الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 84، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش المؤلف أحكام الكسب والمال الحرام، ويقسم الكسب إلى حلال وحرام ومشتبه، ويشرح شروط الانتفاع بالمال الحرام عند الضرورة. يبين أن الأصل في المكاسب الإباحة.
يتناول المقطع الجمع بين أدلة ذم المسألة وجواز جلوس طلاب العلم على الصدقات إذا لم يكن نتيجة طمع أو إلحاح، ويوضح شروط ذلك.
يجوز إعطاء طلاب العلم من مال الزكاة إذا كانوا بحاجة لذلك ليتفرغوا لطلب العلم، وقد أجاز ذلك العلماء قديما وحديثا.
يبين جواز أخذ العطايا من غير سؤال ويختم بالدعاء والصلاة على النبي، ويشير إلى أن رزق طلاب العلم يأتي من الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والمكاسب مطلقة، ما بان لك صحته فهو مطلق إلا ما ظهر فساده، وإن كان فاسدا يأخذ من الفساد مسيكة نفسه. لا تقول أترك المكاسب وأخذ ما أعطوني، لم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: كسب فيه بعض الدانية خير من الحاجة إلى الناس. في هذا الفقر، إخواني في الله، والمؤلف رحمه الله تعالى في الفقر السابع تكلم حول ما يتعلق بالمال الحرام، فناسب أن يذكر المسائل المتعلقة بالمعاملات. هذه الفقرة اجتمعت على عدة مسائل، ومن أهم مسائل الفقرة الأولى ما يتعلق بالكسب، ويعني بالكسب أي الاكتساب، أي أن تكتسب مالا وأن تكتسب مهنة وحرفة. نبه المؤلف رحمه الله تعالى إلى مسائل سريعة متعلقة بأمر الكسب، فقال رحمه الله تعالى: والمكاسب مطلقة. يحمل كلمة مطلقة هنا على أنها مباحة وأنها حلال، وهذا الأصل في المعاملات الإباحة والحل. فالمكاسب مطلقة، ثم قال: ما بان لك صحته فهو مطلق إلا ما ظهر فساده. هنا المؤلف رحمه الله تعالى عندما نبه على مسألة الأصل وأن الأصل في الكسب الحل، نبه إلى أقسام الكسب، وأن الكسب ينقسم إلى أقسام ثلاثة. الأمر الأول: كسب بين حله، حلاله بين لا شبهة فيه ولا حرمة. فإذا كان الكسب حلاله بين فهو لا إشكال في حله ولا إشكال بإباحته. النوع الثاني من أنواع الكسب: أن يكون الكسب فيه محرم والاكتساب بيّن حرمته، فهنا لا إشكال في منعه ولا إشكال أيضا في حرمته وعدم جوازه. الصورة الثالثة من صور الكسب: أن يكون الكسب فيه شبهة، وشبهة الكسب والاكتساب إما يرجع تارة إلى تعارض الأدلة فيه أو لوجود شبهة في معاملاته. فالشاهد، إذا كان الكسب فيه شبهة فهنا الأولى والأجدر تركه، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن استبرأ لدينه وعرضه فقد استبرأ، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». الاستبراء أي الخلوص والبراءة من هذا. فالأولى إذا وجد من كسب ما فيه شبهة، قلنا: إما لتعارض الأدلة فيه أو لوجود بعض المعاملات المشبوهة، فإنه يترك. هذا قوله: وما بان لك صحته فهو مطلق، أي على أصله. قال: إلا ما ظهر فساده، ما ظهر حرمته. ثم قال رحمه الله تعالى: وإن كان فاسدا يأخذ من الفساد مسيكة نفسه. إذا وجد الكسب الحرام وإذا وجد المال الحرام، قلنا: الأصل يترك ولا ينتفع به. لكن المؤلف رحمه الله تعالى استثنى