الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 82، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
دعوة الله تعالى للخلق إلى عبادته ومن ثم هداية من يشاء للإسلام تفضلا منه، وتحقيق التوحيد هو أعظم مقامات الإسلام.
فضل تحقيق التوحيد والإسلام يكمن في مضاعفة الأجر للمؤمنين الصادقين وتحصيلهم لنور يمشون به ومغفرة ذنوبهم، وتحقيق التوحيد يحمي المسلم من الشبهات والرذائل.
ينبغي على المسلمين شكر الله على نعمة الإسلام والهداية إليه، والله تعالى قادر على أن ينفعنا بما نقول ويجب الثناء عليه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أن الله تبارك وتعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته، ومن بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلا منه. في هذه الفقرة، إخواني في الله، اجتمعت عدة مسائل نعرج عليها سريعًا. في قوله رحمه الله تعالى: واعلم، قد مر معنا أن هذا الأسلوب من أسلوب الخطاب، والذي يراد به الدلالة على أهمية الموضوع، فكلمة "اعلم" يؤتى بها للتنبيه على أهمية ما سيأتي. وقوله رحمه الله تعالى: رحمك الله، هذا كما يقول العلماء: إن دل على حسن سريرة المؤلف، على حسن سريرة المؤلف. وهكذا هم الدعاء، وهكذا هم العلماء، أنهم يكنون للخلق الرحمة فيدعون لهم بالرحمة والمغفرة، وذلك من حسن سريرتهم. وقوله رحمه الله تعالى: أن الله تبارك وتعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته. نعم، ربنا ما خلق الخلائق من إنس ولا من جن إلا لهذه المقام العظيم، ومقام العبودية. قال جل في علاه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. بل إن الله جل وعلا أمر الناس بعبادته، قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾. وقد قال العلماء: إن هذه الآية هي أول آية فيها أمر من نظر في القرآن وفي المصحف، فإن أول آية فيها الأمر من أوامر الشريعة الأمر بعبودية الله جل وعلا. قال جل في علاه: ﴿يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾. فقال: أن الله تبارك وتعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته، ومن بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلا منه. التفضل من باب الإكرام والإعطاء، فربنا جل وعلا تكرم على بعض عباده أن من عليهم بالإسلام فضلا منه ومنه جل في علاه. أن هدى ذاك للإيمان، وأن هدى ذاك للإسلام، وأن هدى ذاك للعمل الصالح، وذلك من الله جل وعلا. وهذا المقام، إخواني في الله، متى ما استشعر به العبد، يتوجب عليه أمور، من ذلكم أنك تكثر من حمد الله وشكره، أنك تكثر من حمد الله وشكره على أن هداك لهذا الدين، وأن هداك للصراط المستقيم، لا بحولك ولا بقوتك، هو جل في علاه، منه وإليه، من عليك بهذه النعمة الجليلة، ما جعلك كافرًا، ما جعلك مشركًا، ما جعلك وثنيًا تموت على الضلالة، تموت على الكفر، وإنما من عليك بالإسلام تفضلا منه جل وعلا. فعلينا بحمد الله جل وعلا وشكره، ولهذا كان من دعاء المؤمنين: "الحمد لله الذي هدانا لهذا". فربنا جل وعلاه، الحمد من قبل ومن بعد على ذلك، فهو الذي ماذا؟ حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا. وكذلك يتوجب عليك، يا عبد الله، أن لا تغتر، أن لا تغتر بهذا الدين إذا علمت أنه من الله جل وعلا، فلا تغتر ولا تغتر على ربك بعباداتك وطاعاتك. يمنون عليك أن أسلموا، قل: لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. فالمنة لله جل وعلا وحده، هو الذي هدانا، هو الذي حبانا بهذه النعمة، فلا تغتر، يا عبد الله، كحال بعض الناس إذا أمر وأرشد باستكمال دينه بفعل الواجبات والطاعات، إذ يقول: يكفيني أني فعلت كذا، ويكفيني أني فعلت كذا، بل يكفيني أني من المسلمين، وأني كثرت من سواد أهل الإسلام. لا، يا عبد الله، لا تغتر على ربك، ولا تغتر على عباد الله، وإنما المنة لله جل وعلا، هو ربنا، هو الذي حباك، وهو الذي اصطفاك. فقوله رحمه الله تعالى: ومن بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلا منه. وبه، يا عبد الله، تعرف إذا علمت فضل الإسلام على أهله، الإسلام له أعظم فضل، وله أعظم منة على عباد الله ممن اعتنقوا الإسلام في الدنيا والآخرة. أكم هي الفضائل التي جعلها ربنا جل وعلا في حق المسلمين؟ يقول جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم﴾. هذه الآيات استفاد منها العلماء، واستدل بها العلماء على أن فيها من مناقب ومن فضائل ومن الكرامات التي أعدها الله للإسلام وللمسلمين. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته﴾، يؤتكم كفلين، أي حظين عظيمين من رحمته. قال العلماء: وفيه دلالة على أن المسلم يضاعف له الأجر، وذلك في حق المسلم الذي حسن إسلامه، ليس المسلم المشوش أو المضيع لحدود الله جل وعلا، أو الذي قد عطل الكثير من أحكام الدين. لا، إن كنت مسلمًا، يا عبد الله، حقًا وصدقًا، مستمسكًا بهذا الدين، فابشر بهذا البشارة، أن الله جل وعلا يضاعف لك الأجر ويضاعف لك المثوبة. ﴿يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به﴾. هكذا المسلم إذا كان صادقًا في إسلامه، حقق مقامات التوحيد، فإن الله جل وعلا يجعله نورًا يمشي به، نور إما أنه نور العلم، أو نور اليقين، أو نور البصيرة. المهم أن الله يجعلك في الدنيا لا تتخبط، لا بين ظلمات الشبهات، ولا في مستنقعات الرذائل، وإنما تكون على بصيرة، على يقين من أمرك. كم من أناس ربما هم كما نسميهم في هذه الأزمان عامة، لربما درس شيء من علم الشريعة ومن علم الدين، لكن لأنه حقق الإسلام في قلبه، وحقق الإسلام في واقعه، إذ أن الله جل وعلا جعله نورًا في كل شيء. تأتيه الشبهات يخرج منها سالمًا مسلمًا، تقع وتأتيه الرذائل والشهوات من كل مكان وينجو منها، تأتيه الصعوبات والابتلاءات وهو صامد، وذلك لأنه حقق التوحيد، فجعله الله نورًا يمشي به، نورًا يمشي به، لا يقع فيه ذا ولا ذاك. بخلاف الذي من كان مسلمًا لكن ادعاء، وقد بطل وعطل الكثير من أحكام الشريعة، فهذا الذي يتخبط في دينه ودنياه. لكن من كان مؤمنًا بالله، مؤمنًا برسول الله، حقق التوحيد، فإن الله جل وعلا يجعل له نورًا يمشي به. حتى أن الكفار أعداء الدين لربما يحتارون في أمرك، كم استطاع الكفار من يهود ونصارى أن يضيعوا الكثير من الأمم، وأن يصرفونهم عن دينهم، استطاعوا على الوثنيين، استطاعوا على المجوس، استطاعوا من لا دينيين أن يجعلهم على دين النصارى أو دين اليهود بطرق التبشير والاستشراق. لكنهم تعبوا أيما تعب مع أمة محمد عليه الصلاة والسلام، هذه الأمة المؤمنة المسلمة التي صدقت مع ربها في دينها وتمسكها. كم أتعب ذلك الكفار، بذلوا الأموال الضخمة والعتاد العظيمة، وجندوا الكثير الكثير من الأحبار والرهبان من علماء من علمائهم ومن مفكريهم ومن فلاسفتهم، علّ وعسى أن يجروا الأمة للكفر، فما استطاعوا لذلك سبيلا. لماذا؟ لأن من حقق التوحيد وأصبح مستسلمًا لله جل وعلا، فإن الله يجعله نورًا، ومن ذا الذي يطفئ النور الذي أضاءه الله لعباده؟ لا أحد أبدًا. وقال ربنا جل وعلا: ﴿ويغفر لكم﴾. كذلك من حقق الإسلام، يا عبد الله، وهذا من أعظم المنن والفضائل التي جعلها الله للمسلمين، أن الله جل وعلا يغفر لهم الذنوب مهما عملت من ذنب، إن الله سيغفر لك، لكن متى كنت مستمسكًا بدينه، معظمًا لحدوده، كنت قائمًا على حدود الله، ومحققًا لتوحيد الله، ولتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. يقول ربنا جل وعلا في مطلع الآية: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات﴾ إلى آخر الآيات. قال ربنا جل وعلا: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾. منهم المسلمين، إذا كان العبد مسلمًا والمرأة كذلك مستسلمة لأوامر الله ولشرع الله، فإن الله يغفر عنهم الذنوب. وفي الحديث القدسي: "ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة". هذا في حق من حقق التوحيد والاستسلام. ولا أخفاكم، إخواني، في قصة ذاك الرجل الذي أتى بتلكم السجلات العظيمة، تسعة وتسعين سجلة على مد البصر، فيها من الذنوب وفيها من المعاصي ومن المخالفات والحرمات والمحرمات، حتى أنه يستيئس يستيئس من نفسه، ويئس من أمره. إلى أن الله جل وعلا يخرج له بطاقة، فهو ماذا؟ فهذا العبد لا يرى أن هذه البطاقة تنفعه أمام تلكم السجلات، لكن إذ بهذه البطاقة والتي فيها كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، إذ بهذه الكلمة تطيش بالسجلات، تطيش بالسجلات، فما تستطيع أن تثقل مع الله جل وعلا. قال العلماء: هذا ليس في حق كل من تلفظ بلا إله إلا الله، إن من تلفظ بها وحققها، فإن حققت هذه الكلمة، يا عبد الله، وحققت التوحيد والإسلام، فإنك، يا عبد الله، تكون حينها من الذين يشتملهم ربنا جل وعلا تحت مغفرته. فهذا قول رحمه الله تعالى: وَاعْلَمْ رَحِمَكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دَعَا الْخَلْقَ كُلَّهُمْ إِلَى عِبَادَتِهِ وَمَنَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ بِالْإِسْلَامِ تَفَضُّلًا مِنْهُ. ولا يعني ذلك، يا عبد الله، بعد من تعلم أن الإسلام هو مننا من الله جل وعلا، أنك لا تبقى على ضلالك أو تبقى على كفرك أو تبقى على شركك، وإنما يسعى المسلم يسعى لدين الله جل وعلا، كما أن الهداية بيد الله جل وعلا، فإنها لا تنال إلا بأسبابها، لا تنال إلا بأسبابها. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فلا بد، يا عبد الله، من المجاهدة إلى أن تصل إلى مراد الله جل وعلا. والإسلام، يا عبد الله، هو إفراد الله بالتوحيد، وهذا من أعظم مقامات الإسلام، ما يمكن أن يكون عبد مسلمًا لله وهو مشرك أبدًا. وهذا من التناقضات العظيمة العجيبة في هذه الأمة، أن تجد أحدًا من المسلمين لربما هو في شرك وهو في كفر، ومع ذلك يرى نفسه أنه لا زال في سلك الإسلام، ولا زال مع عباد الله المسلمين. لا، يا عبد الله، ولهذا فسر العلماء الإسلام بأنه الاستسلام لله بالتوحيد، هذا أول ركن من أركان الإسلام، الاستسلام لله بالتوحيد، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾. ولله يدرك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لو عبارة نافعة ماتعة في هذا الباب، يبين فيها رحمه الله تعالى أن بالإسلام يخرج المشرك والكافر، وأن الإسلام لا يلتقي مع المشركين ولا مع الكافر. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما في التدمرية: وحقيقة الإسلام وحقيقة الإسلام هو الاستسلام لله وحده، توحيد الاستسلام لله وحده. قال: فمن أسلم له ولغيره فهو مشرك، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته. ثم قال: والمشرك والمستكبر عن عبادته في النار مباشرة. فأراد رحمه الله تعالى بهذا التأصيل أن يبين أن الاستسلام يقوم بالتوحيد. قال: حقيقة الإسلام الاستسلام لله وحده، تستسلم لله وحده جل وعلا، في أعمالك، في أقوالك، في مقاصدك، في نياتك، في أبصارك، في جوارحك، في ليلك، في نهارك، في حياتك. أعظم مقام مقام التوحيد، أن تجعل أمرك لله جل وعلا. قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. وقل: ومن العباد من هذا حاله؟ لا تظن، يا عبد الله، أن التوحيد كلمة تقولها بالألسن: أنا موحد وكفى. لا، يا عبد الله، هي حقائق، فالناس تفاوتوا في التوحيد كتفاوت المشرق عن المغرب. أنك تستسلم لله ظاهرا وباطنا، صدقا وحقا لله. يقول شيخ الإسلام: وحقيقة الاستسلام أن تستسلم لله وحده. ثم قال: فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك، تجعل هناك أندادًا مع الله، وثن كحال الكفار من كفار قريش وكفار العرب. أو تجعل هناك ندًا لله من نبي كما فعل النصارى واليهود، جعلوا موسى وعيسى أندادًا مع الله، هذا شرك. أو كذلك تجعل بعض الأولياء من قبور ومن قباب كحال بعض عباد القبور، فهذا كذلك شرك. إذا استسلمت لله ولغيره فإنك مشرك، أو أنك لم تستسلم لله، وهذا الكافر، وهو المستكبر عن عبادة الله، الذي يبقى في هذه الدنيا بلا دين ولا ملة ولا ذمة ولا قبلة، فهذا المستكبر عن عبادته، فهذا كذلك ليس مستسلمًا. واسم المسلمين. ثم قال شيخ الإسلام: والمشرك به والمستكبر عن عبادته في النار. فإخواني في الله، فينبغي أن نعلم أن الإسلام من عظيم من الله جل وعلا، ينبغي أن تلهج الألسن بحمد الله وبشكره، وثناء عليه، أن وفقنا لهذا الدين، والذي لولا ما هدانا الله لهذا الصراط المستقيم. <redacted_mention> أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.