شرح السنة للإمام البربهاري 80

شرح السنة للإمام البربهاري 80

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 80، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام الخوف من الله تعالى وتأكيده في الإيمان

أشار المؤلف إلى أهمية مقام الخوف من الله تعالى كشرط من شروط الإيمان، وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في هذا الباب. الخوف من الله يحافظ على سلامة القلب حسب قول بعض السلف.

توازن الخوف والرجاء والمحبة في العبادة

يجب على المسلم أن يتعبد الله بالخوف والرجاء والمحبة معاً، ولا يغفل أحدها. هناك اختلاف آراء العلماء في أيهما ينبغي أن يغلب على الآخر في الدنيا.

تحذير من الشرك في الخوف ووجوب إفراده لله

يشرح المقطع أهمية الخوف من الله وحده وخطورة صرفه لغيره، ويحذر من الشرك الأكبر. الخوف لله وحده هو عبادة جليلة.

طريق الخوف والحزن والحياء من الله وتطبيقه العملي

يصف المؤلف طريق الخوف والحزن والحياء من الله كأحد الطرق الأسلم، مستشهدا بحديث عبد الله بن مسعود. يسأل المؤلف الله أن ينفعنا بما قاله ويختم بالصلاة على النبي محمد.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال واعلم أنه ما عبد الله بشيء بمثل الخوف من الله، وطريق الخوف والحزن والشفقات والحياء من الله تبارك وتعالى. في هذه الفقرة أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى مقام عظيم من مقامات الدين، وإن المقامات الرفيعة ومن المقامات السامية التي أمر الله جل وعلا بها وأرشد إليها، بل جعلها ربنا جل وعلا شرطا من شروط الإيمان، ألا وهو مقام الخوف، أي خوف الخوف منه جل في علاه، كما قال جل في علاه: ﴿ وخافوني إن كنتم مؤمنين ﴾، فجعل ربنا جل وعلا من شرط الإيمان الخوف. ولمن خاف مقام ربه جنتان، وقال جل في علاه: ﴿ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ﴾، فالآيات في هذا الباب كثيرة، والأحاديث مستفيضة في هذا الباب في ذكر شأن الخوف من الله جل وعلا، وأن الرب جل وعلا ما عُبد بمثل الخوف، حتى قال من قال من السلف رحمه الله تعالى: "ما فارق الخوف قلبا إلا خرب"، أي أن القلب إذا كان خاليا من الخوف من الله جل وعلا فإنه يخرب. والعلماء عندما يذكرون مسألة الخوف لا يقصدون بذلك أنك تتعبد الله جل وعلا بالخوف وحده، فإن هذا مما يعاب أنك تتعبد الله بالخوف وحده، ولهذا قال من قال من سلفنا الصالح: "من عبد الله بالمحبة وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئي، ومن عبد الله بالمحبة والخوف والرجاء فهو المؤمن". فالأصل إخواني في الله أنه لا بد أن يكون لك في قلبك شيء من الخوف من الله جل وعلا، وليس معنى ذلك أنك تنفرد بالخوف، وإنما ينبغي أن يكون لك خوف، وهناك رجاء، وهناك محبة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وما حفظت حدود الله ومحارمه ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، ومتى ما خل القلب من هذه الثلاثة فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا". إذن لا بد من الخوف كذلك مع الرجاء كذلك مع المحبة، هذه الأشياء لا بد أن توجد في القلب، ليس الخوف وحده، بل الخوف مع الرجاء مع المحبة. تأتي مسألة أخرى وترتبط بهذه المسألة، وهي الأصل أن هذه الأشياء توجد في القلب، لكن أيهما يغلب على العبد، هل يغلب الرجاء على الخوف أو يغلب الخوف على الرجاء؟ اختلف نظر العلماء في هذا الباب. فمن أهل العلم من يرى أن العبد في الدنيا ينبغي أن يغلب جانب الخوف على جانب الرجاء، ومن العلماء من يرى أن المسلم في الدنيا ينبغي أن يغلب جانب الرجاء على الخوف، ومن أهل العلم من قال بأن العبد ينبغي أن لا يغلب هذا على ذاك، وإنما يجعلهما كالجناحين يطير بهما إلى الله جل وعلا. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في عبارة لطيفة في هذا المضمار: "والقلب في سيره إلى الله جل وعلا كالطائر، فالرأس محبته، والجناحان الرجاء والخوف، فمتى ما سلم الرأس والجناحان فإن الطائر جيد الطيران، ومتى ما قطع الرأس مات الطائر، ومتى ما فقد الجناحان كان عرضه لكل صائد وكاسر". فالأصل إخواني في الله أن العبد في هذه الدنيا كما أنه يشغل قلبه بخوفه من الله جل وعلا، كذلك يشغل جانب الرجاء لله سبحانه وتعالى. والخوف إخواني في الله مع أنه عبادة جليلة من أعظم العبادات، إلا أنها قد تبلغ بالعبد إلى درجة الكفر والشرك بالله إذا صرفت لغير الله سبحانه وتعالى. فمن خاف من مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا من الشرك الأكبر المخرج من الدين والملة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "فمن ساوى بين الخالق والمخلوق في الخوف والمحبة والرجاء فإنه مشرك". ومن صور الشرك أن العبد يخاف من الأموات مطلقا، وهذا ما يسميه بعض العلماء بخوف السر. فإذا كان العبد يخاف من الأموات مطلقا، وما يسمى بخوف السر، فإن هذا أيضا من الشرك الأكبر الذي به يخرج العبد من الدين والملة. ومن الخوف الشركي ما يتعلق بأنك تخاف من أحد لدرجة أنك تقع في الشرك بأن تصف له الطاعات والعبادات، مثل كمن يخاف من الجن لدرجة أنه يذبح لهم، فهذا من الشرك. فالحاصل إخواني في الله أن الخوف يكون عبادة جليلة إذا صرف لله وحده جل في علاه، أما إذا صرف لغير الله كما ذكرنا في الصور الماضية، فإن ذلك يكون من الشرك الأكبر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "واعلم أنه ما عُبد الله بشيء مثل الخوف من الله". قال وطريق الخوف والحزن والشفقات والحياء من الله تبارك وتعالى، أي أن هذا الطريق من الطرق الأسلم كما يرى المؤلف رحمه الله تعالى. ولعل المؤلف رحمه الله تعالى أراد ما جاء في السنن من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا قال عليه الصلاة والسلام: «استحيوا من الله حق الحياء، ومن استحى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى». فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.