حالة، قال: يأخذ من الفساد مسيكة نفسه. أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أنه يمكن للمسلم أن ينتفع من الكسب المحرم ومن المال المحرم في حالة واحدة، وهي التي تجتمع على وصفين اثنين، وهما الضرورة وعلى قدر الحاجة. لابد من التلازم بين هذين الوصفين في هذه الحالة: أن يكون عند الضرورة وأن يكون على قدر الحاجة. فوجود هذين الوصفين لك، يا عبد الله، أنك تنتفع بالمال وبالكسب الحرام كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن كان فاسدا يأخذ من الفساد مسيكة نفسه. مسيكة دلالة على الضرورة، ونفسه على قدر الحاجة. مثاله: لو أن رجلا أراد أن ينقذ وأن ينجو بنفسه من مهلكة ومن مجاعة، فهل أن يأخذ من مال حرام يأخذ سرقة يسرق لكي ينجو؟ نعم يجوز. قلنا: وذلك لأنه ضرورة، وثم يأخذ على قدر حاجته، لأنه يأخذ إلى درجة الشبع، ثم يجعل في جيبه ويجعل في ثوبه ويجعل في شنطته ويحمل زادا في ظهره، هذا ليس على قدر الحاجة، وإنما تأخذ من الكسب الحرام مسيكة نفسه على قدر حاجته الذي ينجو منه من الهلكة. فالأدلة دلت على ذلك، فمن لم يكن باغيا ولا عاديا فلا إثم عليه. فلابد أنك، يا عبد الله، أنك تنتفع بالكسب الحرام لكن عند الضرورة، وعند الضرورة فقط، وإذا أخذت عند الضرورة فإنك تأخذ على قدر حاجتك. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: لا تقول أترك المكاسب وأخذ ما أعطوني، لم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا. وقال عمر بن الخطاب: كسب فيه بعض الدنية خير من الحاجة إلى الناس. أثر عمر، قال العلماء عنه: لا بأس به، فهو من طريق خالد بن الزيات عن حفص بن عمر البصري عن غياث القطان عن ابن عبد الله عن عمر رضي الله تعالى عنه، وهو لا بأس به. يقول المؤلف: لا تقول أترك المكاسب، أي أترك الترزق وأترك المهن وأترك الحرفة والعمل. قال: أترك المكاسب وأخذ ما أعطوني، لم يفعل هذا الصحابة والعلماء إلى زماننا هذا، أي ذاك في حق من ترك العمل ونظر إلى ما عند الناس حتى يعطونه القليل والكثير. طبعا هذا خلق مذموم، أنك تنظر إلى ما عند الناس أعطوك أو لم يعطوك. وإنما الذي عليه المسلم ماذا؟ أنه يكتسب، أنه يكتسب وأن يعمل. والحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في الفتح الباري نقل الإشكال في هذه المسألة واستدل بن حجر رحمه الله تعالى على عبارة الباربهاري هذه، وذكر أن الباربهاري نقل أن صحابة رضي الله تعالى عنهم آثر الكسبة على الجلوس. إخواني في الله، تحت هذه المسألة طويلة، لكن يهمنا أن ننبه على مسألة أخرى تتبع هذه المسألة، وهي مسألة قد ينحرج منها بعض الناس أو تقدح في أذهان بعض الناس. وهي مسألة قد يقول: نعم نحن نعرف الأدلة الدالة على ذم المسألة، وأن الرجل عليه أن يعمل وعليه أن يحترف وأن يشتغل حتى يأتي برزقه بيده وبعرق جبينه. لكن الذي يشكل عند بعض الناس يقول: كيف نحن بهذه الأدلة نراها الواضحة النيرة، ومعنا نرى من أهل العلم نرى من طلاب العلم من ربما قبعوا في المساجد واعتكفوا في المراكز وجلسوا في دور الحديث وهم على هذه الحال من غير عمل من غير كسب ومن غير شيء، وإنما هم جلوس على صدقات المحسنين وعلى تبرعات أهل الخير. فكيف الجمع بين هذا وذاك؟ إخوان، انتبهوا رعاكم الله إلى ما يتعلق بهذا الرد لهذه المسألة. أولا، إخواني في الله، ما يتعلق بما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من أن لا بد من الكسب والاكتساب، وأن الجلوس من غير عمل أنه خلق مذموم، يحمل هذا على في حق أناس جلسوا من غير اكتساب نظرا لما في أيدي الناس، إما شهوة وإما شبهة. بعض الناس، إخواني في الله، يجلس من غير كسب وينظر لما في أيدي الناس شهوة، ما معنى شهوة؟ أنه يريد أن يستكثر من أموال الناس. رجل عنده قدرة على العمل قدرة على الاكتساب، لكن يقول: لما العمل؟ لما الكد؟ وهذا سيعطيني، وهذا سيعطيني، وتأتي الآلاف المؤلفة من هذا الباب ومن ذاك الباب، فهو يريد من الناس أن يعطوه. لماذا؟ شهوة الطمع وشهوة البخل وعدم العمل والفتور والكسل والخمول، ويحب أن يستكثر من أموال الناس، هذا يريد الاكتساب مما في أيدي الناس شهوة، وهذا مذموم. ولذلك دلت السنة على ذم هذا النوع، قال عليه الصلاة والسلام: «من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا من جهنم». يسأل الناس تكثرا يطلب حتى أنه ماذا يستزيد؟ ليس للحاجة، لا، إنما لكي ماذا يستغني مما في أيدي الناس؟ وهذا لا يجوز، وهذا محرم. الأمر الثاني: من يسأل أو يطلب ما في أيدي الناس شبهة، وهذا الصنف ظهر في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، من يزعم بأنهم من المتوكلين. روى الطبراني من أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنه في شأن أهل اليمن، كانوا يقولون: نحن المتوكلون. ماذا يفعلون؟ كانوا يحجون ولا يتزودون، فإذا جاءوا مكة سألوا الناس. فأنزل ربنا جل وعلا قوله تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير زاد التقوى﴾. هذا ليس توكل. بعض الناس قد يكون هذا يترك الكسب ويترك العمل من باب الشبهة، ما هي شبهته؟ يقول: أنا متوكل، وأن الرزق سيأتيني، أن الرزق سيأتيني على أيدي الناس، هذا شبهة، فهذا لا يجوز، وهذا ليس بالفقه الصحيح. وإنما المسلم عليه أن يكتسب. فيحمل عبارات المؤلف وما كان من هذه العبارات الشبيهة بأن ترك التكسب دني على هذه المسألة: إما من ترك التكسب شهوة لاستكثار من أموال الناس، أو من ترك التكسب شبهة لظني أن راء من أموال الناس، فهذا لا يجوز، وهذا لا يجوز. الرد الثاني من هذه الردود: أن يحمل ترك التكسب، يا عبد الله، لمن ترك التكسب وجلس يطلب ويسأل الناس ويلوح على الناس: أعطوني، أعطوني، يطرق الأبواب، يقوم في المساجد، يأتي بالأوراق إلى هذا الباب وإلى ذاك الباب، ويكون هذه مهنته، وهذه حرفته، فهذا لا يجوز. وطلاب العلم، وإلى الله الحمد، في مراكزهم وفي دورهم لا يسألون الناس، وإنما يأتيهم هذا المال من باب بناء الخير. