الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 81، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يحذر المؤلف من مصاحبة أهل البدع وأهل الأهواء الذين يدعون إلى الشوق والمحبة ويخلو مع النساء، ويعتبرهم في ضلالة. ينتقد المؤلف المتصوفة الذين يبررون أفعالهم المنكرة باسم الدين.
يتناول المؤلف أفكار بعض الطرق الصوفية والباطنية التي تؤمن بأن هناك مراتب للسالكين تسقط عنهم التكاليف الشرعية، مما يؤدي إلى ارتكاب المنكرات. يشرح كيف يستخدم هؤلاء 'علم الباطن' لتبرير أفعالهم الشنيعة.
يناقش المؤلف انتقاد تفسير الصوفية لقصة موسى والخضر، مؤكدين أن الخضر كان نبيا ولم يخرج عن الشريعة. يبين أن أفعاله لها مبررات شرعية، مشددا على أهمية الالتزام بالشريعة.
يشدد المؤلف على أهمية الاستمرار في العبادة حتى الموت، مستندا إلى قوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾، حيث فسر العلماء اليقين بالموت، مؤكدا أن ما حرمه الله يبقى محرماً دائما.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة ويخلو مع النساء وطريق المذهب، فإن هؤلاء كلهم في ضلالة. في هذا الفقر إخواني في الله، يحذر المؤلف رحمه الله تعالى من مصاحبة أهل البدع وأهل الأهواء، وهنا أشار إلى بعض هذه الفرق وذلك ببيان شيء من صفاتها وبذكر شيء من أعمالها، وهو من يدعون إلى الشوق والمحبة، وهذا مما يؤثر عن المتصوفة ومن الفرق الصوفية خاصة التي تبلورت في مذهبها إلى تشكيل المسائل العقدية كما تسمى بالذوق والكشف والجود والمحبة والشوق. قال رحمه الله تعالى: واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة ويخلو مع النساء وطريق المذهب، فإن هؤلاء كلهم في ضلالة. وما يتعلق بمثل هذا المذهب وما يصاحبه من فعل المنكرات وإتيان المحرمات، لم يقع من القوم أنهم خلوا بالنساء ووقعوا في المنكرات والمحرمات مع اعترافهم بأنهم قد قصروا أو أنهم قد عصوا، بل البلية إخواني، أنهم عندما سموا هذا الفكر بالشوق وبالمحبة والوجد لبسوه بلباس الدين. المسلم قد يأتي شيء من هذه المنكرات، لكن في قرارة نفسه يعلم أنه عاص وأنه قد فسق وأنه قد خرج عن الجادة وأنه يحتاج إلى توبة وإلى إنابة لربه جل وعلا، لكن هؤلاء إذا حصل منهم ما حصل فإن ذلك يقع منهم من باب التعبد، فهم يبحثون عن الوجوه الحسنة، وسواء كان ذلك في النساء أو كان ذلك في الصبيان أو كان في المردان، حتى بلغ بهم إلى الكفر الأعظم إلى قول بعضهم لمسألة الحلول، وأن الحلول يقع في الوجوه الحسان. هذا عقيدة من أكبر العقائد، من ظن أن الحلول يقع في الوجوه الحسنة، الحلول بشكل عام هو الضلالة ومذهب إبليسي. لكن كيف يظن بالحلول بالوجوه الحسنة في النساء والصبيان؟ الشاهد أن القوم قد غلوا في هذا الباب وأدخلوا أنفسهم في المنكرات، ليس فقط بالخلوة مع النساء، بل ربما وصل إلى حد المباشرة والملامسة، وكل ذلك باسم الدين. وهذه المسألة ليس بخافية، بل من كان يسير مع القوم يعلم بصحة هذه الأخبار المروية عنهم، وأن المنكرات قد صدرت من كبرائهم ومن رؤسائهم. ومن تأمل في كتب الكرامات التي ألفوها قديما وحديثا، فإنك يا عبد الله ستجد الشيء الكثير أنهم يفعلون مثل هذه المخالفات ومن هذه المحرمات. والقوم خرجوا هذه الأفعال المشينة وهذه المعاصي والذنوب خرجوها بمخارج شرعية على حد زعمهم. فلهم في ذلك مراتب أو قل لهم في ذلك أصناف ومخارج. فبعض هؤلاء الذين يفعلون هذه المحرمات يخرجونها بأنه وصل إلى مرتبة تسمى اليقين، وهذا مصرح عندهم. وهذا موجود عند بعض كبرائهم، أنه يقول أن اليقين عبارة عن مرحلة متى ما بلغها العبد فإن التكاليف تسقط عنه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾. واختلفوا فيما معنى اليقين، ومنهم من قال - وغالب هؤلاء يدورون على هذا المصطلح - يقول اليقين هي بلوغ الحقيقة، هي بلوغ الحقيقة. ما الحقيقة؟ الحقيقة الكونية إذا وصل العبد إلى مرتبة اليقين وهي الحقيقة أو إلى درجة المكاشفة والمجاهدة والمشاهدة لله جل وعلا، فهذه مرتبة إذا بلغها العبد فإن التكاليف تسقط عنه. وهذا مصرح به عندهم بأن تكاليف تسقط عنه، فلا يؤمر بأمر ولا ينتهي بنهي، فجميع الشريعة تلغى بجانبه، يفعل ما شاء وكيف شاء. وطبعا هذا من الضلال المبين. بل صرح العلماء أن هذا كفر، من صرح بهذه المرتبة وصرح أنه من أهلها فإنه قد كفر بالله جل وعلا. بل يقول بعض العلماء أن عقيدة مرتبة اليقين أكفر من عقيدة من كفر اليهود والنصارى، لأن اليهود والنصارى يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أما من بلغ مرتبة اليقين على هذا التفسير فإنه قد كفر بالدين كله، كفر بالدين كله. ويذكر من أطرف ما يذكر في هذا الباب عن بعض الزهاد والعباد من المسلمين، أنه ذات يوم كان يسير في فضاء مع بعض أتباعه، فإذا بصوت من السماء، فرفع رأسه فإذا بشيء بهيئة موجودة في السماء، فتكلم هذا الشيء عن هذا الزاهد، وقيل له: الجيلاني رحمه الله هو الذي كان في هذه القصة صاحب القصة، وقيل غيره. فقيل له: يا جيلاني بلغت مني مبلغا عظيما، فلكرامتك علي قد أحللت لك الحرام، قد أحللت لك الحرام، أحللت لك الحرام. فقال هذا العابد الزاهد: اخسى عدو الله، اخسى عدو الله. فإذا بهذا الشيء انقشع وذهب. فالأتباع استغربوا من فطنة المعلم وفطنة هذا العابد الزاهد، وقالوا: كيف عرفت أن هذه مكيدة؟ لأنه قد كثير من الناس قد تنطلي عليهم مثل هذه النداءات، يسمع نداء في السماء يقول هذا من رب العالمين، وحي السماء يتنزل عليه. لكنه قال: اخسى عدو الله، علم أن هذا من وحي الشيطان لا من وحي الرحمن. فقيل له: كيف علمت ذلك أن هذا من وحي الشيطان؟ قال: لعلمي أن الله لم يدع ذلك لنبيه، فكيف يكون معي؟ إذا كان هذا ما بلغ لنبينا وهو الذي بلغ في العبادة مبلغا، من ذا الذي يدانيه؟ من ذا الذي يساويه عليه الصلاة والسلام في العبادة والتعبد لربه؟ ومع ذلك ما أعطيه هذا المقام بأن الله يسقط عنه التكاليف، فالنبي إلى آخر حياته ورمق الأخير في نفسه وهو يصلي لربه جل وعلا، ما ترك الصلاة ولا قصر في دينه ولا في طاعته لربه. فإذا كان ذلك ما فعل مع نبينا، فقال: كيف يفعل معي؟ فالمتصوفة عند الصوفية القدامى ولازال ذلك في بعض كتب الطرق عندهم على أن من دخل في سلكهم له ثلاث مراتب: المرتبة الأولى وهو المريد وهو المبتدئ المتعلم، ثم السالك وهو الذي دخل في سلك هذا الفكر، ثم الواصل وهو الذي وصل، فتسقط عنه التكاليف، فلا يصلي لربه ولا يصوم ولا يفعل شيئا من العبادات. وإن فعل ذلك وإنما إسكاتا للناس، وأما عقيدة نعتقد أن الله لا يأمره ولا ينهاه بشيء. فمن أمثال هؤلاء تظهر مثل هذه المخازي، تظهر مثل هذه المخازي أنهم يفعلون الفواحش، يفعلون المنكرات ويتعمدون في ترك الواجبات والصلوات. وفي تخريج آخر عند بعض أتباع هذا المذهب الرديء، ما يسمى بعلم الظاهر والباطن، علم الظاهر والباطن ومن يسمى بالمكاشفة. فعندهم أن العلم على قسمين اثنين: علم الظاهر وعلم الباطن. علم الظاهر هم أصحابه يسمون بالفقهاء، وهم الذين يتحسسون بالأمور الظاهرة، العلم للظاهرة، الحكم الظاهرة، ودراستهم لا تخرج عن الظاهر. وهؤلاء فقهاء وهم زينة الأرض، لكنهم دون العلم الثاني، من العلم الثاني أصحابه وهو علم الباطن، الذين يعرفون بأمور أنت لا تراها، يتعرفون على أمور أنت لا تراها وأنت لم تعلم بها، وأن ذلك من العلم العظيم. وهذا العلم يسمونه علم نادر الوجود، حتى يسمونه في كتبهم بالتراجيق الأكبر والكبرى الأحمر. وهو علم الباطن، أنك تقرأ القرآن على خلاف ما يقرأه العامة، تقرأ الأحاديث تشير إلى الأحاديث على خلاف ما يظهر لك، أو أنك تفعل أشياء على خلاف ما يراه الناظر، على خلاف ما يراه الناظر. هذا ما يسمى بعلم الباطن. وطبعا هذا كذلك من الكفر، من الكفر العظيم. وهذا الفكر كثير من الفرق الباطنية اشتركت فيه، اشتركت بهذا العلم الباطن. فمن أمثال هؤلاء تأتي المخازي، فربما يأتي فاحشة من الفواحش، فإذا أنكر عليه يقوم هذا وينكر على المنكر، يقول: أنت تنكر عليك أنك مبتدأ ما تدري، أما الذي أفعله. فيأتي بشيء ما يراه الناس، كقصة ذاك المتهور المتهور الذي أتى فاحشة، فلما أنكر عليه قال: أما تدرون ما أفعل؟ قال: ما تفعل؟ تفعل فاحشة. قال: إني أسد خرقا في سفينة في محيط. فهكذا يدلسون على صبيانهم وعلى أتباعهم، ويسوغون لأنفسهم فعل الفواحش. بأن الذي ترونه أمامكم ليس بظاهر، أنا آتي هنا أتغزل وأمسك النساء مثلا، أنا ما قصدي شيء شهواني على حد زعمكم، لا ما أقصدي هذا ولا ذاك، إنما قصدي شيء أمر رباني، أمر رباني. لكن هذا طريق للوصول إلى ما أريده. فهكذا خرجوا هذه المخازي مثل هذا. وكذلك من مخازيهم ومن أمورهم التي بها سوغوا لأنفسهم، أنك لما تناقشهم وخاصة مثل هذه العظائم والكبائر التي تأتي من بعضهم، إتيان الفواحش مع النساء، الخلوة مع النساء، ترك الصلوات، السب والشتم وغير ذلك كثير، التجرد عن الثياب، المشي في الأسواق عريانا، الخطبة وهو عريان، يعني أشياء مخزية. هذه تصدر من كبرائهم، هذا موجود، راجع ما ذكره الشعراني في طبقات الصوفية مثلا، تجد مثل هؤلاء، ما ذكر عن علي وحيش ومخازي الذي فعله وهو محسوب من أوليائهم هؤلاء الكبراء. لما تأتي عندهم وتنكر عليهم أن هذا يصدر من كبرائكم ومن ساداتكم، يقول هؤلاء من أولياء الله. ومع ذلك تأتي القاعدة، ما هي القاعدة عندهم؟ أن يجوز للولي أن يخالف شريعة النبي، يجوز للولي أن يخالف شريعة النبي، ولو في ذلك أدلة يظنوها أدلة. من ذلك أعظم ما يستدلون به في هذا المضمار وفي هذا الباب، قصة موسى مع الخضر عليهما السلام. إذ أنهم يرون بعد تقسيمهم أن الخضر عبارة عن ولي، وأن موسى عليه السلام عبارة عن نبي. وعندنا ولي، فقالوا: ما الذي وقع في القصة بين موسى والخضر؟ رأينا أن الخضر خرج عن شريعة موسى، وكان الحق مع الخضر لأنه له مبررات، له كذلك أعذار. فقالوا: فلا بأس أن يأتي ولي في هذا الزمان ويخرج عن شريعة نبي، هذا ليس فيه عتب. إذا كان ولي بهذا الضبط خضر مع موسى، ولي مع نبي، فالولي خرج عن شريعة النبي بتكسير، بقتل أنفس، فعلها. ومع ذلك كان الحق في صفه، لأن ذلك هذه كرامة جعلها لأوليائه. ومن هذا الباب ضخموا مقام الولاية، حتى قال بعضهم: خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله. ولستم في هذا المقام إخواني في الله، المكمن الضيق في ذكر تفنيد قصة هذا التفسير، وأن من فسر خروج الخضر عن موسى بخروج ولي عن نبي، فهذا ليس له أساس من الصحة، بل هذا التفسير باطل، وكذلك كاسد فاسد، ليس له اعتبار بنظر العلماء. وقد رد العلماء، ومن أبدع من رد ومن أفضل من رد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الفتاوى الكبرى وفي مجموع الفتاوى وفي غيره من كتبه، أنه أخذ هذه القصة وفندها ورد عليه بأمور، من ذلك ما أول: لا نسلم بأن الخضر ولي، بل كان نبيا من أنبياء الله، دليله ما في القصة في قوله تعالى: ﴿وما فعلت عن أمري﴾، فهو وحي السماء يتنزل على الخضر، فالخضر نبي، وهذا نبي. وكذلك الأمر الثاني: أن الخضر أصلا ما كان من شريعة موسى، بل كان في بلدة أخرى، أن موسى هو الذي ارتحل إليه، فكان له شريعة وذاك له شريعة. فكيف أدخلتموه ثم أخرجتموه؟ فهو ما داخل أصلا في قصته. والأمر الثاني والثالث والرابع وهو دليل كثيرة، لأن ما فعل الخضر ما كان خروج عن الشريعة أصلا. أفعال الخضر من تأملها كما قال علماء، ليس فيها خروج عن الشريعة. ما يتعلق بتكسير السفينة، قال علماء: هذه قاعدة معروفة، وهو أنك تفعل المفسدة الصغرى حتى تتحصى على المصلحة العظمى، كثيرة متواترة موجودة في شريعتنا، تفعل المفسدة الصغرى حتى تتحصى على مصلحة عظمى. وما يتعلق بقتل النفس، بقتل الطفل، كما قال علماء: إنما ذلك من باب دفع الصائل، دفع الصائل، هذا سيعتدي على والديه، فدفع شره بقتله إذا ما ارتدع بذلك. وما يتعلق ببناء الجدار، فقال علماء: هذا عبارة عن فعل معروف من غير أجرة، تفعل معروفا من غير أجرة، هل هذا خروج عن الشريعة؟ لا يا عبد الله، أنت اخرج إلى أرض الله الواسعة، افعل هذا، ابن سور بن غير أجرة، تشكر، تشكر. هذا خروج عن الشريعة؟ ليس فيه خروج عن الشريعة، وإنما التبرع بالأعمال الصالحة الخيرية، فهذا ليس فيه خروج أصلا عن الشريعة. حتى يأتي هؤلاء ثم يتناولون هذه المسألة الشرعية، يخالفون فيها الشريعة، فيقول: يجب لهذا الولي أن يأتي المردان أو أن يأتي النساء أو أن يترك الصلوات، أن يفعل منكرات خروجا عن شريعة نبينا، بحنا واسع بين استدلال وبين المدلول. فأخوانا في الله، فهذه المسألة ينبغي أن تكون بالحسبان، فنعلم أن الله جل وعلا ما حرمه يكون محرما اليوم، والدين وأما في قوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾، فاليقين هو الموت، كما قال العلماء، وكما قال المفسرون. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.