الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 652

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 652

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 652، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث ابن عباس في فضل الجهاد وإكرام الضيف عند تبوك

يبين الشيخ مقبل الوادعي صحة حديث ابن عباس في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك التي فضلت المجاهد الممتنع عن الشرور والبدوي المكرم لضيوفه. ويوضح معنى قول أبي هريرة «إنما يسيل كل واد بقدره» بأنه مثل لمن يعطي من علمه أو ماله حسب طاقته.

منزلة ابن عباس العلمية واجتهاده في طلب العلم

يتميز ابن عباس رضي الله عنهما بتفوقه في الفقه والتفسير على أقرانه رغم صغر سنه، واجتهد في طلب العلم بلزوم أبواب الصحابة. وأصابت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بالتفقه في الدين حتى شهد له ابن مسعود بأنه ترجمان القرآن.

فضل العزلة لحفظ الدين ومشروعية الهجرة للفرار بالدين من الفتن

يبين المقطع أن الجلوس مع الناس يكره إلا مع الصالحين، وأن خير حال المسلم الاعتزال بغنمه في البادية محافظاً على دينه كما في حديث أبي هريرة. ويؤكد أن سلامة الدين مقدمة على كل شيء وأن الهجرة مشروعة للفرار بالدين عند تعذر إظهاره.

أهمية سلامة الدين وحفظه

يؤكد المقطع أن سلامة الدين لا تعادلها أي سلامة أخرى وأن حفظ الدين هو عصمة الأمر. ويختتم بالدعاء لله أن يحفظ الدين مع الإشارة إلى ترجمة نانسي قنقر.

