الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 79، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح معنى أهل الآثار والآثار ويبين أهمية التمسك بهم كمنهج السلف الصالح. يُؤكد على أنهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية.
يؤكد على ضرورة التمسك بمنهج السلف الصالح وتعظيمهم ومصاحبتهم لتحقيق الاستقامة. يشدد على أهمية عدم التناقض في تطبيق ذلك.
يُنبّه إلى أهمية المشاركة الفعّالة في عبادات وأعمال الصالحين وليس مجرد الاختلاط بهم. يُشدد على أهمية الأخذ عن أهل العلم والآثار.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس». في هذه الوجيزة، إخواني في الله، والتي تضمنت معاني كثيرة من المعاني المهمة التي من تنبه إليها علم أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد منها الشيء الكثير. ففي قوله رحمه الله تعالى: «وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس»، قوله رحمه الله تعالى: «وعليك بأهل الآثار»، من هم أهل الآثار؟ أهل الآثار، إخواني في الله، هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية التي جاءت هذه التسمية من الأدلة الشرعية، والفرقة الحقة قديمًا وحديثًا تسموا بأسماء وتلقبوا ببعض الألقاب، وذلك منهم من باب التميز عن المخالف. فتارة هم يتسمون بأهل الآثار، وتارة بأهل الحديث، وتارة بأهل السنة، وتارة يزيدون أهل السنة والجماعة، وتارة بالسلف الصالح أو بالسلفيين. هذه كلها معاني وألقاب ومصطلحات ليس لفرق وإنما لفرقة واحدة. قلنا: السر في تعدد هذه الألقاب أن أهل الفرقة الحقة رأوا أن وجود التسمية ووجود من ينازعهم في هذه التسمية، رأوا لابد من التميز. هم كانوا بإمكانهم أن يكتفوا باسم الإسلام، لكن وجدوا لنا الكثير والكثير من الفرق الضالة من نافست ومن زاحم أهل السنة بها اسم الإسلام، فتميزوا عن غيرهم بمثل هذه الألقاب. فهي ليست بدعة من المقال، بل هي لمصالح شرعية. وأجمع العلماء قديمًا وحديثًا على صحة هذه الألقاب، وأن مؤداها واحد. وكما ترون من تمعنا في هذه الألقاب، يرى أن ليس فيها تعصب لذواتهم أو تعصب لأشخاصهم، بل هي ترجع للإسلام وترجع للدين. أهل الحديث يرجع للسنة، السلف الصالح يرجع للسلف الصالح وما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. أهل السنة أو أهل السنة والجماعة أو أهل الأثر، كلها ترجع للدين، ليس فيها تعصب لذواتهم وليس فيها تعصب لأشخاصهم، بخلاف التسميات التي تسمى بها المبتدعة، فإن فيها تعصب لذواتهم ولأشخاصهم، وكذلك لبدعهم الذي خرجوا بها عن السنة. هذا ما يتعلق بقوله «وأهل الآثار». بقي ما معنى الأثر؟ الأثر، إخواني في الله، في اصطلاح العلماء يطلق تارة ويعنى به الآثار أو الأحاديث الموقوفة، الأحاديث الموقوفة مما جاءت عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تسمى بالآثار. فقد يحمل الآثار على من تمسك بما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهم السلف الصالح. ويحمل كذلك، ومن إطلاقات العلماء على أن الآثار تطلق كذلك على السنة. الأثر يطلق كذلك على الحديث وعلى السنة، كما ذكر ذلك جماع من الحفاظ كالحافظ بن حجر رحمه الله تعالى والنووي. وعلى هذا جرى جماع من العلماء كالطحاوي في مشكلة الآثار وشرح معاني الآثار. وأراد بالآثار