الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 121، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش تعيين الفرق الضالة التي انشقت عن الأمة الإسلامية وتصنيفها إلى فرق رئيسية وتشعبها إلى طوائف متعددة. يذكر آراء مختلفة حول عدد الفرق الرئيسية.
يتناول أسباب اختلاف العلماء في تعيين الفرق الضالة بسبب اختلافهم في اعتبار بعض الفرق إسلامية أو كافرة، واختلافهم في اعتبار بعضها كيانا مستقلا. يعتبر هذه المسألة اجتهادية.
ينصح بعدم الجزم بتعيين الفرق الضالة التي ستكون في النار ويعتبر ذلك أمرا اجتهاديا وتقريبيا. يحذر من التكلف في الحصر والتقسيم ويشير إلى عدم الجزم بإغلاق باب الخلاف.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال عبد الله بن المبارك، أصل 72 هوى أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة أهواء انشعبت هذه الـ 72 هوى: القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج. في هذه الفقرة، إخواني في الله، نبه المؤلف رحمه الله تعالى على مسألة، وقد مرت معنا في دروس من دروس الأول من هذه الرسالة فيما يسمى بتعيين الفرق الضالة، الفرق التي منها انشعبت الثنتي والسبعين فرقة التي أخبر عنها نبينا صلواته ربي والسلام عليه بأن هذه الأمة المحمدية ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وفي رواية على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة. فقام العلماء اجتهادا منهم في حصر هذه الفرق المذكورة في هذا الحديث، وما المراد منها، وتم ذكر هذه المسألة في كتب الملل وفي كتب الفرق، واختلفوا اختلافا بينا في تحديدها وفي تعيينها، حتى قال الطرطوشي رحمه الله تعالى في هذه المسألة: قال وقد طاشت بها أحلام خلق، أي كثير من الناس خاضوا فيها في تعدادها وفي ذكرها، وفي كذلك ذكر مجملها. فهنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أول هذه الأقوال، وهي من أشهر الأقوال، بل هي من أقدم الأقوال، أول من قال بتعيين الفرق الضالة هو ابن المبارك رحمه الله تعالى، كما صرح في ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. فابن المبارك كما في هذا الأثر يذكر أن أصول الفرق الضالة الثنتي والسبعين فرقة كلها تنحصر تحت أربع فرق، وهم الخوارج، كما قال هنا: القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج. ويحمل هنا قوله على القدرية على المعتزلة، على الصحيح أنه المعتزلة، لأن بعضهم قد استغرب من إيثار هذا الأثر، وقال: أين المعتزلة؟ لماذا لم يذكروا من أصول الفرق الضالة؟ لكن الصحيح أن القدرية تندرج تحته المعتزلة، لأن الاعتزال من مذهبهم في القدر، قولهم بالقدر، فالقدرية هنا بمعنى المعتزلة. إذن الأصول أربعة: القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة، أي الروافض، وهذا القول كذلك قال به يوسف بن إصباط رحمه الله تعالى، حيث قال رحمه الله تعالى: أهل البدع أربعة: الروافض والخوارج والقدرية والمرجئة. ثم تتشعب كل فرقة إلى ثمان عشر طائفة، أي هذه الأربعة الأصول تندرج تحتها ثمانية عشر فرقة، فضرب ثمانية عشر بأربعة الناتج ثنتي وسبعين فرقة، أي الخوارج تنقسم إلى ثمانية عشر فرقة، الروافض إلى ثمانية عشر فرقة، وهكذا القدرية المعتزلة، وهكذا هم الروافض، كل فرقة تنقسم إلى ثمانية عشر فرقة، فيكون محصلة الإجمال ثنتي وسبعين فرقة. قلنا هذا القول من أشهر الأقوال، ومن أقدم الأقوال، هو أول من قال بتعيين الفرق الضالة، وهناك قول آخر، وهو من قال بأن أصول البدع ترجع إلى خمسة فرق، ليست أربعة، إلى خمسة فرق، هم هذه الأربعة مع إضافة الجهمية. مع إضافة الجهمية، وقد ذكر ذلك الشيخ الإسلام من تيمين رحمه الله تعالى، ونسبه إلى بعض الحنابلة، إلى بعض الحنابلة أن يتبنون هذا القول بأن أصول البدع ترجع إلى خمسة فرق، وهذه المذكورة الأربعة مع إضافة الجهمية. وقول آخر هو قول الثالث في هذا الباب، منه من ذهب إلى أنها ستة فرق، ليست أربعة ولا خمس، وإنما هي