الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 63، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف يبين ضلال الجهمية بسبب إفراطهم في استخدام العقل في الدين، ويوضح أن الناس في التعامل مع العقل على قسمين. التوازن بين العقل والشرع هو المنهج الصحيح.
المبتدعة يفتقرون للأدب مع الله ورسوله والناس، ويتسببون في الكفر وتفريق الأمة بسبب بدعهم. البدعة تؤدي إلى الكفر وتخرج أصحابها عن أمة محمد.
الفرق المبتدعة كفّرت الناس واستحلت دماءهم، والبدعة تؤدي إلى سفك الدماء والتقتيل. السلامة في الاستسلام لشرع الله.
المقطع ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعترف بقدرة الله وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية أنهم فكروا في الرب عز وجل فأدخلوا لما وكيف وتركوا الأثر ووضعوا القياس وقاسوا الدين على رأيهم، فجاءوا بالكفر عيانا لا يخفى أنه كفر وأكفر الخلق. في هذه الفقرة، إخواني في الله، تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن بعض المسائل السريعة المتعلقة بهذه الفرقة، وهي فرقة الجهمية ومتباع الجهم صفوان. وهل أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يتكلم عن الجهمية بخصوصهم أو أنه أراد كل من دخل في حيز نفي الصفات؟ فإن أهل السنة والجماعة قد اصطلحوا على أن يسموا كل من قال بالتعطيل وقال بنفي الصفات سموه جهمي وأدخلوا في ذلك المعتزلة ومن كان على منوالهم. قال مؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أنه جاء هلاك الجهمية أنهم فكروا في الرب عز وجل فأدخلوا لما وكيف. في هذا الباب بيان لسبب من الأسباب التي أودت بالجهمية إلى الوقوع في الضلال، وهو أنهم أدخلوا عقولهم في دين الله جل وعلا. أسباب إدخال الناس في البدع كثيرة، منها الجهل بدين الله، ومنها الاستحسان، ومنها الطمع بالدنيا والركون إليها، ومنها كذلك إدخال العقل. والناس، إخواني في الله، في باب العقل على قسمين اثنين: من الناس من أهمل العقل وترك العقل، بل رأى أن السلامة في مخالفة العقل. وهذا قول يقول به بعض المتنسكة وبعض المتعبدة، وخاصة من أمثال المتصوفة، فيرون أن الرجل كلما كان أجهل وكلما كان أحمق كلما كان أعظم، ويرون أن السلامة في مخالفة العقل. القسم الثاني وهو الذي نريده في هذا الباب، وهم من عظم العقل وقدس العقل، بل جعل للعقل منزلة تداني الشرع. الشرع هنا والعقل بإزائه هما سواء، بل الكثير منهم يرى أن العقل أرفع رتبة من الدين والعقل أرفع رتبة من الشرع، بحيث أن العقل يتحاكم إليه إذا تم إشكال في مسائل الدين. هذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وأعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية أنهم فكروا في الرب عز وجل. فهذه مسألة أولى أن نعلم أن هلاك أهل البدع عندما أدخلوا عقولهم، والمسلم لا يدخل عقله في دين الله. والصحيح في هذه المسألة ما قال العلماء: أن صريح المعقول لا ينافي صحيح المنقول. المسألة الثانية تستفاد من هذه الفقرة: أحوال المبتدعة مع الرب جل وعلا ومع الرسول عليه الصلاة والسلام ومع الناس. في هذه الفقرة، بعدما بيّن المؤلف المسألة الأولى، وهو سبب هلاك الضلال من أهل البدع أنهم أدخلوا عقولهم. المبتدعة قلوا أدبهم مع الله جل وعلا، أنهم يتفكرون في ذات الله، ولهذا يسألون لما وكيف ودخلوا في التعطيل ودخلوا في التجسيم ودخلوا في التمثيل. أما يتعلق في تعاملهم مع السنة، وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وتركوا الأثر. وهذا الغالب في المبتدعة أنهم يتركون الآثار، والآثار تطلق على السنة. الكثير من المبتدعة يتركون السنة، لا يتعاملون بها ولا يتحاكمون إليها، وهم يتفاوتون. المبتدعة اتفقوا على تعطيل السنة، لكنهم يختلفون في التعطيل تارة بكثرة وتارة بقلة. منهم من يرد السنة جملة وتفصيلا، لا يعترف بشيء اسمه سنة أبدا، وهو ما يسمى بالقرآنيين. هذه السنة ملغية عنه، لا يأخذ من صغيرها ولا من شيء من آثارها. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فجاءوا بالكفر عيانا. البدعة من مآلاتها أنها تجر أصحابها إلى الكفر. ولهذا يقول من عبارات سلفنا المشهورة: أن البدع بريد الكفر. أن البدع بريد الكفر، فهي بريد وهي طريق موصلة إلى الكفر. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأكفروا الخلق. وهذا المسألة الثانية وهو تعامل المبتدع مع الناس، أنهم يكفرون الأمة. وهذه ميزة ليس في الجهمية بل في سائر المبتدعة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهذه حال أهل البدع والظلم كالخوارج وأمثالهم يظلمون الأمة ويعتدون عليهم إذا نازعوهم في بعض مسائل الدين. المبتدع من مآلاته وفي تعاملهم مع الناس أنهم يكفرون الأمة. يأتي الأمر أولا هم من أمة محمد، ثم إذا أخروا خرجوا عن أمة ببدعة جعلوا هذه البدعة هم أحدثوها، هم أخرجوها، هم الذي أنشأوها. فالعجب في هذا الباب أن شيء ينتج من قبل أنفسهم واجتهاد من عندهم ليس من الله ولا من رسوله، ثم هذا الأمر المحدث والمبتكر يجعل ركن من أركان الدين. كل الفرق وغالب الفرق على هذا المآل، الخوارج جاءوا بهذا في تكفير صاحب المعصية، أو ركن السادس عندهم من لم يوافقهم على هذه البدعة فهو كافر. جاءت الروافضة بما يتعلق بالتشيع، ما يتعلق بتعظيم آل البيت، ما يتعلق بالولاية والإمامة لآل البيت، من لم يقل بهذا الركن السادس فهو كافر. وهكذا، يا عبد الله، هذا أمر مستفحل مستفحل في أهل الأهواء، أنهم سرعان ما يكفرون الخلق متى ما أنشأوا البدعة ورأوا المخالفين قد خالفهم. ترى ما ذموه ولمزوا بالكفر. وهل يقتصر أمر إلى الكفر فقط؟ لا، بعدما يأتي حكم التكفير يأتي حكم الكفر، ما حكم الكافر؟ حكم الكافر القتل، من بدل دينه فاقتلوه. فالخوارج لما رأت أن الأمة لم يوافقوهم، ولما رأوا الناس لم يوافقوهم على ما هم عليه من البدع، من تكفير صاحب معصية، بما ذا حكموا على الناس؟ قالوا: أنتم كفار فقط، قال: أنتم كفار، وآن الأوان أن نطبق حكم الرد فيكم، فانهالوا على أمة محمد قتلا وتقتيلا. وهكذا قل في المعتزلة، عندما جاءوا بخلق القرآن، ورأوا أن الناس خالفوهم، ما الذي فعلوا؟ كفروا الأمة وكفروا المخالفين فقط، كفروهم فقط، لا وطبقوا فيهم أحكام الردة، وقتلوا فيهم وقتلوا وقتلوا. وهذا شأن المبتدع، لا يصل الأمر إلى التكفير فقط، تكفير ثم قيام بحق القتل، بحق التكفير، وهو ماذا؟ وهو سل السيوف على أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وهكذا قل في الرافضة كذلك، عندما رأوا أن الناس وأهل السنة قد خالفوهم على بدعة، كفروهم فقط، تكفير قد تكفير مع استحلال الدماء مع استحلال الدماء. وبهذا نعلم شؤم البدعة، نعلم أن شؤم البدعة لها مآسي عظيمة على أصحابها وعلى الأمة. على صاحبها كما قال: البدعة تبدأ بك تنتهي بك أن تكون كافرا، تكفر أنت، تكون زنديقا، تكون ملحدا. بل هل يقصر ويكون شؤم البدعة عليك فقط؟ لا، يتعدى إلى الأمة، أنك تقوم على أمة محمد تكفرهم، ولا تكفف تكفيرهم، بل ما تقوم بسفك دمهم. ولهذا قال من قال من أئمتنا: ما ابتدع قوم بدعة إلا واستحلوا السيف. ما ابتدع قوم بدعة إلا واستحلوا السيف. ونحن نرى الجماعات المعاصرة في هذا الأزمان، الكل اتفق على رفع السلاح وعلى الخروج على مجتمعات المسلمين، وعلى القتل والتقتيل والتفجير والاغتيالات ها هنا وها هنا، وكل ذلك استحلال لدماء أمة محمد عليه الصلاة والسلام. فهذا، إخواني في الله، من كانوا عبرة، ومن كانوا عبرة يعتبر، يعتبر بشؤون مبتدعة، فلا يتهاون ولا ينبغي لأحد أن يتساهل في هذا الباب. بل نعلم، إخواني في الله، أن خطر البدع عظيم وعظيم جدا، عظيم على صاحبه، وكذلك خطر على أمته. فالسلامة، يا عبد الله، أنك تستسلم لشرع الله جل وعلا، فإن ذلك من صفات المؤمنين، كما قال جل في علاه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. السن فيها الراحة، السن فيها اطمئنان، السن فيها الأمن والأمان، بخلاف البدعة، فإنها زيغ وضلال وهوان، وهلاك على المسلمين في جميع الأزمان وجميع الأماكن. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.