لأن النصوص دلت على أن العبد مختار غير مجبور، وإنما يفعل الطاعة والمعصية باختياره. قد ذكر الشيخ الإسلام رحمه تعالى وشار في التائية القدرية إلى شيء من ذلك، وبيّن العلامة السعدي رحمه الله تعالى في شرحه على التائية، وذكر أمثالا تدل على فساد مذهب الجبرية وأنهم يتناقضون. فذكر من ذلك من تلك الأمثلة ذكر رجلا كان قد غلا في الجبر غلوا عظيما، وكان يفعل المعاصي ويقع في المحرمات، فيقال له: اتق الله، اترك الذنوب والمعاصي، اترك الفواحش، اترك المنكرات. قال: أنا مجبور، أنا مجبور على فعل هذه الأمور. وكان هذا ينصحه وهو لا يلتفت إلى نصحه ولا يهتم بما يقول. فكان يستغل ذلك الناصح الفرصة التي تأتي على هذا الرجل حتى يعلم أنه غير صادق فيما يقول، بل فطرته تأبى ذلك. فذات يوم أخذ هذا الناصح وقد وله هذا الجبري شخصا في ماله، كانت له تجارة، كان تاجرا، هذا الجبري عنده غنم عنده إبل وعنده أولاد كذلك. فوكل شخصا في هذه التجارة إلى أن يسافر بها، فذهب ذلك بالتجارة. فمر بطريق مخوف، يعني فيه قطاع طرق، مع أن هناك موجودة طرق أخرى آمنة، لكن هذا سلك طريقا مخوفة فأخذت. فجاء هذا الرجل إلى هذا الجبري فقال له: أين التجارة؟ قال: التجارة هلكت، أخذت كلها. قالوا: لماذا أخذت؟ قال: مررت بطريق مخوفة فيها قطاع طرق. قال: كيف مررت هذه الطريق وأنت تعلم أن فيها قطاع طرق؟ عندك طرق أخرى آمنة، طريق الشرقي والطريق الغربي والطريق... ما مررت إلا هذه الطريق، عدمت الطرق. قال: مجبور. فوقف عند نفسه، تذكر نفسه. طيب، وذهب أخذ أولاد هذا الجبري وجاء عنده بئر، قال لهم: اخرجوا، اغتسلوا في هذه البئر، وهم لا يجدون السلاح، فاغتسلوا وماتوا جميعا. جاء إلى الرجل إلى الجبري: أين الأولاد؟ قال: الله، دخلت جئت بهم إلى بئر فاغتسلوا وماتوا. قال: كيف تجعلهم يخرجون ينزلون هذه البئر وهم لا يجدون السلاح؟ قال: مجبور. فازداد همه وغمه. جاء المرة الثالثة، ذهب بالإبل والبقر والغنم، رعاها في أرض مجدبة ليست بخصبة، فاستمر على هذا إلى أن هلكت الإبل والبقر والغنم. جاء إلى الجبري: أين الإبل؟ أين البقر؟ أين الغنم؟ قال له: هلكت. قال: كيف هلكت؟ قال: رعيتها في أرض مجدبة. قال: لماذا رعيتها في هذه الأرض وأنت هناك عندك أراضي خصبة؟ قال: مجبور. وذلك الناصح كان يراقب مثل هذه الأشياء التي حصلت لهذا. فلما جاء وقال: عجبا لك يا فلان، كنا ننصحك اتقي الله، اترك المعاصي، اترك الفواحش، اترك المنكرات، تتقل المجبور مجبور. الآن هلكت تجارتك، ولما قيل لك مجبور لم ترضى بذلك، وإنما كما قال جل وعلا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. تكبر على أنك تحملت ذلك، ولا في قرارة نفسك وفطرتك لم ترضى. لأن ذلك كان عن تفريط. وهكذا لما جاء المرة الثانية ازددت همّا وغمّا، والثالثة ازددت همّا وهمّا وغمّا وغمّا وغمّا. قال: لقد فقت مما أنا عليه، فقت مما أنا عليه. حتى أنه قال: ذهاب هذه الأشياء سهل علي، يعني ذهاب الأولاد وذهاب التجارة، هذا سهل علي مقابل أنني عرفت الحق. كل هذا يهون في مقابل أنني عرفت الحق وأن هذا باطل، يعني القول بالجبر. فهذا شيء تأباه الفطرة. ولذلك قال بعض العلم: إذا قال الشخص لك مجبور، أنا مجبور يا فعل معاصي، ألطمه، أعطيه لطمة. لماذا لطمتني؟ قل له: مجبور. قال: صيح، ما عليك شيء، ما دمت مجبورا. إن شاء الله ما عليك شيء. أعطه الثانية: ما لك؟ قال له: مجبور. وقتنا، عطه الثالثة، في الرابعة، أعطيه لطمة. تلعب عليه، أنت أقول له: كيف أقول له مجبور؟ تحمل إذن اللطم إذا أنا مجبور. نعم، فهذا شيء مرفوض، مرفوض كما هو مرفوض شرعا، مرفوض حسا وعقلا، فطرة. ولذلك ذكروا أن عمر لما جئ إليه بسارق قد سرق، فأراد أن يقطع يده، فقال السارق لعمر: يا أمير المؤمنين، أنت عادل، كيف تقطع يدي وأنا إنما سرقت بقدر الله، مجبور علي. فقال له: نقطع يدك بقدر الله. تسرقت بقدر الله، ونقطع يدك بقدر الله. كله بقدر الله جل وعلا، إذن ما في حجة لك. فإذن هذا المذهب مذهب باطل، واضح البطلان، كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع، دل عليه دليل العقل ودليل الحس ودليل الفطرة، كلها دالة على أن العبد حين يفعل الطاعة أو يفعل المعصية فهو مختار، لم يجبره على ذلك أحد. بل إذا فعل شيئا مجبورا فإنه معذور، وأكره على ذلك فإنه معذور. الله جل وعلا استثنى المجبورين والمكرهين وعذرهم. وما معنى هذا؟ معنى هذا أنه إذا فعل من غير إكراه ومن غير إجبار، معنى فعله باختياره. لو فعله بغير إرادته وبغير اختياره، وإنما فعله مجبورا ومكرها، لا شيء عليه في ذلك. وأما القدرية المعتزلة، فهم قالوا: العبد مختار، خالفوا الجبرية، وقال: العبد له مشيئة وله اختيار، يفعل بإرادة ومشيئة واختيار. ولكنه مستقل في مشيئته، مستقل بمشيئته، مشيئته غير تابعة لمشيئة الله. وهذا باطل، لأن النصوص دلت على أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فمشيئة العباد تابعة لمشيئة الله. لماذا؟ لأن العباد إذا فعلوا الطاعات لابد لهم من إعانة على فعلهم، إعانة خاصة، إعانة خاصة وتوفيق، لابد من التوفيق من الله جل وعلا. والله جل وعلا إعانته الخاصة لمن شاء من عباده، لأن ذلك فضل منه جل وعلا أن يعين من شاء. فالحجة قائمة على من عنده استطاعة على الفعل نعم أو الترك، لكن الإعانة هذا أمر زائد يختص الله جل وعلا به من شاء. الآن مثلا من الناس من عنده مال وعنده استطاعة بدنية مثلا على الذهاب للحج والإتيان بهذا الركن لمن استطاع إليه سبيلا، إذن عنده استطاعة، عنده المال، عنده استطاعة بدنية، وطريق آمن، إذن إذا لم يذهب مع وجود هذه الاستطاعة فإنه آثم. لكن هو يحتاج إلى عانة خاصة وتوفيق، لأن هناك النفس الأمارة بالسوء، تثبطه، هناك شياطين الإنس والجن مخذلونه، فهو يحتاج إلى عانة يتغلب بها على هذه المثبطات. هذا العون توفيق من الرب جل وعلا. ويفسر أهل السنة بالاستطاعة مع الفعل، فالاستطاعة على نوعين: استطاعة قبل الفعل، وبها تقوم الحجة، ويترتب عليها الثواب أو العقاب، واستطاعة مع الفعل، وهذا هو التوفيق والإعانة، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. فمن أعانه جل وعلا فذلك فضله، ومن منعه فذلك عدله سبعة توكلون على الله، كيف يتوكلون على الله؟ وهم قد ضلوا حيث نفوا أن يكون فعل العبد بعون من الله جل وعلا، وأن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله جل وعلا. فأهل السنة والجماعة يمشون مع النصوص، وعلى فهم السلف الصالح، بتريث وبدقة، من غير تخبط. ولذلك الواجب التأمل في نصوص الكتاب والسنة، وفهم السلف، فيصل الإنسان بإذن الله إلى الحق في هذا الباب. وهنا يحتاج المقام إلى ذكر ضلال هؤلاء أيضا، وهم قدرية معتزلة، وسبب قولهم: مشيئة العبد مستقلة، وأن العبد يخلق فعل نفسه، وعدم جمعهم بين كون فعل العبد مخلوقا وأنه له مشيئة، ضلوا وأضلوا. ونذكر جمع السلف بين هذا وهذا، وهو الصواب الحق إن شاء الله في درسنا اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.