ستة فرق، وهي تلكم الخمسة المذكورة آنفا مع إضافة الجبرية، مع إضافة الجبرية. الأربعة الأصل والأصول المعتزلة والخوارج والروافض والمرجئة والخوارج والقدرية والروافض أربعة، القول الثاني قول من أضاف الجهمية أصبحوا خمسة، القول الثالث من أضاف الجبرية فأصبحوا ستة، وهذا القول من إضافة الجبرية قال به ابن الجوزي رحمه الله تعالى. ولو بحث في هذا الباب يراجع ما ذكره في تلبيس إبليس حول تعيين هذه الفرق، وأثبت أنها ستة فرق، وقول آخر أنه من جعلها سبعة فرق، أن أصول البدع ترجع إلى سبعة فرق، وهذا ذكره الشاطبي رحمه الله تعالى، وكذلك السفاريني في لوامع الأنوار، حيث جعلوا أصول البدع ترجع إلى سبعة فرق، وهم الخوارج والمعتزلة والروافض والمرجئة والجبرية والمشبهة والنجارية. فهذه الأصول السبعة التي تنبثق منها الفرق الضالة على رأي الشاطبي رحمه الله تعالى والسفاريني، فهذه إخواني في الله خلاصة هذه الأقوال، من من يقول أربع، من من يقول خمس، من من يقول ست أو سبع. بقي أين مكمن الخلاف؟ لماذا يختلف العلماء في تعيين الفرق الضالة؟ سبب الخلاف يرجع لأمور، من أهم هذه الأمور أولا: العلماء أرادوا أن يحصروا الفرق المبتدعة المحدثة في دين الله جل وعلا، فهي محسوبة على الدين، لكنها تورطت في بدع. فبقي يقول العلماء: نحن سنتكلم في الفرق الضالة ضلت عن الصراط المستقيم، فلا يدخلون ولا يحشرون الفرق الكافرة، وهنا يأتي الخلاف من العلماء في أنظارهم، فبعض العلماء يختلف مع عالم آخر حول فرقة معينة، هل هذه فرقة نحسبها إسلامية حتى نجعلها أصل من الأصول؟ مثالها الجهمية، ابن المبارك رحمه الله تعالى كما نقل الإمام البربهاري عنه أنه قال: الأصول البدعة أربعة: الخوارج وروافض والمعتزلة والمرجئة، قيل له: والجهمية؟ قال: ليس أولئك من أمة محمد. إذن ابن المبارك يرى تكفير هؤلاء، فالذي يرى كفر هؤلاء فما يحشرهم، بخلاف من حشرهم، هو القول الثاني من قال بينهم خمسة فرقة وأدخل الجهمية، وهو منسوب عن بعض الحنابلة، هذا على قول من لم يقل بتكفيرهم، الذي ما يكفر الجهمية يسحبها ويجعلها أصل من أصول الفرقة الضالة. فمن خلال هذه الحيثية حول الحكم على جماعة ما هل هي إسلامية أم لا، تم الخلاف في تعديد وتعيين الفرق الضالة، السبب الآخر: هل هذه الفرقة تحسب أصل من الأصول لها كيانها لها فكرها متميزة عن غيرها أم لا؟ هنا اختلفت الأنظار، بعض العلماء مثل النجارية، القول للسادة كما ذكر الشاطبي والسفاريني، ذكروا النجارية، النجارية نعم فرقة خليط، فيها بعض من أفكار أهل السنة، وفيها بعض من أفكار القدرية من المعتزلة، لهم كذا ولهم كذا، فهم أخذوا من هنا وأخذوا من هنا، فلهم فكر مختلف. لكن هل هذا يجعلهم كيان وحيد ثريد لهم كيان خاص أم أنه ممزق؟ فبعض العلماء يرى أنه كيان له رجال وأفكار فيجعل أصل وحده، ومن من يقول: لا يرى ذلك، يرى أنه يدخل مع المعتزلة مع القدرية فيحشر معهم. فلهذا الخلاف هل هذه الفرقة هي كيان منفصل يحسب أصل أم لا يحسب أصل، تم الخلاف من العلماء، ولهذا نرى اختلاف العلماء في التعيين، من من يقول أربع، من يقول خمس، من يقول ست أو سبع. وباختلاف كما قلنا إما بالنظر إلى أحوال الفرق هل هي إسلامية أم لا، وأما الثاني بالنظر كذلك إلى ما يتعلق هل هي أصل تحسب أصل لها أصل كيان مميز نجعلها لوحدها أم أنها تندرج تحت غيرها، ومن هنا اختلفت أنظار العلماء. تأتي المسألة الثالثة، وهي المهمة في هذا الباب، وهي أن هذه المسألة إخواني في الله هي مسائل اجتهادية، ما ينبغي لأحد أن يجزم جزما تاما أن هذه الفرق المذكورة هنا أو مذكورة هنا أو مذكورة هنا هي الفرق التي أرادها نبينا بقوله: «ثنتي وسبعين فرقة كلها في النار»، ما يمكن أن نجزم على هذا. جرى العلماء كما لمح إلى ذلك الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام، قال: ليس هناك دليل لا عقلي ولا شرعي، وهكذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى نبه رحمه الله تعالى تنبيها عظيما على هذه المسألة. وأن