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن جاءك هذا المال من غير تشرف ولا سؤال فخذه وتموله». كما قال عمر رضي الله تعالى: «إن جاءك هذا المال من غير تشرف ولا سؤال فخذه وتموله». فإن جاء المال من غير طلب ولا إلحاح ولا نظر، وإنما جاء من أهل الخير، فإن هذا مما يجوز. معنا، إخواني في الله، الأصل عباد الله على أن مثل هذه الدور وهذه المراكز، كما صرح العلماء على أن البلاد هم الذين يعتنون بهذه المراكز، هذا الأصل، بل هذا يعتبر أهم الواجبات في حساب الحكومات والدول الإسلامية والولاة والحكام، أنهم يقوموا على رعاية وعناية مثل هذه المراكز. هذا الأصل، ولهذا كان العلماء من عهد التابعين في الزمن الأموي والعباسي ومن غيره من الأزمنة، أنهم الحكام هم بأنفسهم يكفلون العلماء، يكفلون طلاب العلم: لا تشتغلوا ولا تعملوا، إنما أموالكم بأيدينا، يعطونهم الكثير والقليل، تصرف لهم الرواتب حتى ما يتفرغوا على هذه الثقافة العظيمة. ولهذا لما أقفل هذا الباب، وما وجدت شيئا من المساعدات الحكومية والدولية لطلاب العلم والمراكز، هنا فتح العلماء بابا آخر، وهو باب الزكاة. ولهذا صرح الكثير من أهل العلم على أن من مصارف الزكاة طلاب العلم، إما أنك تدخلهم في باب المساكين والمحتاجين، فهم من أحق الناس بهذا المال لأنهم أهل مسكنة. وإما أنك تدخلهم في باب في سبيل الله، تدخلهم في باب في سبيل الله، فهم في سبيل الله، لهم مدخل من هذا الباب، ولهم مدخل من هذا الباب. فطلاب العلم يعطون من أموال الزكاة، كما صرح بذلك العلماء قديما وحديثا. قديما، ومن نظر يفعلها العلماء كشيخ الإسلام، وهكذا من المعاصرين شيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى، ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. صرحوا أن طالب العلم إذا تعسر عليه شراء كتب، شراء كتب، قال: يورث أن يعطى من مال الزكاة حتى يشتري كتبا يتعلم بها ينفع بها الناس. وبهذا ألزم الكثير من الناس أن القرى والمدن عليها أن تخرج طلابا للعلم، وتعطيهم من مال الزكاة. هذا الأصل. قرية من القرى، إخواني في الله، فاضية، عم عليها الجهل والبدع والشركيات والضلالات، وليس هناك طالب علم يمحو هذا الظلام، إذن وجب عليهم أن يأخذوا طالب علم إلى مركز من المراكز. يذهب طالب العلم: أين الكسب؟ يريد أن يعيش، أن يأكل في بلاد الغربة في المركز: أكله، شربه، دواءه، علاجه، طلبه، كتبه، محبرته، من أين يأتيه؟ هنا وجب عليهم، أهل القرية، أن يخرجوا من مالهم ما عندهم زكاة. مثاله: تأتي القرية تجمع من مال الزكاة: كم عندنا؟ مئة وعشرين ألفا، هذا مال زكاة، نجعله لطالب علم. إذا ذهب طالب علم إلى أحد المراكز، لك في كل شهر عشرة آلاف، مدفوع لك. من أين المال؟ من الزكاة. مئة وعشرين ألفا في كل شهر عشرة، عشرة، عشرة، حتى يتم السنة، يرجع إليهم. إن كفاهم بالعلم والوعظ والإرشاد، حيها لا، ما كفاهم يبعثون مرة أخرى أو أرادوا آخر، وهكذا يدفعون به دفعا إلى طالب العلم، لأن هذا واجب، ولو كان ذلك من مال الزكاة، من مال الزكاة. هذا الأصل، إخواني في الله، هذا الأصل. لكن انظر لما الناس بخلوا بمالهم، ودفعوا بأموال إلى الكليات والمعاهد، لا نحرم هذا، هذا كله من الأمور العلمية الجائزة، لكن الأولويات: لماذا؟ الآن، الله الحمد، الناس كثير من انبعث، ومن تفرغ للعلوم العالية في الكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والتكنولوجيا والالكترونيات، الله الحمد، والطب والهندسة، الحمد أصبحت الأمور مكدسة، بل أصبحت بعض العيادات فارغة لكثرة من يأتي إليها، هنا وهنا، لكثرة العيادات، أصبحت بعضها فارغة. لكن أين طلاب العلم؟ أين المستفيدون؟ أين الدعاة؟ أين المشايخ؟ قلة ترى محافظة كان ما فيها إثنين أو ثلاثة من المشايخ، ما يستطيعون أبدا أن يسدوا هذه الثغرة. فلابد من الدفع بأولاد المسلمين إلى المراكز وإلى الدور، وأن يبذلوا لهم من أموالهم، هذا العقل. وإلى فطالب العلم صعب، صحيح. الأفضل والأكمل والأولى أن طالب العلم يجمع بين أمره، إن استطاع أن يطلب العلم مع الاحتراف، فهذا الأولى والأجدر، هذا ينفع، إن استطاع. لكن إذا ما استطاع، يقول بعض الطلاب: أخي، أنا ما استطيع. إذا عملت وما أعرف العمل، هذه الأيام معقد، من الصباح إلى العصر أو من الظهر، ثم الجولة الثانية من الظهر إلى المغرب، ماذا سأطلب العلم؟ ماذا سأطلب؟ فإذا ما استطاع الطالب العلم أن يجمع بين العلم وبين العمل، فيبقى في العلم، وخاصة إذا وجد من يكفله، ومن وجد من يكفله. فإخواني في الله، فعندما نسمع مثل الكسب الدني، هذا في حق من تطلع إلى أموال الناس أو جلس يستلم أموال الناس. أما طلاب العلم، حاشاهم، ما جلسوا في بيوت الله طلبا لنظر لما في جيوب الناس، ونظرا لما في أيدي الناس، وإنما جلسوا في بيوت الله لله لطلب العلم ولأن يرفعوا الجهل عن أنفسهم وعن هذه الأمة المحمدية، فهذا إخواني في الله من الردود. وكذلك الرد الثالث لهذه المسألة: أن نعلم أن من المكاسب والاكتساب قد يكون بأمر شرعي، وقد يكون بأمر عقلي واقعي. فدلت الشريعة ودلت أدلة الكتاب والسنة على أن من مكاسب، من طرق الكسب الذي يكتسب بها المسلم: أنه يتفرغ للعلم. نعم، إخواني في الله، التفرغ للعلم باب من أبواب الكسب، يدل على ذلك ما جاء عند الترمذي من حديث أنس، وذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، في قصة ذلكم الرجلين، وهما إخوة، كان أحدهم يحترف يشتغل ويعمل، والآخر لا يحترف، أي لا يعمل. فقام هذا الثاني، الأول الذي يشتغل شكا أخاه إلى نبينا عليه الصلاة والسلام قائلا: يا رسول الله، إني أحترف، أي أعمل، وأخي لا يعمل، مره أن يعمل معي. هذا كحجة كثير من الناس. فقال عليه الصلاة والسلام: «لعلك ترزق به». أي لعلك الذي تحترف وتعمل وترى أن الله فتح عليك، لعلك رزقك جاءك من هذا الأخ الذي يطلب العلم. قال: «دعه، لعلك ترزق به». فدل ذلك على أن من السبل الرزق ماذا؟ هو طلب العلم. فإخواني في الله، فلا إشكال إن شاء الله في مثل هذه المسائل، وأن جلوس طلاب العلم في مراكزهم وتفرغهم في هذا الباب، هذا هو الأصل، وذلك في حق من لم يستطع أن يجمع بين العلم والعمل. الأصل أنك تجمع إن استطعت، إن لم تستطع وتعارض هذا مع ذاك، فالأولى، يا عبد الله، البقاء مع ماذا؟ مع وجود من يصرف عليه. فإن هذا الصرف ليس فيه شيء، وخاصة أن طلاب العلم ما سألوا الناس أبدا، وحاشاهم من ذلك، وإنما ذلك رزق من الله ساقه إليهم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.