الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 153، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع الآيات القرآنية التي تتناول جحود الكفار للنعم بعد الشدة، مع استعراض مسائل تفسيرية ذات صلة. كما يستعرض فوائد ابن عثيمين الثماني عشرة من قصة الأبرص والأقرع والأعمى، مبيناً الفرق بين جحود الأولين وعدم تعلقهما بالله.
يقارن المقطع بين طلب الأبرص والأقرع زوال القبح دون ذكر الله، وسؤال الأعمى رد بصره معلقاً قلبه بالله. بعد النعمة جحد الأولان النعمة ونسباها للوراثة، بينما اعترف الأعمى وتبرع شكراً، محذراً من كلمات تؤدي للطغيان.
يحذر النص من طغيان كلمة "أنا" كما فعل إبليس وفرعون، مبيناً أن الضمائر لا تُنهى مطلقاً بل تُذم عند الكبر وتُحمد عند التواضع والاعتراف بالذنب. فصل ابن القيم مواضع الذم والحمد في أدعية الاستغفار والعبودية.
أعلن المتحدث انتهاء الباب الحالي مشيراً إلى بدء الباب التالي في الدرس القادم. ختم بقوله "والله تعالى أعلم" معلناً الانتقال للمحور الجديد.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد وقفنا في باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ﴾. وقفنا عند المسائل، وقلنا: إن المسائل يذكرها المؤلف بمثابة الخلاصة للباب. المسألة الأولى: تفسير الآية، وهي المتقدمة في ما بوب به هذا الباب. وعرفنا معنى الآية، وأن هذا في الكفار الذين إذا أذاقهم الله نعمةً - رحمة بمعنى نعمة - من بعد شدة، قالوا في هذه النعمة أنها لهم. ومعنى "هذا لي" كما تقدم: أي هذا بعملي، وأنا محقوق به. أو قول ابن عباس: "يريد من عندي"، "هذا لي" أي هذا من عندي، فينسب النعمة إلى غير مسديها ومنعمها. المسألة الثانية: ما معنى "ليقولن هذا لي"؟ تقدم معنا قول مجاهد، وقول ابن عباس. المسألة الثالثة: ما معنى قوله: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾؟ هذا قول قارون، وعرفنا ما ذكره المؤلف في تفسير هذه الآية: أي على علم من الله أني له أهل، أو أوتيته على شرف. المسألة الرابعة: نفي هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة. وقد تقدم معنا ما ذكر العلام ابن العثيمين من هذه الفوائد والعبر، فذكر قرابة ثمانية عشر موعظة وعظة. ثم قال ابن العثيمين تعليقًا على قول المؤلف: "هذا، ومن ذلك الفرق بين الأبرص والأقرع والأعمى". يعني: من هذه العبر التفكر في الفرق بين هؤلاء الثلاثة الذين ابتلاهم الله. متفكر: فإن الأبرص والأقرع جهدا نعمة الله بعد وجود النعمة، وقبل النعمة لم يكن التعلق بالله. أما قوله "بعد وجود النعمة" فذلك في قول الأبرص: لما جاءه الملك وطلب منه شيئًا من المال، فماذا قال هذا الأبرص؟ قال: "الحقوق كثيرة". فلما قالوا: "كأني أعرفك"، قال: "إنما ورث هذا المال كابرًا عن كابر". هذا جحد النعمة بعد وقوعها. وكذلك الأقرع قال مثل ما قال الأبرص. وكذلك قبل النعمة لم يكن الأقرع والأبرص متعلقًا بالله. فماذا قال الأبرص لما سأله الملك وقال له: "أي شيء أحب إليك"؟ قال: "لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به". فلم يعلق قلبه بالله، ولم يذكر الله عز وجل في هذا السؤال. بخلاف الأعمى: ماذا قال الأعمى لما قال له الملك: "أي المال أحب إليك"؟ قال الأعمى: "أن يرد الله إلي بصري". علق قلبه بالله، ذكر الله عز وجل. فهذا من أول الأمر يدل على أن الأعمى متعلق بالله عز وجل، ومفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى. بخلاف الأبرص والأقرع، كل واحد منهم يقول: "ويذهب عني الذي قد قذرني الناس"، "يذهب عني ما يقول"، "ويذهب الله عني". هذه لفتة مهمة. لذلك قال الشيخ العثيمين: إن الأبرص والأقرع جحدا نعمة الله بعد وجود النعمة، وقبل النعمة لم يكن متعلقًا بالله. قال: أما الأعمى فاعترف بنعمة الله بعد وجود النعمة، وتعلق بالله قبلها. أما بعد وجود النعمة: لأن الأعمى لما قال له الملك، قال له الملك: "رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت به الحيلة" - أو نحو ذلك -، ماذا قال هذا الرجل؟ قال: "قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري". انظر، انظر الفرق. قارن بين قول الأعمى وبين قول الأبرص والأقرع. الأبرص والأقرع لما ذكرهم - أو لما طلب منهم شيئًا - قالوا: "الحقوق كثيرة". لما ذكرهم بالنقص الذي كانوا فيه، قال: "إنما ورث ذلك كابرًا عن كابر". جحود. أما الأعمى فسرعان ما قال: "نعم، قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله". وكذلك كان الأعمى متعلقًا بالله قبل النعمة. فلما جاءه الملك وقال له: "أي شيء أحب إليك"؟ قال: "أن يرد الله إلي بصري". هذا لم يقله الأقرع ولا الأبرص. فهذا فرق واضح بين هذين وبين الأعمى. قال ابن القيم رحمه الله: "وليحذر كل الحذر من طغيان: أنا، ولي، وعندي". انتبهوا من هذه ثلاث الكلمات: "أنا"، "لي"، "عندي". قال: فإن هذه الألفاظ ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون، هؤلاء الذين بلغوا الغاية في الكفر والجحود والعناد والطغيان والتجبر والتكبر. قال: "فأنا خير منه" لإبليس، هو الذي قال: "أنا خير منه". فاحذر من طغيان "أنا". لا تكثر من قول: "أنا فعلت"، "أنا كذا"، "أنا كذا"، "أنا كذا". تواضع لله عز وجل، واحذر من هذه الكلمة. "ولي": ملك مصر لفرعون. "لي": من أنت حتى يكون لك شيء؟ أنت خلقت على وجه هذه الأرض صغيرًا ضعيفًا، ما تملك حتى الثياب التي تلبسها، فكيف تكثر من هذا: "لي"، "هذا لي"، "هذا لي"؟ مثل ما قال فرعون: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾. "لمن هذه"؟ لإبليس؟ أو هذه لفرعون؟ هذه لفرعون. "وإنما أوتيته على علم عندي": قال: هذه لقارون. هذه لقارون. والمراد ليس أن ننهى عن هذه الكلمات مطلقًا، وإنما المراد أن تضعها في غير موضعها، من باب نسبة الشيء إلى غير مستحقه. هذا هو المراد. لذلك قال ابن القيم بعد ذلك: "وأحسن ما وضعت (أنا) في قول العبد المذنب المخطئ المستغفر المعترف، ونحو ذلك". وذلك في قوله مثلًا في الدعاء - الدعاء نعم -: ﴿ وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾. هذه "أنا" محمودة لأنها في مقام ماذا؟ في مقام الاعتراف لله عز وجل، ومقام الذل والاستغفار ونحو ذلك. فما أحسن أن توضع في مثل هذا الموضع. هكذا يقول ابن القيم. قال: "ولي": يعني ما أحسن قول "لي" في قوله: "لي الذنب، ولي الجرم، ولي المسكن، ولي الفقر والذل". هذا أحسن ما وضعت له، لأنها في باب ماذا؟ في باب الاعتراف بالذنب، وكذلك التواضع لله عز وجل. قال: "وعندي": أي ما أحسن ما وضعت "عندي" في ماذا؟ في قوله: ﴿ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلٌّ ذَلِكَ عِندِي ﴾. ما أحسن وأجمل أن توضع هذه الكلمة في مثل هذا الموضع: "اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي". اعتراف، اعتراف بالذنب والتقصير ونحو ذلك. فإذن هذا يدل على أن هذه الكلمات لا تنهى عنها مطلقًا، وإنما تنهى عنها إذا وضعت في موضع الكبر وموضع التكبر ونحو ذلك. فهي فائدة عزيزة، وفائدة جليلة من العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب. وفي الدرس القادم إن شاء الله ندخل في الباب الذي بعده. إلى هنا، والله تعالى أعلم.