شرح السنة للإمام البربهاري 61

شرح السنة للإمام البربهاري 61

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 61، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

بدعة الجهمية وتأثيرها على الأمة

يتناول المقطع بدعة الجهمية وردود أهل العلم عليها وتأثيرها السلبي على الأمة في زمن بني العباس. كما يبرز دور أهل السنة في الدفاع عن الدين.

خطورة الرويبضة وإفسادهم للمجتمع

يتحدث المقطع عن خطورة الرويبضة وأثرهم في إفساد المجتمع وتسببهم في الفتن والضلال، ويشير إلى علامات الساعة بتوليهم زمام الأمور. يذكر أمثلة على الرويبضة مثل أحمد بن أبي دؤاد.

أهمية الاعتصام بالكتاب والسنة

يؤكد الشيخ على أهمية الاعتصام بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح للنجاة من الفتن، ويحذر من الابتداع والتحريف الذي يؤدي إلى التفرق والضلال. يبين أن اتباع منهج الصحابة هو سبيل الهداية.

التقليد واتباع الصحابة وتوضيح المفهوم

يناقش المقطع مسألة التقليد واتباع الصحابة، ويوضح أن اتباعهم ليس تقليدًا، ويشير إلى أهمية فهم هذه المسألة كما نبه عليها ابن القيم في كتابه.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية، حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل والذي لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون، فهلكت الأمة من وجوه، وكفرت من وجوه، وتزندقت من وجوه، وضلت من وجوه، وتفرقت وابتدعت من وجوه، إلا من ثبت على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحدًا منهم، ولم يجاوز أمرهم، ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح، فقلدهم دينه واستراح. وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. في هذه الفقرة، إخواني في الله، تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى ما يتعلق بما مضى من حال الأمة في فتراتها. وهنا، وإن لم يصرح، لكن في بعض النسخ صرح أن ذلك متعلق بزمن بني العباس. فقال رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية. والجهمية هم أتباع جهم بن صفوان. وأهل العلم، كما قال مؤلفنا رحمه الله تعالى، من أهل السنة، هم الذين برزوا للرد على هؤلاء. يقول صاحب كتاب الوافي بالوفيات: وكان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم من أشد الناس ردا على جهم وبدعته. وهذا مؤيد لمقال المؤلف، قال: أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية. وهذا فيه بيان على دور أهل السنة والجماعة في الدفاع عن حياض السنة، فلا أحد مثلهم، ولا أحد يدانيهم في هذا الباب. ورحمة الله تعالى على من مضى منهم، وحفظ الله من بقي منهم. فأهل السنة والجماعة هم الذين حملوا راية الحماية والدفاع والذب عن دين الله جل وعلا، بخلاف غيرهم من الفرق الضالة والهالكة التي لا تفكر إلا في منهجها وفي بدعتها، وأما دين الله جل وعلا فلا تفكر في الذب عنه. وجهم بن صفوان قد أتى ببلعة غليظة وقبيحة وشنيعة، من ذلكم أنه قال بخلق القرآن، وقال كذلك بنفي الأسماء والصفات، بل جمع من كل ملة ومن كل دين أرداها. ولهذا اشتد النكير من علمائنا رحمه الله تعالى في الرد على جهم وعلى بدعته وعلى أصحابه ومن تبعوه على فكره. فقال مؤلفنا رحمه الله تعالى: حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة. وهنا قال: خلافة بني فلان، وفي بعض النسخ صرح: خلافة بني العباس. في خلافة بني العباس، وهذا قد مضى، لو تذكرون، في فقرة قبل هذا، تكلمنا حول ما يتعلق بالحقبة الزمنية، وأن القرون الثلاثة المفضلة في عهد الصحابة وفي عهد التابعين وأتباع التابعين كانوا على خير حال، وكانت السنة هي المهيمنة على الرقاب العباد، مع ظهور بعض المخالفات وظهور