شرح السنة للإمام البربهاري 92

شرح السنة للإمام البربهاري 92

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 92، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الولاية في عقد النكاح

يُعتبر الولي شرطًا أساسيًا لصحة عقد النكاح، ويحذر من مخاطر التغاضي عن هذا الشرط. وجود الولي ضروري لضمان صحة العقد وفقًا للقرآن والسنة.

شروط صحة عقد النكاح وتفاصيله

يشترط لصحة عقد النكاح وجود الولي والشهود، مع اختلاف العلماء حول شرطية الشهود. يُبرز أن العقد بدون ولي يعتبر باطلاً.

وجوب المهر وتحريم هبة المرأة نفسها

المهر واجب في عقد النكاح استنادًا إلى الكتاب والسنة والإجماع، ولا يجوز للمرأة أن تهب نفسها لرجل غير النبي. يجب معاقبة من يتلاعب بعقود الزواج.

ختام الحديث والدعاء

يُختتم الحديث بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الاعتماد على الله والتوجه إليه بالدعاء.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأيما امرأة وهبت نفسها لرجل فإنها لا تحل له، يعاقبان إنها لمنها شيئًا، إلا بولي وشاهدي عدل وصداق. في هذه الفقرة نبه المؤلف رحمه الله تعالى على مسائل متعلقة بالنكاح، وأمر النكاح، إخواني في الله، من الأمور العظيمة، وهي من العقود المشرفة التي صانتها الشريعة، وذلك بوضع قيود وضوابط، فعقد النكاح لا يتم إلا بشروط وواجبات حتى يصح هذا العقد. ونبه المؤلف رحمه الله تعالى هنا على بعضها، فنبه رحمه الله تعالى على الولاية، فقال: إلا بولي، فالعقد لا يصح إلا بولي، الولي هو الذي يقوم بالعقد، وهو القريب، وهو ولي المرأة، ولي المرأة من آباء، فإن لم يكن فمن إخوة، فإن لم يكن من الأعمام ونحو ذلك، وهو كل قريب من عصبتها، كل قريب من عصبتها هو الذي بيده عقدة النكاح. والأدلة تدل على شرطية الولاية، كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي»، لا نكاح إلا بولي، وهذا الحديث رواه الخمسة، واستفاض العلماء في ذكر طرقه ورواياته، وأطنب الإمام الحاكم رحمه الله تعالى تخريج هذا الحديث حتى أورد له طرق كثيرة، أبلغها إلى ثلاثين صحابيًا، روى هذا الحديث منهم أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهم، فالحديث له قوة لطرق كثيرة تدل على حجيته. والعلماء كذلك استدلوا بالآيات من القرآن، بالقرآن تدل على شرطية الولاية، السنة ظاهرة، «لا نكاح إلا بولي»، أي لا يتم عقد النكاح ولا يتم صحة النكاح إلا بوجود ولي للمرأة يقوم مقامها في إبرام عقد النكاح. وقلنا كذلك الأدلة القرآنية تدل على هذا الشرط، فمن لاحظ أن القرآن في خطابه في عقد النكاح إنما يخاطب الولي، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾، هذا أمر لأولياء الأيامى أن يقوم بإنكاحهن. وهكذا في قول تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، فهذا الأمر من القرآن إلى الولي في عدم إعضال وعدم منع المرأة من الرجوع إلى زوجها، فتجدون أن خطاب القرآن في باب الزوجية إنما يتوجه إلى أوليائها، إلى أولياء المرأة، فهذا الخطاب لا يلغى، لأنه يوجد من بعض الناس من يقول أن هذا الحديث فيه مطعن والحديث ما يصح، فيريد أن يلغي دلالة السنة. فقال: طيب دلالة القرآن، القرآن واضحة، فربنا جل وعلا أمر بأن يكون الخطاب مع أولياء