هنا الأحاديث النبوية، أراد بالآثار الأحاديث النبوية. فالآثار تطلق على الأحاديث النبوية وتطلق كذلك على الأحاديث أو الآثار الموقوفة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وسواء قلنا بهذا أو قلنا بذا فلا إشكال، لأن إن أردنا بالآثار السنة فإن السنة تستلزم سلف الصالح منهج السلف. وإن قلنا بالآثار منهج السلف الصالح، فإن يتضمن الأحاديث والسنة. فكل منهما يلزم الآخر، فقول رحمه الله تعالى: «عليك بالآثار وأهل الآثار»، أي عليك بما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وما كان عليه صحبه الكرام. والمقصود بالآثار، إخواني في الله، وبالآخذ ما كان عليه سلفنا الصالح وما كان يتعلق بطريقتهم العلمية والعملية هذا المقصود. وليس المقصود بالآثار ما ظنه بعض الناس أنهم يتمسكوا بما كان عليه سلفنا الصالح في كل شيء. بعض الناس وجد فرقة على هذا الحال، يرى أن التمسك بمنهج السلف في كل شيء، لدرجة أنك تتأسى حتى في بيوتهم وفي مركوباتهم. ووجدت فرقة من الفرق المعاصرة في هذا الأزمان، لكن ظنها اندثرت والله أعلم بوجودها، أنهم لا يسكنون إلا في بيوت الطين، ولا يركبون إلا على البغال والحمير، ولا يركبون شيء إلا ما كان عليه الأوائل. هذا ليس بصحيح، لا نعني بالتمسك بالسلف الصالح مثل هذه الأشياء المادية المتعلقة بالأمور الدنيوية لا، إنما المقصود بالتمسك بالمنهج السلف الصالح ما كان يعني من معتقد ومن أفكار ومن منهج ومن طريقتهم العلمية والعملية. أم يتعلق بطريقة حياتهم وأنماط معيشتهم من السكنة، بعض الناس قالوا: ما أسكن أبدًا إلا في طين، ليش في طين؟ قالوا: هذا كان عليه سلفنا الصالح. ما شاء الله، طيب معك شيء لا، لا كهرباء، الكهرباء ما كان عليه سلفنا الصالح، وهذا يوجد، لا ثلاجات، لا غسالات، لا أبدًا، جاي من الكهربائيات والماديات. قالوا: هذا ما كان عليه أثر سلفنا الصالح، هل هذا هو المعني بقول أهل السنة بوجوب وينبغي التماس والتمسك بما كان عليه سلفنا الصالح مثل هذه الأشياء؟ إلا ما هذا كان يعنونه؟ بل سلفنا الصالح عندما اتعهم الله بأمور الدنيا، تمتعوا، سكنوا في بيوت ماذا؟ الجص والآجر، وسكنوا في البيوت الفارهة، وتمتعوا بالمركوبات بالبراذون ونحو ذلك مما وسع الله عليهم. فما ينبغي المسلم أن يحرم ما أحل الله له من الطيبات والمباحات. فالمقصود، إخواني في الله، وينبغي أن نعي هذا الكلام، المقصود بالتمسك بما كان عليه سلفنا الصالح ما كان عليه من الاعتقاد والمنهاج والطريقة والسلوك، هذا الذي نقصده. وقد توجد كذلك جماعة شبيهة بجماعة التي نحن بصددها، أنهم يقولون وطروا علينا بأفكار جديدة، وهي أن أي شيء مستحدث لا ندخله في الدعوة، أي شيء مستحدث لا ندخله في الدعوة، بحجة أن هذا ليس كان عليه سلفنا الصالح. تقول له مثلًا أخواني ما يتعلق بالإذاعة، يقول له: إذاعة هذا محدث ما نعرفه، مجلات يقول: هذا مجلات ما نعرفه هذا محدث، فما ينبغي هذا؟ هل هذا كان ما لم يكن في زمن سلفنا الصالح من هذا التطور المادي يحرم ويحرم على الخالق؟ ما هذا كان فهم سلفنا الصالح؟ ومن نظر إلى علمائنا من المعاصرين، لله درهم، هم في تمسكهم وتعظيمهم لمنهج السلف صالح، كيف كانوا مع الماديات؟ أخذوها واستغلوها في طاعة الله جل وعلا، وفي الدعوة إلى الله جل وعلا. فستوسعوا في مثل هذه المسائل ما يتعلق بالإنترنت والكمبيوتر وهكذا، ما يتعلق بالسيديات والإنبيثري والإذاعات والمجلات وغير ذلك، استغلوها، لكن أن تكون خالية من المحاضير الشرعية. أما أن يلغى من أصلها بحجة أن هذا ما كان عليه منهج سلفنا الصالح، هذا غير مستساق. والعجب أن أرى من أمثالها، والذي حرموا مثل هذه الأشياء، أن لهم مواقع، لهم مواقع في الكمبيوتر، يعني نقول: نفسه، من الغريب أنكم تمنعون على الناس الإذاعات وهذه، وأنتم دخلتم في أمر آخر وهو في الإنترنت ونحوه ذلك، هذا حرام، وهذا حلال، ما تناقض عجيب واضح في هذا الباب. وهذا ليس عليه مسلك منهج سلفنا الصالح، فنعيد ونكرر، إخواني في الله، ما يتعلق بتلك العبارات المأثورة قديمًا وحديثًا عن سلفنا الصالح بوجوب التمسك بما كان عليه سلفنا الصالح، أي طريقتهم عليه الطريقة العلمية والعملية والمعتقد والمنهاج والسلوب، أفكارهم تبقى تبقى حتى إلى قيام الساعة. لا نستبدل شيء عن طريقتهم في هديهم في طريقتهم، هذه الأفكار هي الأسة وهي اللبنة الأولى في الدعوة، لكن لا مانع أن تستغل مثل هذه الأشياء الماديات التي تستغل في طاعة الله جل وعلا، وليس فيها محظور شرعي. وعلى هذا فهم سلفنا وعلمائنا في هذه الأزمان، لله درهم. وكذلك مما يستفاد في هذا من هذه المسألة، إخواني في الله، في قول مؤلف: «إياك»، قال: «عليك بالآثار وأهل الآثار»، فيه صحة الطريق، من أراد أن يعرف صحة الطريق الذي هو يسير عليها، أن يرى هل هو على آثار سلفنا صالح أم لا؟ فهذا هو المقياس، وهذا هو المعيار. قد يتيك رجل تلاطط به الشبهات، وما يرى من النزاعات والاختلافات بين الجماعات وبين الدعاء في الساحة الإسلامية، فيقول: يا أخي أنا ما أدري، ما أنت بنت، تبع تعبت، هنا الجماعة ترفع الراية، وتلك الجماعة ترفع اللافتات، نحن على الحق، ونحن أهل السنة، ونحن كذا، فما المقياس؟ قل لي المقياس. هذا المقياس، يا عبد الله: «عليك بالآثار وبأهل الآثار»، هذا المقياس، من كان صادقًا في تمسكه بآثار السلف من مضى، متمسكًا على السنة، بالنواجد، آخذًا بمنهج سلفنا الصالح، على العين والرأس، فهذا هو السني، هذا هو صاحب الحق، فالتزم. أما أنك تأتي إلى جماعة تصرح أمامك، تصرح، يقول: نعم نحن لسنا على السلف صالح، سلفنا الصالح لهم تفكيرهم المتعلق بتلكم الأزمان، ونحن لنا تفكير آخر في هذا الأزمان، هذا واضح، هذا إشارة على انحرافه وخروج عن الجادة وخروج عن الجادة على الصلاة المستقيم. وكم من الفرق لتصرح بهذا، الأشاعرة والماتوريدية من تلق الفرق الضالة، تصرح بميلء الفم، يقولون: منهج السلف أسلم، ومنهج الخلف أعلم وأحكم، هذا واضح أنهم قد خرجوا عن الجادة، الذي يصرح، وليحاول أنه ماذا؟ يحسن منهج السلف بالمقابل، يعظم منهج المتأخرين، يقول: منهج السلف أسلم، لكن منهج الخلف المتأخر أعلم وأحكم، هذا الضال، لأن هذا ليس فيه تمسك بالآثار، وليس فيه تمسك بما مضى، بل هذا خروج عنهم، خروج عنهم. وهكذا، إخواني في الله، بهذا المقياس، وهذا المعيار، تتميز عن باقي الجماعات والفرق، أنك تعرف الطريق الحق، يا عبد الله، بمن وصادق في تمسكه بالسنة، وتمسكه كذلك بمنهج أهل السنة في عقائدهم، في عباداتهم، في معاملاتهم، في منهاجهم، في أخلاقهم، في سلوكياتهم، هذا المقياس. كما قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: «عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس»، هذا المقياس، «عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس». كذلك مما يستفاد، إخواني في هذا المقياس أو في هذا الفقر، من كان مؤلف رحمه الله تعالى ضرورة الالتصاق بأهل السنة، ضرورة الالتصاق بأهل السنة. أنت يا عبد الله، كما أنك معظم لمنهج السلف، عظم يا عبد الله لأتباع السلف، فإن هذا من التلازم، فلا تكتفي فقط بأنك سني سلفي على الجادة، وأنت مبغض لأهل الحديث. يقول قتيبة رحمه الله تعالى: «قال: من أحب أهل الحديث فهو من أهل السنة»، من أحب أهل الحديث، فإنه من أهل السنة. فكونك تتخذ هذا الطريق وتبغض أهله، هذا من التناقض، هذا من التناقض. ولهذا ناسب في عبارة المؤلف رحمه الله تعالى أن يلحق هذا بهذا، فقال: «عليك بالآثار وأهل الآثار»، جمع بين الأثر وبين أهل الأثر. فأنت يا عبد الله، إن كنت صادقًا في حبك لمنهج السلف، عليك أن تعظم السلف، ألا يكون حالك حال بعض الجماعات المعاصرة في هذا الأزمان، يملأ شدقه ويملأ الدنيا صراخًا وعويلة بأنه على المنهج الصافي، وأنه على المنهج النقي الخالي، وأنه على منهج السلف الصالح، وهو كم يقال: لسانه من جهة أخرى، سباب، شتام، لعان، مغتاب، نمام، لعرض علمائنا وسلفنا الصالح، ينتقص هذا وينتقض ذا. فهذا، إخواني في الله، ليس على الطريق المستقيم، فإن الطريق المستقيم الحق أنك ماذا؟ تعظم السلف، تعظم منهج السلف وتعظم السلف. نحن لا نبرئ السلف أنهم معصومون، وأنهم قد برئوا من الوقوع في الأخطاء، لا، هم بشر، يقع من الخطأ. لكن مع خطأهم، وإن احتيج إلى ذكر أخطائهم، تبقى ماذا؟ المكان في قلوبنا، تبقى المكان في قلوبنا. أمنك إذا عثرت على خطأ لأحد من الناس، رميته ورميته في المقابر ودفنته وتخلصت منه، ثم تأتي الآخر وقع في خطأ، برع ليس من السنة ولا من أهلها، هذا ليس من تعظيم السلفنا الصالح. فأنت يا عبد الله، كما أنك تعظم المنهج، عظم سلفك الصالح. وفيك أخذك، إخواني في الله، فيه مصاحبة الأخيار بشكل عام، أنك تصاحب أهل الأخيار في كل أمورك يا عبد الله. وقد حث نبينا صلوات ربي والسلام عليه على هذه المصاحبة، فقال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، وليأكل طعامك إلا تقي»، كما قال علماؤنا الخطابي وغيره: أننا في ذلك شدة الحث والحض على أنك يا عبد الله تحاول أن تعاشر في حياتك، في ذهابك وإيابك، وفي سفرك وترحالك، أن تماشي الأخيار، أن تماشي الأخيار الصالحين، وخاصة من أهل السنة. فإنهم لله درهم من أعظم الناس نصحًا لك، فإن أخطأت أرشدوك، وإن جهلت علموك، وإن نسيت ذكروك، وهم كذلك دوى عليك على هذا الحال معك، حتى يرشدوك إلى الطريق الصحيح. ومن حرف من انحرف من كثير من الناس، إلا بعدما مصاحبتهم للأشرار، ومصاحبتهم كذلك لمن لا ترضى سيرته ولا يرضى كذلك دينه. وهنا فائدة أخيرة، أنت أختم بها المقام، وهي نبهى عليها المؤلف، ويشكر على هذا التنبيه، وهذا دل على ذكائه وعلى فطنته رحمه الله تعالى، قال في آخر كلامه: «قال: وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس». أنبئ إخواني في الله على هذه المسألة، وهي مسألة دقيقة جدًا، قد تخفى على كثير من الناس، وهي لا شك وريب أن الأصل أن المسلم إذا أراد النجاح من الدنيا في الدنيا والآخر، وأراد النجاح من الشبهات والشهوات، لا شك أن السبيل الأقوم، يا عبد الله، ومن السبل الكفيلة باستقامتك، أنك تماشي الأخيار وتماشي الصالحين، ومن كان من أهل السنة من أمثالهم وأضرابهم. لكن هناك مسألة، وهي ما المقصود بالمجالسة والمصاحبة؟ كثير من الناس قد يقول: كوني أني أحشر نفسي معهم، هذا يكفي، يعني يقول: أنا أتخلل بين صفوفهم وأبقى معهم وأذهب وأجيء وإياهم، فهل هذا المقصود الصحيح من الأخذ والمصاحبة الأخيار؟ أنك تكتفي يا عبد الله بهذه المجالسة والممشاء العامة؟ لا، يا عبد الله، هذا ليس بصحيح، وهذا من الأخطاء في التربية. يوجد وهذا قد وقع في كثير من جماعات المعاصرة ممن لا تعتني بالتربية الصحيحة، أن يأتيها الرجل الذي يكون قد بلغ من الفجور مبلغه، من الضياع والخروج عن الجادة، ثم يرجع إلى الإسلام ويرجع إلى المساجد، فإذا انضم إلىها أمثال تلك الجماعة وتلك الجماعة الذي ما تهتم بالتربية، إذ به تهتم بماذا؟ بأنه يبقى معهم في الأمور العامة، وهو يريد هذا، أجل الأمور العامة معنا مباراة، أنا معكم، معنا رحلة، أنا معكم، معنا تمشي، أنا معكم، يذهب معهم، فيظن أن كونه معهم في مسمى ومستقيم، أو مع المسجد الفلاني ومع المسجد الفلاني، من دون أن يأخذ من علمهم، من عبادتهم، من تعبدهم، من منهجهم، يظل أن هذا يكفي. لا، يا عبد الله، هذا ليس بكافي، هذا ليس بكافي. المقصود يا عبد الله عندما تستفيد، تأتيك الآثار والنصائح والتوجيهات من العلماء في أنك عليك أن تماشي الأخيار، لا أنك فقط تحشر نفسك معهم هكذا، تكون عالي عليهم، لا، يا عبد الله، المقصود أنك تمشي معه وتأخذ منهم، خذ، لا تأخذ من لعبهم، لا تأخذ من سمرهم، من مسرحياتهم، من ألعابهم، هذا قد ينفى أحيانًا، لكن ليس التربية. وإنما إن أردت أن تستقيم معهم، فخذ من تعبدهم، انظر إخواني في الله إلى هذه الحكمة، وأخذ من نبينا عليه الصلاة والسلام في قصة ذاك الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وقتل هذه الأنفس الكثيرة، وأراد أن يتوب إلى الله التوبة النصوحة، دل على عابد، فوفق دل على عالم. انظر إلى فطنة هذا العالم، العالم رأى أن السبب ضلاله واستمرار هذا الرجل في الضلال والهلاك، أنه في بيئة فاسدة، ما الذي أمره؟ نبه على أمرين اثنين، ولم يفصل بينهما، من أراد الثبات عليه بالأمرين اثنين، أولًا بالحق، بأهل الصلاح، قال: اخرج من قرية، فعليك بالقرية الفلانية، هذا واحد. فإنه فيها قومًا يعبدون الله، هذا لابد لمن أراد أن يغير من طبعه، من أخلاقه، من سلوكياته، غير البيئة، غير عتبة بيته، غير بيئتك يا عبد الله، إلا بيئة صالحة، وناس أخيار، أهل مساجد، أهل الذكر، أهل الصلاة، هم سيغيرونك. هل هذا فقط؟ لا، انتبه، الأمر الثاني، قال: فإنهم يعبدون الله، الثاني: فاعبد الله معهم، فاعبد الله معهم، لابد، مو أنك تأتي يا عبد إلى قرية صالحة، ما شاء الله، إيش القرية؟ هذه الصلاة، الأذان في كل مكان، والمساجد يصلون، وأنت لا تصلي، وأنت لا تذكر الله، وأنت ما عندك حظ لا من نوافل، لا من العبادات، ما ستأتيك الاستقامة؟ صحيح أنت موجود، قد تسلم، قد تسلم أنك بعيد من الفتن، لكن ستأتيك الأمراض الداخلية، فما هو العلاج؟ العلاج أنك تدخل نفسك معهم، وتأخذ منهم من عباداتهم، فاعبد الله معهم، اعبد، كن لك ماذا يفعلون العبادات؟ اعبد الله معهم، شاركهم في العبادات. وهكذا، عبد الله في حق التائب، التائب الذي جاء من بعيد، ودخل مساجد السنة مثلًا، والمساجد من شكل عام، أراد التوبة، فما ينبغي يدخل ويخرج من باب، يقول: الحمد لله أنا من أهل المساجد، إيش دليل؟ يقول: الله، يدخل من هذا الباب ويخرج من ذاك الباب، إيش هذا الاستقامة؟ صحيح أنت وفقت لهذا المساجد، لكن أين من عباداتك؟ أين من صلواتك؟ أين من النوافل؟ الطاعات القربات؟ لا، خذ حتى تستقيم على دين الله. ولهذا لما جاء ذاك الصحابي لنبينا، قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، طلب طب ما العمل؟ خذ، قال: «فاعني على نفسك بكثرة السجود»، قم بشيء من عمل، لا بد لك تعمل، تعمل. وهكذا، إخواني في الله، إن خرجنا في باب الاستقامة، نرجع إلى باب العلم، إلى باب العلم، الواحد من إخواني في الله قد يوفق، يوفق يخرج من أرض الدنيا، يخرج من الملهيات من المشاغل، فيوفق إلى مراكز العلم وإلى حلقات العلم، يوفق. لكن تنظر إلى حال هذا الذي تسمى بأنه طالب علم، هل هو في الحلقات العامة؟ لا، هل هو في الحلقات الخاصة؟ لا، هل هو له بحوث شخصية؟ لا، لا، لا، كيف تكون طالب علم؟ كيف ستستمر على طلب العلم وأنت خال الوفاض؟ ما عندك شيء يبقيك على طلب العلم؟ وهذا، إخواني، من الغرائب، ما يمكن هذا. كونك يا عبد الله إن وفقت إلى بيئة معينة، إن أردت أن تكون من أهلها، فخذ منهم، خذ منهم، وإلا فانفعنا أن الجدران ما تنفعك، الجدران ما تنفعك، حتى لو كانت ماذا؟ لكم عبرة، ولأننا عبرة، جميعًا في قصة جرير، جريج العابد الزاهد، قصة طويلة مع مؤدى، لكن أنبئ على هذه الفائدة. البغي ذهبت إلى جريج إلى صومعته إلى صومعته، ما الذي فعل؟ قام جريج وطردها، خرجت، ذهبت إلى راعي غنم، راودته نفس المراودة، راودته، وقع بها، فعل بها الفاحشة. نأتي الآن إلى التشخيص، هذا جريج، وهذا راعي غنم، من العجيب في بعض الروايات في مسند الإمام أحمد، أن هذا الراعي كان يأوي إلى صومعة جريج. هنا الفائدة، وهذه الراعي صحت لها دلالة عظيمة جدًا في هذا الباب، أن هذا الراعي يأوي إلى صومعة جريج، يرعى الغنم في النهار، فإذا تعب يأتي إلى جريج ويأوي عنده، هذا الراعي وفق إلى الدخول إلى الصومعة، طيب جريج والراعي في داخل الصومعة، طيب كيف هم في مكان واحد في بيئة إيمانية صومعة؟ لماذا جريج استطاع أن يدفع الشبهات والشهوات، وهذا ما استطاع؟ يأتي هنا الفارق، أن جريج له عبادات، كان يصلي، يذكر ربه جل وعلا، يؤدي عبادات، كان محصن. أما الراعي مشغول بدنياه. فالجدران يا عبد الله ما تنفعك، الجدران ما تنفعك، أنت أين أنت؟ أنه والله في مركز الفلاني، ما شاء الله، وأنت من مركز الفلاني، طيب هل اسم المركز ينفعك؟ طيب نأتي الأول، أنت كيف عملك في المركز؟ والله دروس عامة، أحضر دروس الخاصة، ألخص لي بحوث، لي كتب، لي مراجعات، ما عندك شيء، لا هذا ولا ذاك، ما ينفعك. الجدران ما تنفعك، الأسماء العامة ما تنفعك يا عبد الله. فينبغي أن نفع مثل هذه العبارات. ولهذا، إخواني في الله، من تأمل في عبارة المؤلف رحمه الله تعالى، يرى أن الرجل قد وفق في هذه العبارة، فقال: «وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس»، تقتبس يا عبد الله، أنك لا تقتبس شيء منهم، إذا ما الذي ينفعك في طلب العلم؟ وما الذي يثبتك في هذا المضمار؟ فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.