بعض الفرق، لكن تبقى السلطة بيد السنة. حتى جاءت هذه الحقبة الزمنية في زمن بني العباس. وأشار إلى أمر وهو: عندما تكلم عن الفترة الزمنية الذي وقعت في خلافة بني العباس، لا يظن الظان أن الخلافة العباسية كانت على شر لا، ما نقول بهذا، بل كانت على خير، الخلافة العباسية كانت على خير وعلى أحسن حال. ويكفيك أن تعرف أن لها سنوات طوال استمرت هذه الخلافة على رقاب المسلمين، فهي تقريبًا الخلافة العباسية من 130 هجريًا إلى 650 للهجرة، هذه كلها خلافة عباسية، كانت زمام الأمور تحت أكثر من 30 خليفة، من 30 خليفة حكموا رقاب الناس، وصلت الخلافة العباسية على يد المغول، وكان من أمرائهم من كان قائمًا بأمر الله جل وعلا، ومن أحيا السنة كأمثال هارون الرشيد رحمه الله تعالى، وجماعة من الخلفاء العباسيين كانوا على أحسن حال. لكن قال العلماء: إن التغير الذي وقع في زمان العباس بعد المائتين، قلنا: هي بداية الخلافة العباسية من 130 للهجرة، أبو العباس أول خليفة عباسي 130 للهجرة تولى زمام الخلافة العباسية إلى عام، ثم جاء الخلفاء من بعده إلى عام بعد المائتين، وخاصة في زمن المأمون، بل في أواخر زمن المأمون، في هذه الفترة تغيرت الحقائق وتغيرت الأمور، واستطاع المبتدع أن يصلوا إلى السلطة، وأثروا على المأمون، فحكم بغير حكم السنة، فأمر الناس وألزم الناس بالقول بخلق القرآن. هذه الحقبة الزمنية التي وقع فيها التغير بعد المائتين، وقع فيها التغير واستمرت على يد المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، فلما جاء المتوكل رفع الله جل وعلا به المحنة عن المسلمين. فالآن الكلام على هذه الفترة، وكلام المؤلف واضح أن الكلام على هذه الفترة لوجود التغيرات. قال: حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة. والرويبضة قد جاءت هذه اللفظة مقتبسة من السنة، فقد جاء عند ابن ماجة بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما تكلم عن الساعة، فذكر أن من أمارات الساعة ومن علامات الساعة أن ينطق الرويبضة وأن يتكلم الرويبضة، فقالوا: يا رسول الله، وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم بأمر العامة. وهذه بلية وأعظم بلية، وما بعدها من رزية أن يأتي رجل تافه، يأتي رجل لا وزن له لا في دنيا ولا في دين، هنا الغرابة، ليس له وزن حتى في باب الدنيا، تنظر في ماضيه لا شهادات لا خبرات لا شيء أبدًا، لا تدري كيف استطاع أن يصل إلى زمام الأمور كخليفة دنيوية لا شيء. وأما في الدين فهو كذلك من أبعد الناس عن التفقه لدين الله جل وعلا، لا يفهم شيء ولا يعقل شيء من دين الله سبحانه وتعالى، فتخيل إذا كان شخص بهذه الصورة وبهذه المثابة، إذ به يحكم رقاب الناس، لا عنده معرفة دينية ولا عنده تجربة دنيوية، فكيف يحكم؟ يحكم بالجهل، يحكم بالظلم، يحكم كذلك بما لا يرضي الله جل وعلا. وهذه الآفة، إخواني في الله، موجودة حتى في هذه الأزمان، تجد الكثير على نطاق الولايات الصغرى أو الولايات الكبرى أو كذلك في كثير من الترأسات والاجتماعات الذي يكون تحتها الأتباع الكثر بالآلاف بل بالملايين، تجد أن الرأس عليهم رجل إمعة رويبضة، رجل سفيه تافه يتكلم بما لا يعرف، يهرف بما لا يعرف. وهذا مثل أمثال هؤلاء هو الذي أدخل الناس في الفتن وأدخل الأمة في البلايا ودخلهم في الرزايا. وهذا، إخواني، من علامات الساعة، بل جاء كذلك في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: ويقال للرجل: ما أجلده، ما أضرفه، ما أعقله، وليس في قلبي حبة خردل من إيمان. انظر لهذه التزكيات: ما أجلده، ما أضرفه، ما أعقله، شجاع مناضل قوي بطولي، الصور معلقة في الجدران، وثناءات التي تلقى في كل مذياع وفي كل مسمع، وهو آخر شيء قمق نبينا، وليس في قلبي حبة خردل من إيمان، تارك صلاة، قاطع لدين الله جل وعلا، مدبر معرض عن دين الله وعن شرع الله، ومع ذلك تجد الهتافات وتجد التصفيق والترحيب لأمثال هؤلاء، هذه معلمات الساعة أن تتغير الحقائق وأن تتقلب الأمور على أهلها. وهذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن الرويبضة لقد نطقوا في تلكم الأزمان. قبل تلكم الأزمان كانت الأمور بيد أهل السنة العقلاء العلماء، هم الذين يسيرون الناس إلى بر الأمان، لكن في هذه الحقبة جاء من أمثال من؟ من أمثال أحمد بن أبي دؤاد، رجل ليس له علم في دين الله جل وعلا، بل واقع في البدع وواقع كذلك في مستنقع الرذائل، فإذ به ماذا؟ بين يوم وليلة يحكم على رقاب الناس ويأمر السلطان بأن يحكم بغير حكم السنة، فماذا عساه أن يأمر؟ وماذا عساه أن ينهى؟ أتى ببلاء على دين الله جل وعلا. هذا من الرويبضة، من أمثال أحمد بن أبي دؤاد، ممن ظهر في هذه الحقبة. كفى يا عبد الله أن تعرف أن من صنيع هذا الرجل الذي ليس له دين يردعه: أنه طبعًا يقول بنفس الصفات عن الله جل وعلا، وكذلك الأسماء، في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، آية واضحة محكمة، دلالة على إثبات أن الله عز وجل سميع، وأنه يسمع، وأن الله بصير وهو يبصر جل وعلا. فماذا فعل هذا الرجل؟ قام وكتب على أستار الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، تجرأ على التصحيف والتحريف لكلام الله علانية، أي دين يردعه؟ هؤلاء الرويبضة إذا مسكوا زمام الأمور، فإنه ماذا؟ يعيثون في الأرض فسادًا، وهذا حال في الماضي وحال في الحاضر. إذا آلت الأمور ووصلت الأمور إلى أمثال هؤلاء ممن لا دين له ولا علم له ولا دنيا له، فإن ذلك سيعيث في الأرض فسادًا متى ما مكن لهم. فقال مؤلفنا رحمه الله تعالى: حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة، وطعنوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا بالقياس والرأي. ونبهنا في أكثر من موطن على أن القياس المنهي عنه والقياس المذموم في هذا الباب هو القياس الفاسد. وفي القياس على قسمين: قياس صحيح، هذا معتبر، وهذا معتمد، ويعتبر عند كثير من العلماء أنه من الطرق التي تؤدي إلى استنباط الأدلة، بل إلى إثبات الأدلة عن طريقها. وهناك قياس فاسد، هو قياس فاسد الاعتبار، والذي تخلفت فيه أركان القياس الصحيح، أو يكون قياسًا مع مصادمة النص، أو قياسًا مع معارضة النص، ونحو ذلك، فهذا قياس باطل، مثل ما كان يفعله الجهمية من أمثال أحمد بن أبي دؤاد، أنهم كانوا يقيسون الخالق بالمخلوق، سبحان الله، يقيسون الخالق رب العزة يقيسونه بالمخلوقين، فهذا قياس باطل، يرون أن: إذا ما كان نقص في حق المخلوق، فإنه ماذا؟ أن ما كان نقص في حق المخلوق، فإن نقص في حق الخالق، والعكس بالعكس، فأثبتوا ما للمخلوق يكون لله عز وجل، وكل ذلك من القياس الفاسد. قال: وكفروا من خالفهم. فدخل في قولهم الجاهل والمغفل. ونبهنا كذلك: ما وقع في هذه الفقرة أو هذه الفترة الزمنية، كيف أن المعتزلة ومن كان على سيرهم من الجهمية، كيف استخدموا الصول والجولة، واستخدموا الحديد والنار في التنكيل والتعذيب، وقتل من أنكر مقالتهم ولم يدخل معهم، وأن من قال بمقالتهم أعطوه الأموال، وقبلوا شهادته، وعصموا ماله ودمه. فدخل في قولهم الجاهل والمغفل، قال: والذي لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون. فهلكت الأمة من وجوه، وكفرت من وجوه، وتزندقت من وجوه، وضلت من وجوه، وتفرقت وابتدعت من وجوه. وهذا، إخواني، كله من صنيع البدعة، متى ما ظهرت البدع في بيئة وفي مجتمع، فإن مآلها هذا المآل، يظهر الكفر، تظهر الزندقة، تظهر كذلك التفرق، كل ذلك من مآلات البدعة. وانظر يا عبد الله إلى أي مجتمع فيه كفر، زندقة، بدع، تجد أن من خلفه ماذا؟ تجد من خلفه البدع، وأهل البدع هم الذين يدسون مثل هذا. ولهذا لعلم أهل السنة بخطورة البدعة، فإنهم حاربوها، وضربوا بيد من حديد لكل من سولت له نفسه أن يدخل البدع في مجتمعات المسلمين، لأن البدع أمرها ليس محدود، هذا من شؤون البدعة، أمرها ليس محدود على شخص معين، بل تكبر وتنمو، بل حتى في نفس الشخص يستميت عليها. ولنا عبرة بما وقع للبدعة الذي ظهر في أحد الصحابة كأصحاب الحلق، إذا خرج علي بن مسعود وحذرهم من مغبة فعلهم، وكانوا على أمر هو على تسبيح مبتدع، على صورة وهيئة غريبة، يسبحون الله مئة، يكبرون الله مئة، بصوت جماعي، برمي الحصى، فلما أنكر علي بن مسعود هذه المسألة، هم استغربوا: لماذا هذا النكير؟ بن مسعود الوالي يأتي إلينا إلى مسجدنا وينكر علينا أمر عادي، ما في داعي. فقالوا: ما رأينا ما فعلنا إلا خيرًا، هذا أمر خير. فلكن انظر لعلم الصحابة والسلف النظر البعيدة، النظر البعيدة لهذه البدعة أنها تجر بالويلات على الأمة، فقالوا: إما إنكم أهدى من أمة محمد، أو أنكم مقتحموا باب ضلالة، باب كبير من الضلالة سيدخل عليكم. وهذا الذي وقع، قال السلمي أحد رواة هذا الحديث ومن شاهد القصة: فرأيت هؤلاء أصحاب التسبيح والتكبير، قال: يطاعنوننا يوم النهروان. انظر: كانوا في عبادة، ثم أصبحوا من سفاكي الدماء، يرفعون السلاح على أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام، أين هم؟ ثم كيف أصبحوا؟ ما الذي أوقعهم؟ البدعة، البدعة التي أوقعتهم. فلما ظهرت البدعة في زمن بني العباس في هذه الحقبة الزمنية، أدى ذلك إلى التفرق والكفر والزندقة، لظهر في دين الله سبحانه وتعالى. قال: وتزندقت من وجوه، وضلت من وجوه، وتفرقت من وجوه، وابتدعت من وجوه، إلا من ثبت على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره وأمر أصحابه. وأقول: هذه العصمة، إخواني في الله، من أراد الثبات ومن أراد الاستقامة ومن أراد البقاء على دين الله ويلقى الله على هذا الخير، فعليه بالاعتصام بالكتاب والسنة، وذلك على فهم السلف الصالح، على فهم سلفنا الصالح. وقد مرت معنا في دروس ماضية كثيرة ذكر الأدلة الدالة على أن من أراد الهداية في دين الله عز وجل، فعليه بأخذ فهم السلف الصالح، بل إن الأدلة دلت على ذلك، الأدلة دلت على ذلك: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، فربنا جل وعلا أثبت أن الإيمان إنما يكون على ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأنهم أخذوا ذلك عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. وأما من خرج عن منهاج السنة، إخواني في الله، فقد ضل سواء السبيل، ضل سواء السبيل. قال: ولم يخطئ أحدًا منهم، ولم يجاوز أمرهم، ووسعهم ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم. هذا الأصل، والأصل، إخواني في الله، في أيام الفتن وفي أيام البلاء، يظهر ويتمحص الصادق من الكاذب في اتباعه. الناس في باب السعة وفي باب الراحة، الكل يرفع راية الكتاب والسنة على فهم سلف صالح، الكثير نرمي لهذه الحال، لكن إذا دبت الفتن ووقع البلاء، ماذا؟ يحق الحق حينها، فتجد الصادق في اتباعه للسلف يقول: أنا لا أزيد على مذهب السلف، هذه نازلة وهذه فتنة وهذه مدلهمة وهذه مظلمة وهذه دماء وهذه أرواح وهذه أعراض قد وقعت. وهذا مسائل في الخروج، وهذا مسائل في النوازل، كيف الحل؟ قال: على ما أنا عليه، الرجوع إلى فهم سلف صالح، سلفنا الصالح في مجتمعاتهم وقعت مثل هذه البلايا، من تصلط الظلمة، من تصلط الفجرة، من ظهور البلاء، من ظهور الرزايا، من ظهور أشياء ظهرت في مجتمعاتهم، ننظر كيف هم تعاملوا معها، فنتعامل كما تعاملوا بها، هكذا الأصل. لكن عندما تقع الفتنة، تجد هؤلاء ذي كان بالأمس يرفع راية السنة والفهم السلف الصالح، لكن إذا دبت الفتن، رمى هذه الراية، ورمى ماذا؟ أتى براية ثانية، ما هي الراية؟ عصرية المواجهة، لابد أن نواكب هذا الخطر القادم على المجتمعات بمواجهة عصرية، سبحان الله، أين منه سلف الصالح؟ ولا سلف الصالح ينفع في ذلك القرون الماضية، أما الآن القرون قد تغيرت. لا يا عبد الله، ما تغير شيء، إنما تغير عقلك وضميرك، لو أنت متبع صحيح لعلمت أن في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، هذه ليوم القيامة. ولهذا انظر لسلفنا الصالح ولمن كان على من هاجم إلى هذه الساعة، مع كثرة الفتن وطلاطم من الفتن هنا وهناك في العالم العربي والإسلامي، من الذي سلمه الله من الفتن؟ من كان صادقًا في اتباع للسنة، سلمه الله من شر الفتن، من دماء ومن قتال. وعدم الخوض، بعض الناس نعم صحيح، يده قد سلمه الله من الدماء، لكن يده أوصلته إلى أن يوقع أناس وبلدان إلى الفتن، هذا ما سلم، لماذا؟ لأنه خرج عن فهم السلف الصالح، وعلم اتباع الصحيح لمنهج السنة. فإخواني في الله، فينبغي أن نعلم أن من أراد العصمة ومن أراد الهداية، فعليه بالسنة، وذلك على فهم السلف الصالح، فإنها كفيلة بأن تجعلك في بر الأمان، أنت ومن ولو كان مجتمع، ولو كان الدولة، اعتصمت بالسنة، فإن الله سيسلمها من شر الفتن. لكن ما الحيلة؟ ما الحيلة إذا كان هذا المجتمع متمرد، متمرد وما يريد إلا ما كان في رأسه من اتباع الأهواء والمذاهب والأفكار والحماسات، فإن أمره إلى ما يكل إليه. قال عليه الصلاة والسلام: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». وهكذا نحن نرى الهلكة وقعت في كثير من ديار المسلمين، وما ذاك إلا عند زيغهم عن السنة. ثم قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح، فقلدهم دينه واستراح. وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. أي أراد المؤلف رحمه الله تعالى من هذه العبارة بالتقليد للاتباع: أن عليك يا عبد الله بالاتباع لأصحاب محمد عليه صلى الله عليه وسلم، لأن الله جل وعلا قد ماذا؟ أمر بالأخذ عن فهمهم، بل نبينا أمر كذلك، أمر بالاعتصام بمنهج الصحابة. في صحيح مسلم خرج نبينا ذات ليلة، فرأى النجوم، فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وإني أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وإن أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد»، يأتيها الفتن والقالمة، متى ما ذهب الصحابة، حسيًا ومعنى، بأساليبهم أو كذلك فكرهم، إذا ذهبوا ماتوا الصحابة، لكن إذا كان فكرهم موجود وهم موجودون بين أيدينا، تبقى السلامة للأمة، لكن إذا ذهبوا بأساليبهم وذهبت بأفكارهم، فلا يبقى لهم أثر ولا منهج متبع. إذن تأتي البلية على أمة محمد. قال: «وإن أصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد». هذا الذي أراد بقولي بالتقليد، مع تنبيه إخواني في الله: أن بعض العلماء يرى أن عدم استحسان التعبير بلفظ التقليد، وأن التقليد ما ينبغي أن يسمى بالاتباع، وإنما قال: الاتباع الصحيح، وأن الدين هو اتباع، لك أن ذلك أفضل وأعم، وهذا هو الأشمل وأصرح وأوضح لدالك الكتاب والسنة على هذا المعنى. وأن التقليد فيه معاني قد تكون غير مستساغة في هذا المقام. والمزيد للبحث يراجع مبحث لابن القيم رحمه الله تعالى في «إعلام الموقعين»، نبه رحمه الله تعالى على هذه المسألة العظيمة، وأن اتباع الصحابة ما يعد تقليدًا، أن اتباع الصحابة لا يعد تقليدًا، لكن يحمل هنا أن المؤلف أراد بالتقليد تنزلًا لكلام عام الذي في زمنه، أراد أن يبين التقليد بمعنى الاتباع لأصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. إلى هنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.