الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 155، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ مستندًا إلى تفسير ابن عباس، مبينًا أن المراد بالشرك هو طاعة إبليس لا عبادته. هدد إبليس آدم وحواء بأن يجعل للمولود قرنين إن لم يسمياه «عبد الحارث»، فامتنعا ومات المولود، وتكرر الأمر في الحمل الثاني.
يناقش المقطع أثراً منسوباً لابن عباس يزعم أن آدم وحواء سميا ولدهما «عبد الحارث» طاعة للشيطان، ويبين أن هذا الأثر ضعيف أو موضوع عند المحققين كابن حزم والألباني. يستعرض ابن عثيمين ثمانية أوجه تدل على بطلانه، منها ضعف السند، ونكارة المتن، وعصمة الأنبياء من الشرك، وتناقض سياق الاعتذار يوم القيامة.
يستعرض العلامة ابن عثيمين ثمانية أدلة تنفي وقوع الشرك من آدم وحواء عليهما السلام، منها تنافي قول الشيطان «إني صاحبكما» مع قصد الإغواء، واستحالة خلق الشيطان لقرني أيل، ومجيء ضمير الجمع في «يشركون» بدل المثنى. ويرجح أن الآية نزلت في بني آدم الذين أشركوا، مستدلاً بضعف أثر ابن عباس، وبأقوال قتادة ومجاهد في تفسير الشرك بأنه طاعة الشيطان في التسمية لا عبادة غيره.
يوضح المفسر أن كلمة «صالحًا» في الآية تعني السليم غير الميت ولا المشوه، ثم ينهي الجلسة مؤجلاً المسائل المتبقية إلى الدرس القادم لانتهاء الوقت.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية. قال: الدليل الثالث عن ابن عباس في الآية. قال: لما تغشاها آدم حملت؛ لأنه جاء في الآية: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾. ومعنى "تغشاها": أي جامعها. ومعنى "حملت حملًا خفيفًا": أي الحمل لما يكون في أول أمره يكون من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة. "فمرت به": أي تجاوزت هذه المرحلة بسلام، فمرت به. نعم، ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾. ومعنى "أثقلت": يعني صار الحمل كبيرًا في أشهره الأخيرة، في أشهره الأخيرة. ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾، يعني: لئن خرج هذا المولود سليمًا. "صالحًا" هنا المراد به: سليمًا، يعني ليس فيه عيب، ليس فيه عيب خلقي، ليس فيه عيب خلقي. نعم، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. فهنا جاء في هذا الأثر عن ابن عباس قال: لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة، لتطيعني أو لأجعلن له قرنَيْ أيل. والأيل هو ذكر الأوعال، والوعل معروف بكبر قرنيه، يقول له قرنان كبيران. فقال له: إما أن تطيعني. وهذا هو المراد بقوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾. سيأتي معنا، سيأتي معنا بسند صحيح عن قتادة أنه قال: "شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته". فالشرك هنا شرك الطاعة، بمعنى أنهما أجابا طلب الشيطان، أجابا طلب الشيطان في تسمية هذا الولد بتعبيده بغير الله، كما سيأتي معنا في آخر هذا الأثر. فهذا معنى قول: "أجعلن له قرنَيْ أيل". لماذا خوفه بهذا؟ لأنه إذا كان فيه قرنان سيؤذي هذه المرأة الحامل حَوَرًا، وربما يخرق بطنها، يخرق بطنها ويؤلمها، فهذا من تخويف الشيطان. قال: "فيخرج من بطنك فيشقه"، أي هذا القرن يشق البطن. "ولا أفعلن، ولا أفعلن"؛ يهددهما، يخوفهما. قال لهما: سمياه "عبد الحارث". فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا. ثم حملت مرة ثانية، فأتاهما فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا. ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، يعني: ضعفا عن الصمود والإباء والامتناع عن طاعة الشيطان بسبب حبهما للولد. فقال لهما: فسمياه "عبد الحارث". فأدركهما حب الولد، فسمياه "عبد الحارث". وهذا فيه تعبيد لغير الله، وفيه طاعة للشيطان. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. رواه ابن أبي حاتم. وهذا الأثر: منهم من حكم عليه بالبطلان والوضع كابن حزم رحمه الله، ومنهم من ضعفه كالعلامة الألباني رحمه الله تعالى. فهذا الأثر عن ابن عباس لا يصح، لا يصح. ولذلك قال ابن عثيمين عند شرحه لهذا الأثر: "هذه القصة باطلة من وجوه"، وذكر ثمانية وجوه تدل على بطلانها. الوجه الأول: قال: ليس في ذلك خبر صحيح عنه صلى الله عليه وسلم، أي أن هذا الحديث ضعيف، أو أن هذا الأثر ضعيف. قال ابن حزم: إنها مكذوبة موضوعة. قال ثانيًا: وهو انتقاده في متن هذا الأثر، ففي بعض ألفاظه نكارة. قال ثانيًا: يمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة ولا يذكر توبتهما. يعني: ظاهر هذا الأثر أن آدم وحواء وقعا في هذا الذنب وطاعة الشيطان وتسمية هذا الولد بـ "عبد الحارث"، فالله عز وجل ذكر الذنب ولم يذكر التوبة، ولم يذكر التوبة، فهذا أيضًا يدل على نكارة هذه القصة. قال ثالثًا: الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء، وتسمية الأبوين الولد بـ "عبد الحارث" فيه شرك، ولو من الشرك الأصغر كما تقدم معنا، والأنبياء معصومون من الشرك، ومعصومون من التبليغ في الدعوة، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم، فهذا أيضًا يدل على نكارة هذا الأثر. قال رابعًا: أن الناس يأتون آدم يوم القيامة فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية، ولو وقع الشرك لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى. فهل في يوم القيامة لما يأتي أهل الموقف إلى الأنبياء، فكل يعتذر ويذكر ذنبه، فلو وقع آدم في هذا الذنب وصح عنه لكان ذكره لهذا الذنب أولى من ذكره للأكل من الشجرة، لأن الأكل من الشجرة مجرد معصية لا تصل إلى حد الشرك، لكن هذا الفعل منهما يصل إلى حد الشرك، وقد تقدم معنا أن الشرك أعظم من المعاصي، أعظم من أن الشرك أعظم من المعاصي، فهذا أيضًا وجه من الأوجه. قال خامسًا: قال لهما الشيطان: "إني صاحبكما"، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، والآن يريد أن يغويهما، فكيف يقول لهما: "أنا صاحبكما، إني صاحبكما"؟ فهذا ينافي قصده ومراده. قال سادسًا: لا يمكن أن يصدق أن الشيطان يجعل له قرنَيْ أيل، فهذا شرك في الربوبية، يعني أن الشيطان يخلق كخلق الله ويغير في خلق الله، هذا يتعلق بماذا؟ يتعلق بتوحيد الربوبية، فكيف يقع ذلك من نبي الله آدم عليه السلام؟ قال سابعًا: في الآية "يشركون"، يعني في آخر الآية قال سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فجاء، جاء هنا بماذا؟ بصيغة الجمع، بصيغة الجمع، بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء لقال "يشركان"، ما قال "يشركون"، ما قال "يشركون". قال ثامنًا: وعلى هذا يكون تفسير الآية عائدًا إلى بني آدم الذين أشركوا شركًا حقيقيًا، فإن منهم مشركًا ومنهم موحدًا. وهذه المسألة كما نبهنا عليها في الدرس الماضي، اختلف أهل العلم في الآية: هل هي في الأبوين آدم وحواء، أو في ذريته ممن وقع في الشرك؟ على قولين. والصحيح كما ذكر هنا العلامة ابن عثيمين: أن الآية وردت في بني آدم الذين أشركوا، فيقوم معنا الآية في أحد ذرية بني آدم. فالله عز وجل أخبر عن هؤلاء الأبناء من الزوج وزوجته أنهما وقعا في طاعة الشيطان، في طاعة الشيطان، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾، والشرك واقع في ذرية آدم، الشرك واقع في ذرية آدم، فتكون الآية في ذرية آدم، وليس في آدم وزوجه حواء. نعم، هذا هو خلاصة ما ذكره العلماء في تحقيق هذا الخلاف، والأثر أثر ابن عباس لا يصح أصلًا، لا يصح أصلًا، ومع هذا ففي ألفاظه نكارة، ففي ألفاظه نكارة، والله تعالى أعلم. قال: وله بسند صحيح، يعني لابن أبي حاتم، عن قتادة قال: "شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته". يعني: شركاء في طاعته بأن أطاع الشيطان في تسمية الولد بـ "عبد الحارث"، أو في تسمية الولد بتعبيد غير الله. قال: وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: "أشفقا ألا يكون إنسانًا"، يعني: يكون من خلق آخر غير الإنسان. وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. وهذا من التفسير ببعض المعنى، يعني قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ يعني: سليمًا، لا يموت، لا يخرج ميتًا، أو لا يخرج معافًا مشوهًا أو نحو ذلك، فاللفظ عام، والله تعالى أعلم. بقيت معنا المسائل، نؤجل إن شاء الله إلى درس قادم، الانتهاء الوقت، إلى هنا، والله تعالى أعلم.