الكتب التي ألفت في هذا المضمار وذكرت تعيين الفرق الضالة كما فعل بعض العلماء من المتقدمين والمتأخرين، أن هذا أمر اجتهادي، وأن هذا أمر تقريبي، ولا يمكن الجزم، لا تأتي يا عبد الله إلى كتاب ما، مثاله مثل ابن الجوزي في تلبيس إبليس، صرح وأتى من أول فرقة وختم إلى ثنتين وسبعين فرقة وأغلق الباب. رحمه الله أغلق الباب، فلا تتقول: هذه هي، هي، هي في النار، لا تجزم بهذا يا عبد الله، ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بهذا الصدد، معلقا حول التعيين، قال: وأما تعيين هذه الفرق، فقد صنف الناس فيهم مصنفات، وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة هي أحد الثنتي والسبعين لابد له من دليل، لأن الله حرم القول بلا علم عموما. فما ينبغي أنك تجزم، وإنما اجتهادي، والسر في ذلك يا إخواني في الله أولا: يعني يلاحظ أن بعض من عدد ومن صنف ومن قسم الفرق وأغلق الباب في زمنه، نرى أنه قد دخل في شيء من التكلف، دخل في شيء من التكلف. مثاله الذي تبنى على أن الفرق ترجع إلى أصول أربعة، على قوله جعل كل فرقة تنقسم إلى ثمانية عشر فرقة، خوارج الثمانية عشر، والروافض الثمانية عشر، وهكذا يقول في المرجئة، وهكذا يقول في المعتزلة، حتى يكون مجموع 72 فرقة. هذا الذي يقول بهذا القول ماذا سيفعل؟ سيضطر اضطرارا أن يختلق جماعات، يعني قد تكون هنا فرقة صحيحة، المعتزلة جماعة من الفرق، فهنا فرقة وفرقة يفرق بين هذه وبين هذه، يجعلها فرقة منفصلة حتى يأتي عنده العدد بتمامه. فإذا ربما يصل به العدد إلى خمسة عشر فرقة، بقي ثلاثة، ماذا يفعل؟ يعيد النظر في الفرق، يرى هذا لعل هذا الطالب من المبتدع خالف شيخه في مسألة ما، فيجعل هذا فرقة، يجعل هذا الطالب كفرقة حتى يتم من العدد، ثم يعيد ويعيد ويعيد حتى يحاول يجعل ثمانية عشر غصبا لازما. وينتهينا نأتي إلى الروافض، فيفاجأ أن الروافض أكثر، الروافض يعني أكثر بتقسامات كثير جدا، من الإمامية وإلى الزيدية، تصلون إلى آخر فرقة كثير جدا، فماذا يفعل؟ يدمج يدمج يدمج يدمج حتى يصل إلى ثمانية عشر فرقة، ارتحنا. ويأتي وهكذا يدخل في شيء من التكلف، إما بالتفرق أو بالدمج، هذا ما ينبغي، فهذا عاب العلماء هذا الحصر، لا تحصر، نحن نؤمن كإجمال أن الأمة ستفرق على ثنتي وسبعين فرقة، أي التي في النار. أما أنك تجعل هذا الأمر بحيث أنك تفصل بين الجماعة وجماعة، الأشياء فرعية هي، لست أصول، تفرق بين الفرق حتى يكتم لك العدد، فهذا ما ينبغي، ولهذا بعض العلماء ما حبذ الدخول في هذا التعداد، هذا الأمر وهو التكلف الموجود في الجمع والعدد. الأمر الثاني: أنا على قول من انتهى من انتهى وحقق تعيين وعدد العدد، وأغفل البحث في زمنه، نقول له: فما الذي نفعله في هذا الأزمان الآن؟ قد تلية الأمة بكثير وكثير من الفرق الضالة، أين نذهب بها الآن؟ هل نجعلها من أهل السنة؟ لا يمكن. هل هي من أهل البدع؟ طب هي من أهل البدع، أين نجعلها؟ أغلق علينا الباب، فلا يغلق الباب، لا يفتح، إنما يفتح الباب: الله أعلم، كما يقال: ما هو تحدي باقي، من يقال: ستأتي لنا أيام وأيام، كما قال الشاطبي رحمه الله تعالى: قال الله أعلم بما ستأتي به الأيام. تأتي بها قد عشنا نحن في هذه الأزمان ورأينا من الفرق الكثيرة، المتصوفة يعتبرون إن صح التعبير أصل تحتها الكثير والكثير من الفرق، الضال الأحمدية والرفاعية والنقشبندية، كثير جدا، أين نذهب بها؟ ما يمكن هذا فرق ضالة ضالة لا شك فيها وريب. فإن نذهب بها فعلى قول من أغلق الباب علينا، وأنه ختم ثنتين وسبعين فرقة في زمنه، فنحن سيكون مالنا في حيص وبيص، فلهذا لا يغلق الباب، وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال لا يمكن الجزم، لا نجزم، لكن هذا اجتهاد من العلماء أراد به التقريب. يقول هذا يجتهدون في هذا الباب، أما الجزم بأنه قد أغلق هذا الباب فلا يجزم، فهذا إخواني في الله فيما يتعلق بهذه المسائل المذكورة في هذا الباب. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.