شرح السنة للإمام البربهاري 90

شرح السنة للإمام البربهاري 90

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 90، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أحكام الصلاة خلف الإمام

يناقش المؤلف حكم الصلاة خلف الإمام بدون اقتداء ويعتبرها باطلة، ويشير إلى أن المبتدعة يتجنبون الصلاة خلف أئمة أهل السنة. يُبين أن صلاة المقتدي خلف الإمام أمر ضروري لصحة الصلاة.

مراتب تغيير المنكر وأهميته

يشرح المقطع مراتب تغيير المنكر وهي ثلاث: باليد، وباللسان، وبالقلب، ويبين أن هذه المراتب تشمل جميع الناس. يُوضح أن تغيير المنكر فرض على كل أحد حسب استطاعته.

حدود صلاحية الأفراد في تغيير المنكر

يناقش المقطع صلاحية الأفراد في تغيير المنكر ويوضح أن تقسيم صلاحيات تغيير المنكر حسب المكانة الاجتماعية خاطئ. يُبين أن إقامة الحدود الشرعية من اختصاص الولاة والحكام وليس الأفراد العاديين.

حكم تغيير جور الحكام وآداب التعامل معهم

يناقش المقطع حكم تغيير جور الحكام بالسيف ويُظهر أن الشرع يأمر بالصبر على جورهم والدعاء لهم بالصلاح. يُشير إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بالطرق السلمية دون اللجوء إلى العنف.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن صلى خلف إمام فلم يقتدي به فلا صلاة له، والأمر بالمعروف والناهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف. هذه الفقرة الأخيرة في هذه الفقرات، إخواني في الله، تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى بعض المسائل، منها المسألة الأولى في قوله رحمه الله: ومن صلى خلف إمام فلم يقتدي به فلا صلاة له. الأصل أن الإمام إنما وجد وإنما صلى لكي يؤتم به، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، فهذا الأصل أنه يؤتم به، فيقتدى به ويتبع في حركاته وفي أفعاله وفي هيئات الصلاة جميعًا، كما جاء ذلك في تمام الحديث. أما هذه الصورة أن يدخل أحد إلى الصلاة ولا ينوي الاقتداء بالإمام، وإنما ينوي المفارقة، فهذا لا صلاة له. والمؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يشير إلى صنيع المبتدعة، الذين ينابذون أهل السنة، وبعضهم وصل بهم الغلو إلى الحكم ببطلان صلاتهم، وأنه لا يرى إمامة السني الذي ليس على فكره وليس على مذهبه ومنهجه. فكان المبتدعة يشكل عليهم هذا الأمر إذا تركوا الصلاة، عاتبهم الناس ولامهم الناس كيف أنتم تدعون الصلاة وأنتم لا تصلون مع الناس في مساجدهم؟ وإن صلوا مع الناس رأوا أن الإمام على خلاف مذهبهم، رأوا أن الإمام من أهل السنة والجماعة، وهو إما رافضي وإما خارجي، فهو لا يرى صحة الصلاة خلفه أولًا، فمن الذي يفعل؟ فهنا يدخل بعضهم في الصلاة ولا ينوي الاقتداء، يجعل هذه الصلاة عبثًا، هكذا يصلي بلا نية ولا شيء، وينوي بها المفارقة. فهذا لا صلاة له، وأخبرت كذلك عن جماعات وجدت من جماعة التكفير في هذا الزمن خاصة، أنهم كان هذا حالهم، كان بعضهم يتأخر في الصلاة، يتعمد في تأخير الصلاة، يعني يذهب إلى الحمامات مثلًا أو يدور هنا وهناك، حتى إذا بلغ الإمام إلى التشهد الأخير، ماذا يفعل؟ يحاول أن يدخل داخل المسجد فيصلي، فيجلس مع الناس في التشهد وهو في نيته جلس من غير نية، فإذا سلم الإمام قام وكبر تكبيرة الإحرام ونوى الصلاة هنا نية الصلاة. فأما التشهد فإنما هو دخول صوري، دخول صوري، لماذا؟ لأنه يريد أن يقتدي بإمام ولا يريد أن يقتدي به، كما قلنا لأنه يرى أن الصلاة خلف هذا الإمام لا تصح، لأنه كما يقول هذا إما من أهل السنة، وهذا على فكر العمالة على حد قوله وزعمه، فيتبرأ من أئمة السنة، فلو يصلي خلفهم لا، كما قلنا يترك الصلاة بالكلية، عاب عليه الناس، فماذا فعلوا؟ ففعلوا مثل هذا الصنيع، أنهم يصلون خلف الأئمة لكن من غير اقتداء بهم، وإنما ينوون المفارقة. كما سمعنا هذا موجود حتى في هذه الأزمان، كما أخبرت عن بعض الجماعات ممن تتعمد إذا صلت خلف أئمة السنة، فإنهم يصلون خلفهم في آخر الصفوف، في التشهد الأخير بالذات، ثم يجلسون بغير نية، فإذا سلم الإمام قاموا وكبروا كأنهم مسبوق، لكن هو في نيته سيكبر تكبيرة الإحرام ويدخل في الصلاة من جديد، وهو بهذا ماذا؟ كما يقول: ضرب عصفورين بحجر، نوى المفارقة وصل الصلاة لوحده من غير هؤلاء. وهذا كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن صلى خلف إمام فلم يقتدي به فلا صلاة له. وهذا إنما يتبادر إلى فعل وصنيع المبتدعة. ثم قال رحمه الله تعالى: والأمر بالمعروف والناهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف. هذه مسألة قد مرت معنا قريبًا، لو تذكرون ما يتعلق بالأمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ما يتعلق بحكم المسألة، وأنها من الواجبات التي جاء ذكرها في القرآن وفي السنة، وذكرنا أن لها شروطًا ولها ضوابط ينبغي للآمر وللناهي أن يلتزم بها، وكذلك لها آداب، بل هي كذلك تحتاج إلى فقه، ويسميه العلماء بفقه الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر. لابد أن يكون الآمر والناهي على فقه عظيم بأمر الدين، وهكذا بأمر الدعوة. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: والأمر بالمعروف والناهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف. من فوائد هذه الفقرة أن نعلم أن الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر له مراتب، له مراتب، فأعلى هذه المراتب اليد، ثم اللسان، ثم القلب. فأعلىها اليد، ويكون لمن كان عنده سلطة، من كان عنده سلطة على شيء، فإنه يستخدم اليد، يستخدم اليد بكسر أو بضرب ونحو ذلك. ودليله قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده»، قلنا هذا لمن كان له إمارة وسلطة. المرتبة الثانية وهي اللسان، وذلك بالترغيب بالوعظ، بالزجر، بالتهديد، وغير ذلك، فمن أساليب تغيير المنكر باللسان. وقلنا كذلك وهذا تنفع لكل أحد، بشرط أن لا يأتي بمفسدة كبرى، فإذا كان التغيير باللسان يأتي بمفسدة كبرى وأعظم من المنكر، أليس تغيره؟ لا. الثالث وهو القلب، وهذا فرض على كل أحد، فرض على كل أحد، لا يسقط عن أحد من خلق الله، إذا رأيت المنكر فما استطعت باليد ولم تستطع باللسان، فلا أقل يا عبد الله أن تغير بالقلب، أن تغير المنكر بقلبك، كان يتمعر قلبك، وأن لا يرتضي هذا الصنيع، فإن كان في قلبك شيء من الرضا، فإنك ينالك شيء من الإثم، لأنك لم تغير، بل أنت مشارك وأنت راضٍ بهذا الإثم. فينبغي أن يغير المنكر، وقد جاء عن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «من لم يعرف بقلبه المنكر والمعروف فقد هلك»، هذا آخر أنواع المراتب، إذا كان قلبك ما عرف هذا المنكر فهذا الهلاك. فالمنكر على جميع العباد ينبغي أن يغير المنكر بقلوبهم، مررت على منكر، على معصية، على ذنب، على شيء مما حرم الله جل وعلا، فما عندك قدي باليد، وما استطعت باللسان، فلا أقل أن يتمعر قلبك، وأن يغضب قلبك، وماذا؟ وأن ترى من قلبك الضيق من هذا المنكر الموجود والذي ما استطعت أن تغيره. فأما إن لم يكن ذلك منك لهذا ولا ذاك ولا ذاك، فإنك يا عبد الله وقد وقعت في الهلاك، لأنك تركت شيء من الواجبات. «من رأى منكم منكرًا فليغير بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، فليس بعد ذلك شيء من التغيير. وفائدة ثانية كذلك في قول مؤلفنا رحمه الله تعالى: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب، الدلالة واضحة على أن هذا يجب فيه جميع الناس، والناس يستويون في هذه التغيير وفي هذه المعالم الثلاث: اليد واللسان والقلب، هذا الأصل الجميع تشمله هذه المراتب، كل واحد يدخل في الأولى والثانية والثالثة، الكل يدخل في ذلك، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، العالم وغير العالم، الوالي والرعية، وغير ذلك. وهذا فيه رد على قاعدة يأتي بها بعض المتعبدة وهكذا بعض الفقهاء يقولون لهم تقسيم ثلاثي في هذه المسألة، يقولون أن تغيير اليد إنما يكون للسلطان، وتغيير اللسان إنما للعلماء، وتغيير القلب إنما للعامة، وهذا باطل، وهذا خطأ، وهذا زلل من يقول بهذا التقسيم. صحيح ووارد عند بعض المتأخرين، لكن يرده عمومات الأدلة ترد ذلك. فبعض من يقول هذه القاعدة أن المنكر لا يغير باليد إلا عند السلطان فقط، السلاطين والأمراء ومن كان له الخلافة والسلطة هو الذي يغير بيده بقوة القهر والسلطان. وأما تغيير المنكر باللسان فهذا عند العلماء، العلماء الخطابة، الواعظون، الدعاة يغيرون بألسنتهم. وأما العامي فما شأنه إلا القلب، مررنا على المنكر، على المنكرات، ما عندنا إلا القلوب فقط، فهذا باطل، يقول: «من رأى منكم منكرًا»، ومن رأى وهذا من صيغ العموم، أي واحد منكم يرى منكرًا فيغيره، في أي واحد منا، سواء كان حاكم أو عالم أو عامي، يدخل في الأمور الثلاثة. حتى العامي بإمكانه أن يغير المنكر بيده إذا كان ذلك تحت رعايته، تحت ولايته، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، أنا صاحب بيت، صاحب أسرة، عندي أولاد وعندي أحفاد وعندي ذراري، فوقع منهم في منكر، فعندي قدرة على تكسيره وعلى تغييره باليد، وعلى الضرب. وهكذا باللسان كذلك، قد يكون عامي يمر على مكان على أناس، وإن لم يعرفهم، وإن لم يكن عليهم سلطان، تحته تحت يده، لكن بلسانه يصدع، يوجه: «يا أخي اتق الله، هذا ما ينبغي، يا أخي اتق الله، هذا ما يجوز»، إيش الذي بلغني عنك؟ هذا ما يصلح، فتغير اللسان فلا تكتم الأفواه بحجة أنه لا، يا عبد الله، بل هذا لك ولجميع الأمة. فمن قال بالتقسيم الثلاثي أن اليد للسلطان واللسان للعلماء والقلب للعامة، هذا غلط وزلل، وإنما الكل يدخل في الأمور الثلاثة. فمن كان عنده قدرة ومن عنده إمارة، ولو إمارة خاصة في بيته، أو أنت صاحب محل على عمالك، أو أنت صاحب إدارة عندك موظفين لك، تغير منكر باليد، عنده قدرة غير بيدك، غير بإما بالتكسير أو بضرب إن لجأت إلى ذلك. هذا ما يتعلق بالفقرة الثانية، الفقرة الثانية بقول المؤلف رحمه الله تعالى بلا سيف، حيث قال: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف. تحمل هذه العبارة بلا سيف تحمل على أمور، وقد يكون المراد بها ما سيذكر الآن. إما الأمر الأول أن المؤلف أراد بلا سيف ما يتعلق بإقامة الحدود، إقامة الحدود هذا مما بتغيير المنكر ومن عقوبة الجناة، فهل يمكن لك أن تغير المنكر يا عبد الله بأن تقيم الحد؟ لا، هذا ما يجوز، هذا ليس لك إلا السيف، لك أن تغير منكر بضرب، بتعزير، لك عندك ولاية ولاية على هذا الشخص. أما ما يتعلق بإقامة الحد فهذا لا، بل ذكر ابن رشد رحمه الله تعالى الإجماع على أن إقامة الحدود إنما هذا خاص بالأحكام السلطانية، إقامة الحدود هذا خاص بالأحكام السلطانية، هذا يحال إلى الدرجة القصوى والعليا في الدولة، هم الذين يقيمون الحدود من القصاص ومن القتل ومن كذلك الإعدام ونحو ذلك. أما أنت يا عبد الله تقوم وتجعل نفسك حكومة فتقيم الحدود، فتجلد ذا وتقتل ذا وتقيم الحد على ذا بالرجم ونحو ذلك فلا، فبالإجماع لا يقيم الحدود إلا من كان وليًا، هذا الأمر الأول، فيحمل عبارة المؤلف على هذا بلا سيف ما يتعلق بإقامة الحدود بالسيف، هذا خاص إقامة بالولاة. وأما يحمل عبارة المؤلف رحمه الله تعالى على مسألة الخروج على الحكام، لأن يوجد نعم من المبتدعة أن يقولون أن تغيير المنكر يكون على كل أحد، كل من وقع منه فسق أو ظلم أو جور، فإن ماذا نغير هذا المنكر بأيدينا، ولو لجأنا إلى السيوف، كقول الخوارج وقول المعتزلة، هم يقولون بها. وقد مر ذلك معنا قريبًا، حيث أن المبتدعة كالمعتزلة من أصولهم الخمسة ما يسمى عندهم بماذا؟ الركن الخامس أو الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أصل عندهم أصل أصيل وقاعدة رصينة عندهم، وهي من أركان الدين الذي ما يتسامح بها، لكن ما مفهوم هذه المسألة؟ مفهومها أن المنكر يغير ولو صدر من الولاة، ولو صدر من الولاة، ولو أدى التغيير إلى رفع السيوف، فإنهم يرفعونها. فأراد المؤلف رحمه الله تعالى من هذه الفقرة أن هذا لا يمكن، لا يمكن أن يصل الحال إلى تغيير المنكر بالسيف، لا المنكر لا يغير بالسيوف، فإن صدر من الولاة، فالأدلة الشرعية قد دلت على سبل سبل ينبغي أن تُختار لإصلاح إصلاح الفساد الذي دب في الولاة والسلاطين، ليس منها رفع السيف. قال الصحابة: «أفلن ننابذهم بالسيف؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»، ما دام لا زالوا على أصل الإسلام، فإن ماذا لا يرفع عليهم ولا يُشر عليهم. ولدليل في هذا الباب كثير جدًا، وقد مر الكثير منها في دروس الماضية حول أن الشرع دل على الصبر على جورهم والدعاء لهم بالصلاة، علَّ وعسى أن الله جل وعلا يكفى شرهم عنا، أما أن يغير بالسيف فلا. ولهذا كأن المؤلف ألمح لذلك فقال: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف. فهذا إخواني في الله مسائل متعلقة بهذه الفقرة، فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.