  • 23 جمادى الأولى 1446هـ - 24/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد: حدثنا روح، وروحه ابن القاسم، قال: حدثنا حبيب بن شهاب العنبري. وسيأتي أن ابن معين وثق أباه، وأبو زرعة قال: سمعت أبي يقول: أتيت ابن عباس أنا وصاحب لي، فلقينا أبا هريرة عند باب ابن عباس، فقال: من أنتما؟ فأخبرناه، فقال: انطلقا إلى ناس على تمر وماء، إنما يسيل كل واد بقدره. قال: قلنا: كثر خيرك، استأذن لنا على ابن عباس. قال: فاستأذن لنا، فسمعنا ابن عباس يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك، فقال: «ما في الناس مثل رجل أخذ بعنان فرس فيجاهد في سبيل الله ويجتنب شرور الناس، ومثل رجل باد في غنمه يقري ضيفه ويؤدي حقه». قال: قلت: أقالها؟ قال: قالها. قال: قلت: أقالها؟ قال: قالها. قال: قلت: أقالها؟ قال: قالها. فكبرت الله وحمدت الله وشكرت. قال: هذا حديث صحيح، وحبيب بن شهاب وأبوه ترجمتهما في «تعجيل المنفعة». «تعجيل المنفعة» هذا كتاب للحافظ ابن حجر، أفرده للذين لم يترجم لهم في «التهذيب»، وأنا أكثرهم من رجال إمام أحمد أو من المسند. قال: وثق حبيبا ابن معين، ووثق أباه شهابا، وهو ابن مدلج العنبري. أبو زرعة قال: الإمام أحمد: حدثنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، عن حبيب بن شهاب، قال: حدثني أبي، قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خطب الناس بتبوك؟ ما في الناس مثل رجل آخذ برأس فرسه يجاهد في سبيل الله عز وجل ويجتنب شرور الناس، ومثل آخر باد في نعمه يقري ضيفه ويعطي حقه». قال: هذا حديث صحيح، وحبيب بن شهاب ترجمته في «تعجيل المنفعة»، ووثقه ابن معين، وقال أحمد: لا بأس به، ووثقه النسائي، وأبوه الشهاب أيضا ترجمته في «تعجيل المنفعة»، ووثقه أبو زرعة. طيب، هذا الحديث حديث صحيح، يحكي شهاب بن مدلج العنبري أنه جاء إلى ابن عباس هو وصاحب له، فلقي أبا هريرة عند باب ابن عباس، فلعله كان يريد شيئا منه، فقال: من أنتما؟ فأخبرناه، فقال: انطلقا إلى ناس على تمر وماء، إنما يسيل كل واد بقدره. فإذا أردتم الطعام فهناك، هناك ناس معهم تمر وماء يعطونكم منه، فسيعطونكم على قدركم أو على قدر ما كان معهم. إنما يسيل كل واد بقدره، على ما يكفيه، فسالت أودية بقدرها، فاحتمل السيل زبدا رابية. أن كل واد يسيل بما فيه أو بما يكفيه من الوادي، وهذا يطلق على كل ما كان أعطي الإنسان من علم أو من طعام أو من غيره، فالذي ما عنده إلا القليل يتصدق بما عنده، وكذلك العالم يعطي بما عنده، يعطي بما عنده من العلم، فإنما يسيل كل واد بقدره. فقالا: كثر خيرك، استأذن لنا على ابن عباس. وهذا يدل على أنهم كانوا أرادوا العلم ولم يريدوا الطعام ولا غيره، فلذلك لما ذكر لهم أبو هريرة الطعام فكأنهم قالوا: نحن ما جئنا لهذا الأمر. وهذا أيضا فيه فضيلة ابن عباس رضي الله تعالى عنه، حتى أن أبا هريرة يستأذن ابن عباس في من يأتيه، وهذا لأن ابن عباس انتشر علمه وكثر علمه، خاصة فتواه، حتى أنه فاق كثيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما في الحديث فلا شك أن أبا هريرة أحفظ من ابن عباس وأكثر حديثا من ابن عباس، لكن أراد هنا معناه: أما في الفقه والفتوى وكذلك التفسير فكان ابن عباس أكثر الصحابة، ممن كان موجودا في ذلك الوقت، كان أكثرهم فتيا وتفسيرا هو ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فلذلك احتاج الناس إليه، فهو جمع بين التفسير والفقه والحديث واللغة وغير ذلك، وكان يعطي كل واحد ما أراد من العلم، فلذلك اجتمع الناس إليه رضي الله تعالى عنهما. فاستأذن لهما أبو هريرة، فاستأذن لهما ابن عباس، قال: فسمعناه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خطب يوم تبوك. وقد يكون ابن عباس حضر تبوك، والغالب أنه لم يحضر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يأخذ الصغار، وابن عباس لم يبلغ بعد. وغالب حديث ابن عباس أخذه من الصحابة، فلما مات النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد ابن عباس، فكان يأتي إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتهم، حتى قال: كنت أجلس عند باب زيد بن ثابت الظهر، فتسفني الريح، تأتيني الريح وتسفهني، وأجلس حتى يخرج العصر. أنا لشدة اجتهاده وتحصيله ومحبته للعلم، أنه يجلس على أبواب الصحابة حتى يأخذ العلم. وكان أيضا يلازم عمر، يلازم عمر لأجل أن يأخذ منه العلم، فأخذ علما كثيرا، وكذلك أصابته دعوة النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». في البخاري: «وعلمه التأويل»، وعند أحمد: «فقهه في الدين وعلمه التأويل»، وإسناد الحديث صحيح، أي عند أحمد. فكان أفضل الناس في