المرأة، ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى شرطية الولاية، وأن إذا المرأة هي التي قامت بإنكاح نفسها بنفسها من غير ولي فإن عقدها فاسد، فإن عقدها فاسد. وقد جاء في السنن عند الترمذي وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فإن نكاحها باطل، باطل، باطل»، هكذا جاء مكررًا ثلاثًا، فهذا صريح السنة يدل على بطلان هذا العقد إذا تم من المرأة من غير إذن وليها. ومن هنا إخواني في الله، وهذا كما قلنا مذهب جمهور العلماء، ومن هنا نعلم أن ما يقع من الأنكحة بغير إذن ولي المرأة فإنه باطل، وإنه فاسد الاعتبار. والأسف في مثل هذه الأزمان دب الفوضى، ومع قلة الدين، ومع التتبع الرخص، وجدت فئتان من الناس من ربما يتحايلون على عقد الزوجية، تجد مثل تلك المرأة التي متأثرة بفكر الغرب، فتذهب وتختفي على أهلها، فتسافر مع عشيقها ومع خطيبها، فيذهبون إلى أي مكان فيبرمون عقد الزوجية، فهذا عقد باطل لأنه خرجت عن طوع أهلها، تزوجت بغير إذن وليها، فنكاحها فاسد باطل. وهكذا قس ما يتعلق بهذا، وقد تكاثر وتواتر عند المثقفين ما نسمعه في بعض الجامعات والمعاهد والكليات، وفي بعض الدول القريبة، أنهم يتوسعون في أمر النكاح، تجد طالب مع طالبة أو تلميذ مع تلميذة أعجب بعضهم ببعض، فوصل حد الإعجاب إلى إبرام عقد الزوجية، وهم يعرفون أن هذا الخبر إذا بلغ إلى الأولياء فإنهم يرفضون رفضًا باتًا لهذا العقد، فماذا يفعلون؟ فيبرمون عقد الزوجية بالخفية. طيب العقد الزوجية يحتاج إلى أشياء، وهم ماذا يؤدونها؟ هؤلاء الطلبة يحاول أن يجمعوا شتات هذه الشروط، فمثلًا يأتون إلى أحد من الطلاب يقول: أنت طالب تمثل شخصية القاضي، وهم طبعًا سيتعلمون بعض المسألة الشرعية، وأن العقد يبرم من أي أحد، فيأتون إلى أحد من الطلاب يقول: أنت قاضينا، واخذ اسمي واسم هذه التلميذة وعقد بيننا، والشهود طلاب الصف، تعال يا فلان، تعال يا زميل، تعال يا طلاب الصف الفلاني، يلقى على الفلانية فمعنى عقد نكاح بيني وبين تلكم التلميذة، ووقع هذا ويقع بكثرة في بعض الكليات والجامعات الذي فيها الاستخفاف وعدم التدين لله عز وجل، مع ابتعاد الرقابة والمراقبة الأسرية. مثل هؤلاء الفتية يقع هذا، فيأتي هذا الطالب الذي أعجب بها، فيأتي طالب آخر فيبرم عقدة الزوجية: اسمك فلان وفلان، أترضى بهذه الطالبة زوجة؟ يقول: نعم أرضى، أنت أتقبلين بهذا الطالب زوجًا لك؟ نعم أقبل، الشهود الصف الفلاني موافقين، أنت شهود على هذا الزوج نشهد، فيقول: خاص على بركة الله، العقد موجود والشهود قد وجدوا، طب أين الولي وهو ركن الأساسي؟ أين ولي هذه المرأة؟ لا أحد، إذا فعقدها باطل، عقدها باطل. وهذا كما يقولون قد كثر، وقد كثرة في بعض المناطق كما سمعنا عنها، فهذا عقد باطل لأنه قد ذهب بالأساس الأكبر وهو الولاية، وأبعد من هذا وأشنع ما نسمعه كذلك مما يقع في الشبكة عبر النت، طبعًا هناك مواقع التواصل الاجتماعي والتواصل التعارف بين أطراف الكرة الأرضية، هذا يتكلم عبر موقعه، وهذا تلك المرأة من عبر موقعها، فيتواصلون مما بالمكاتبة أو بالمكالمة أو بالرؤية عبر هذه الكاميرا، فيتعرف على بنت الناس فيعجب بها وتعجب به. فيقول: أترضين زوجًا لك؟ يقول: نعم أقبل، يقول: على بركة الله نحن أزواج، طيب أين الولاية؟ وأين الشهود؟ وأين العقد؟ فوضى في فوضى في فوضى، فهذا كل إخواني من الغفلة عن دين الله عز وجل. فالشاهد إخواني في الله صريح السنة واضح: «لا نكاح إلا بولي»، فالولاية شرط لصحة النكاح، وأيما امرأة نكحت وتمنى زواجها ونكاحها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، كما صرح بذلك النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الأمر الأول، ثم قال رحمه الله تعالى: وشاهدي عدل، والشهود كذلك اعتبرهم العلماء أنهم يلازمون من اللازم في عقد النكاح، عقد النكاح يحتاج إلى ولي يأتي ويحتاج إلى شهود يشهدون هذا العقد، يشهدون هذا العقد، وهي مسألة خلافية، يعرف الإخوان الطلاب أنه اختلف العلماء فيما يتعلق بالشهود بشهود العقد، هل هو شرط أم ليس بشرط؟ جمهور العلماء والكثير من أهل العلم يذهبون إلى شرطية الشهود، ولابد أن يحضر شاهدي عدل للنكاح، شاهدي عدل لعقد النكاح، وهو شرط لصحة النكاح. وذهب جماعة بالمقابل إلى عدم الشرطية، وقالوا أن الولي يكفي حضور ولي المرأة، وكون ينوب عن المرأة يكفي عن الشهود، وهذه الرواية عن إمام أحمد رحمه الله تعالى، وعن جماعة من أهل العلم. والإشكال بين العلماء اختلفوا في هذه الرواية في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، وشاهدي عدل هذه اللفظة التي أضيفها في بعض الروايات، تم الخلاف والنزاع بين العلماء في صحتها وفي ضعفها، فمن أهل علم من قال بتحسينها كالشيخ الألباني رحمه الله تعالى، ومن من قال بتضعيفها كشيخنا مقبل رحمه الله تعالى، يرون أنها زيادة لا تثبت، وهي رواية أو لفظة ترجع إلى علة من العلل الحديثية. أحاول ربط إسرائيل عن جده بين من مثبت لها وبين من أنكرها، فهي مسألة حديثية بحتة، فالقول فيها يأتي الحكم الشرعي، فمن قال بصحة هذه الزيادة فهو يقول باشتراط الشهود، ومن لم يقول بصحتها فإنه ماذا يلغي أمر الشهادة، وأن هذا ليس بواجب، وأن وجود ولي المرأة يكفي، ولي المرأة يكفي. وهناك مذهب وسط وهو مذهب الظاهرية، وهو قوي، حزم الظاهر رحمه الله تعالى، وهو قوي في هذا الباب، يقول: أن النكاح إذا تم إشهاره وتم إعلانه وعلم الناس به، فإن هذا يغني عن الشهود، فإن هذا يغني عن الشهود، مثل هذه الأيام النكاح يعلن عنه، يسمعه القاصي والداني والبعيد والقريب، الكل يسمع. المسألة الأخيرة قال رحمه الله تعالى: وصداق، وصداق مصد به المهر، مصد به المهر، والمهر إخواني في الله واجب بالكتاب والسنة والإجماع، المهر في عقد النكاح واجب بدالات الكتاب والسنة والإجماع، من الكتاب كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، وكذلك آيات كثيرة ذكر ربنا في سورة النساء فيها الأمر باسم ماذا؟ فآتوهن أجورهن، وهو المهر الذي يعطى للمرأة، فيسمى صداق ويسمى أجر ويسمى مهر، فهو واجب. والسنة كذلك أدل كثيرة تدل على وجوب المهر للمرأة، فما ذلك ما ثبت من تزويج علي لفاطمة رضي الله تعالى عنها، فقال له نبينا صلاة ربي وسلامه عليه: هل عندك شيء؟ قال علي: لا ليس عندي شيء، قال نبينا: أين درعك الحطمية؟ أين درعك الحطمية؟ فأمره أن يأتي بالدرع، فالدرع ينفع أن يكون مهر، هم شيء ولا يخفاكم حديث سهل بن سعد، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «التمس ولو خاتمًا من حديد»، التمس ولو خاتمًا من حديد، فالمهم يعطى شيء لابد أن يعطى شيء. وقد نقل الإجماع أكثر من واحد من أهل العلم على وجوب إعطاء المهر، على وجوب إعطاء المهر وإنفاذه للمرأة، أن يعطى لها. وطبعًا هناك مسألة كثيرة في المهر، المهر هل يكون مهر مالي أو مادي؟ وهل ينفع يكون شيء معنوي كتعليم ونحو ذلك؟ هذه مسألة ينظر في المطولات في باب النكاح، لكن الأصل أن من واجبات النكاح إتيان عطاء المرأة مهرها، وهو واجب، والإجماع قد تم على هذا الباب. فهذا قول رحمه الله تعالى، ثم قال رحمه الله تعالى: وأيما امرأة وهبت نفسها لرجل فإنها لا تحل له، الهبة والواهبة مثل رجل من أهل الصلاح مثلًا، رجل خير من أهل الصلاح، تأتيه امرأة تتصل عليه، ترسله رسالة، تأتيه إلى بيته، تقول: أنت يا عبد الله ما علمنا منك إلا خير، وإني راغبة فيك، فإني قد وهبت نفسي لك، وهبت نفسي لك، هل يصلح هذا؟ هذا لا يصلح، لأن الهبة والواهبة لنفسها إنما هذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال: ﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، إن وهبت نفسها للنبي. فالواهبة كون المرأة تهب نفسها لأحد، فهذا لا يكون إلا لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي خاصة وهي من خصائص النبوة، كما قال: خالصة لك من دون المؤمنين، خالصة لك من دون المؤمنين، فهذه من خواصه التي اختص بها نبي الأمة عن سائر أفراد الأمة، أنه ماذا يقبل الهبة، فإذا جاءت امرأة وهبت نفسها للنبي فذاك، أما أنك أنت يا عبد الله تأتيك امرأة بهذا الزعم وتزعم أنها وهبت نفسها لك فلا، لا لابد أن تدخل بالعقود بالولاية والشهود وتأتي بمهر. ولهذا قال علماؤنا، كما قال أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى: أنه قال: لا يجوز عقد النكاح إلا بمهر إلا للنبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي ليس في حق المهر، لأن الهبة جائزة في حقه، أما ما عدا فلابد وواجب أن يعطي المهر، واجب أن يعطي المهر. ولهذا قال المؤلف: قال وأيما امرأة وهبت نفسها لرجل لأي رجل؟ قال: فإنها لا تحل له، للأمرين اثنين، لأن الهبة هذا خاص للنبي، ولأنها لن تستلم مهرًا، فهنا وقع في ماذا؟ في ترك واجب، فإعطاء المهر واجب من الواجبات. ثم قال: فيعاقبان إنها لمنها شيئًا، وهذا الذي ينبغي إخواني في الله بحق من أراد أن يتلاعب بعقود الزواج ماذا؟ أن يعاقب، وأن يرفع أمره للسلطات المحلية والقضاء والأمور اللجان الذي ماذا لها أمر بتغيير منكر، أن يرفع أمرها أولًا المتلاعبون بأمر النكاح إليهم حتى يزجروا وحتى يعزروا، لأن كما قلنا ورأينا قد دب التلاعب في عقود النكاح، وهي عقود عظيمة عظمها الشرع. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن أعظم العقود ما استحللتم به الفروج»، إن أعظم العقود ما استحللتم به الفروج، أو من أوفى الشروط ما استحللتم به الفروج، فعقود الزوجية والذي يستحل به الفروج من أعظم العقود حرمة ومكانة، فيحتاج إلى حماية ويحتاج في صيانة، فلا يتلاعبه متلاعب، فيوكل إذا وصل أحد يتلاعب مثل هذه المسائل في حق الولاية أو حق الشهود أو في أمر الصداق والمهر وغير ذلك، فإن يرفع أمره للسلطات حتى يؤدب ويعزر، فيجعل لهذه العقود ماذا؟ هيبتها في الشريعة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.