التفسير، حتى قال ابن مسعود، وكان ابن مسعود من أبصر الناس بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأفهمهم بالقرآن، إلا أنه كان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، نعم ترجمان القرآن ابن عباس، لو عاصرنا لما غلبه أحد، أو كما قال رضي الله عنه: لو عاصر أسناننا، أي ابن عباس، لأنه كان صغيرا، لو عاصر أسناننا لما غلبه أحد، أي في العلم، كثرة العلم، فهو صغير لكن حصل على علما كثيرا. قال: فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك. قال: وبعض العلم أن ابن عباس لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام إلا خمسة عشر حديثا، وبقية الأحاديث كان يرويها عن الصحابة، لكنه لم يذكرهم، أنا ما يذكر أسماءهم، وهذا من تدليس، أو أقصد من إرسال الصحابة، ومرسل الصحابة مقبول عند عامة العلماء. قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تبوك، فقال: «ما في الناس مثل رجل أخذ بعنان فرسه فجاهد في سبيل الله». عنان الفرس: معنى الحبل الذي يربط على رأسه، على مقدمه، معنى على رأسه ورقبته، فيقال عنان، تسمي عنان لاستواء الحبل، حبل من هنا وحبل من هنا، فيسمى عنان. فأخذ بعنان فرسه فيجاهد في سبيل الله ويجتنب شرور الناس، أن لا يختلط بالناس كثيرا، وإن اختلط فيختلط بهم في الخير، في الجهاد في سبيل الله والصلوات. وأما الجلوس مع الناس والأخذ والرد وما يكون في المجالس، فهذا يبتعد عنهم، إلا إذا كان أناس من الصالحين يأخذ عنهم العلم أو يأخذ عنهم شيء من الخير، فيجلس معهم يسيرا، وليسوا من أهل الغيبة ولا من أهل النميمة ولا من أهل الكذب، بل كلامهم في الخير والأمر المباح، فهذا أيضا شيء طيب. وأما ما كان فيه من التنازع والاختلاف والتضاد وغيره، فهذه من شرور الناس التي يجتنبها. فقال: «ما في الناس مثل رجل أخذ بعنان فرسه فيجاهد في سبيل الله ويجتنب شرور الناس، ومثل رجل باد في غنمه». باد: معنى باد، أي ذهب إلى البادية، ذهب إلى البادية وأخذ غنمه، وهذا مثل حديث أبي هريرة في الصحيحين: «إن خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». يفر بدينه من الفتن، وهذا أيضا هكذا: باد في غنمه، يأخذ غنمه إلى البادية، يبتعد من الناس ويبتعد من الفتن. قال: «يقري ضيفه»، إذا نزل عنده ضيف قراه وذبح له وأطعمه، «ويؤدي حقه»، أي زكاته، وشرب اللبن، المنحة، وغير ذلك مما يكون فيه حقا في هذه الأغنام. قال: قلت: أقالها؟ فكرر ذلك ثلاثا. قال: ابن عباس كان يقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فكبرت الله وحمدت الله وشكرت. فأفضل ما للرجل، وكذلك هذا الحديث يدلنا على أن أعظم ما يحرص عليه الإنسان صلاح نفسه، أعظم ما يحرص عليه الإنسان صلاح نفسه، وليس هناك ما يوازيها. لا ينبغ للإنسان أن يقدم شيئا عليها، على صلاح نفسه، حتى أنه إذا جاءت الفتن ترك هذه الفتن وذهب بعيدا عنها، وذهب بعيدا عنها لأجل أن يسلم له دينه، أن يسلم له دينه. فلذلك إذا كان الإنسان في موضع لا يزيد إيمانا، بل أن هذا الموضع يضره، ويعصي الله عز وجل فيه، ويرى أنه يبتعد عن الله جل وعلا أكثر، فهذا المكان ليس له فيه خير، ليس له فيه خير. وإنما المكان الذي يرى أنه يقرب من الله جل وعلا أكثر، ويتعبد ربه جل وعلا فيه، أو أنه يرى أنه قائم بدينه، فهذا المكان الذي هو ينبغي أن يتمسك به. ولهذا شريعة الهجرة لأجل دين الإنسان حتى لا يفتن في دينه، فأمر الله عز وجل من كان في مكة بالهجرة حتى لا يفتن، لأجل العذاب، الإنسانحيانا تضعف نفسه، فيرى أنه يعذب، يعذب فيترك الخير ويترك الدين، وهكذا. فلذلك شرعت الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام. أيضا كذلك إذا كان لا يستطيع أن يؤدي دينه ويظهر دينه، يظهر شعائر الدين، فهنا يجب عليه أن يهاجر. وأما إن كان يظهر شعائر دينه من الصلاة وغيرها، فإنه له أن يجلس، وله أن لا يجلس، لكن إذا رأى أن هذه البلاد التي هو فيها فيها هلاك لدينه وذهاب دينه وفتنته، فإن الواجب أن يرحل من ذلك المكان. فسلامة الدين لا تعدلها سلامة، سلامة الدين لا تعدلها سلامة، فالإنسان يحافظ على دينه، أول ما يحافظ، يحافظ على دينه، يحافظ على دينه، ثم بعد ذلك تتأتى الأشياء الأخرى، حتى الضرورات الخمس، وهو الدين والمال والعرض وغيرها، هذه الضرورات أولها الدين، يحافظ على دينه. حتى لا يذهب هذا الدين، أو يكون فيه هلاكا له، أو فيه مثلا ابتعاد عن دين الله جل وعلا، وابتعاد عن الله سبحانه وتعالى. فأعظم فائدة في هذا الحديث أن سلامة الدين لا تعدلها سلامة، سلامة الدين لا تعدلها سلامة. فنسأل الله عز وجل أن يحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر