الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 145، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يحرم الصلاة في المقبرة والمساجد المبنية على القبور وتبطل عند الإمام أحمد، كما يحرم الدعاء عندها بقصد التبرك لكونه ذريعة للشرك. استدل العلماء بفعل عمر بن الخطاب في الاستسقاء بالعباس رضي الله عنه لا بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، وردوا زعم حياة النبي في القبر كحياته الدنيا.
مشروعية الاستسقاء بدعاء الأحياء الصالحين كالعباس ويزيد بن الأسود، مع الرد على قصة كشف عائشة لقبر النبي وبناء القبة الخضراء التي أنكرها العلماء. يسرد المقطع أحداث حريق المدينة سنة 654هـ المحقق لحديث النار في الحجاز، وعثور الجيش على جثمان دانيال ومصحف عند فتح تستر.
حفَر الصحابة ثلاثة عشر قبراً متفرقة لإخفاء قبر دانيال عليه السلام سداً لذريعة تعظيم الناس له، مما يعكس منهج السلف في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. لم يستسقِ السلف عند القبور ولا استغاثوا بها، بخلاف ما أحدثه بعض المتصوفة من بناء القباب وادعاء أن تركها عداء للأولياء.
يناقش المقطع أفضلية الدعاء في مكان محدد، مستدلاً بأنه لو كان مفضلاً لعلمه الصحابة والتابعون ولما خفي عنهم. يدل ذلك على عدم ثبوت تفضيل مكان على آخر في الدعاء مطلقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: ذكرنا في الدرس الذي مضى بعض المسائل التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. من هذه: اختلاف الفقهاء في الصلاة في المقبرة، هل هي محرمة أو مكروهة، وهل تحريمها يبطل الصلاة أو لا يبطلها؟ بالصحيح كما ذكر رحمه الله أنها محرمة بلا شك، وأن صلاته لا تصح. الذي يصلي في المقبرة، ويصلي في مسجد فيه قبور، صلاته لا تصح، وهذا مذهب الإمام أحمد في المشهور عنه. ثم ذكر أن من يقصد القبور للدعاء عندها وبها، فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين: الأول: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق على ما يقصد الدعاء في ذلك المكان، وهذا ليس عليه شيء؛ لأنه لم يقصد القبور. الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء هناك عند القبر أجوب منه في غيره، فهذا النوع منهي عنه كما ذكر الشيخ رحمه الله، وهو أيضًا محرم. ثم ذكر رحمه الله أن العلة من النهي عن اتخاذ القبور مساجد أن العلة هي: عدم الإشراك، وتعظيم هذه القبور تعظيمًا يوصل إلى الإشراك بالله جل وعلا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره. وقال: وذكر أن ما يرويه بعض الناس من أنه قال: «إذا حيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور»، هذا كذب. قال رحمه الله: الثاني: أن قصد القبور... أن قصد القبور للدعاء عندها، ورجاء إجابة الدعاء هناك، رجاء أكثر من رجاء الدعاء في غير ذلك الموطن، أمر لم يشرعه الله ولا رسوله. الذي يقصد القبور لأجل أن يدعو عندها، ليس هناك في الشرع ما يدل عليه، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء ولا الصالحين المتقدمين. بل أكثر ما ينقل من ذلك عن بعض المتأخرين بعد المئة الثانية. فأنا مثل هذه الأمور: أنه يقصد القبور للدعاء... وإلا الصحابة لم يأتِ شيء عنهم في ذلك، وكذلك التابعين وأئمة المسلمين. وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجدبوا مرات، أجدبوا، معناه: أصابهم الجدب، وهو عدم الأمطار حتى تجف الأرض وتقل الأرزاق، وتهمتهم نوائب غير ذلك. فهل جاءوا فاستسقوا واستغاثوا عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام؟ أن هذا يقول شيخ الإسلام: إن النبي عليه الصلاة والسلام، أو الصحابة، أصابتهم نوائب، وحصلت لهم أشياء، من الجدب، ومن الزلزلة، ومن غيره، ولم يأتوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يستسقوا أو يستغيثوا، ولو كان هذا جائزًا لجاءوا. قال: بل خرج عمر بالعباس يستسقي به، ولم يستسقِ عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام. الآن القبورية يقولون: إنه لا فرق بين حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ولا بعد موته، فهو حي، ولا فرق بينهما. وهذا كلام باطل. لو أن هذا صحيحًا لما عدل عمر إلى العباس، وقال: «كنا نستسقي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيسقينا». يقول: معنى يدعو الله: «اللهم إنا كنا نستسقي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيسقينا، وإنا نستسقي بك بعم نبيك، فاللهم اسقنا». ثم قال: جاء في رواية، في رواية الزبير بن بكار: «قم يا عباس، وادع الله». «قم يا عباس، وادع الله»، فاستسقى. معنى الاستسقاء بدعائه، ليس أنه بذاته... أنا ما يخرج العباس يقول: «هذا العباس، انطرنا يا رب». لا، المراد: نستسقي به أن يدعو لنا، فيسقينا الله. لهذا جاء في رواية أنه قال: «قم يا عباس، وادع الله»، فدعا العباس الله عز وجل فسقوا. وجاء أيضًا عن معاوية أنه نزل، أخرج الناس للاستسقاء، ثم قال: «قم يا يزيد بن الأسود، يا بكاء، واستسق لنا»، أي: ادعُ الله عز وجل لنا بالسقيا. قال: بل قد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كشفت عن قبر النبي عليه الصلاة والسلام لينزل المطر، فإنه رحمة تنزل على قبره، ولم تستسقِ عنده، ولا استغاثت هناك. مع أن هذا الذي ذكره عن عائشة ليس صحيحًا أنها فتحت قبة، وقد رد أيضًا هذا الأمر الشيخ الإسلام نفسه في «التوسل والوسيلة». قالوا: لهذا لما بنيت حجرته على عهد التابعين، كابي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، تركوا في أعلاها كوة إلى السماء، وهي إلى الآن باقية. فيها... جاء بعد ذلك العثمانيون، وجعلوا قبة مكان هذه الفتحة أو الكوة، جعلوا هذه القبة الخضراء. قال: وهي للآن باقية، فيها موضوع عليها مشمع على أطرافه حجارة تمسكه، وسقف كان السقف بارزًا إلى السماء، وبني كذلك. لما احترق المسجد والمنبر سنة بضع وخمسين وستمائة، لما حصل الحريق والنار الشديدة التي حصلت في المسجد النبوي، بل في المدينة كلها، في سنة ستمائة وخمسين للهجرة. قال: وظهرت النار بأرض الحجاز، التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى. بصرى هي منطقة في الشام. وقد جاء هذا الحديث في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى». وقد ذكر الحافظ ابن كثير عن جماعة أنهم رأوا هذه النار، وذكر ذلك أبو القاسم البرزالي في تاريخه، ونقله عنه الحافظ ابن كثير. قال: ثم عمر المسجد والسقف كما كان، وأحدث حول الحجرة الحائط الخشبي، ثم بعد ذلك بسنين متعددة بنيت القبة على السقف، وأنكره من كره... أنكر بناء القبة على السقف، وأنكره من كره. والظاهر كما قال المعلق: وأنكرها من أنكرها... أنكر هذه القبة التي بنيت في عهد العثمانيين، أو في عهد التتار قبله... أنا في عهدي... في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: على أن قد روينا في مغازي ابن إسحاق، من زيادات يونس بن بكير، عن أبي خلدة، قال ابن دينار: قال حدثنا أبو العالية، ورفيع بن مهران. وهذه زيادات... زيادات... زيادات يونس بن بكير الشيباني، وهو في حفظ شيء، إلا أن زيادات صحيحة، ومنهم من أنكر بعض الزيادات. قال: عن أبي خلدة، قال دينار: قال حدثنا أبو العالية، قال: لما فتحنا تستر، وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت. قال: لما فتح تستر... تستر هذه مدينة بإقليم خوزستان، وفتحت في عهد عمر، فتحها أبو موسى الأشعري، وكان أبو العالية معه. قال: لما فتحنا تستر، وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف. فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر رضي الله عنه، فدعا له كعبًا، لكعب الأحبار. قال: فنسخوا بالعربية. فقال أبو العالية: فأنا أول رجل من العرب قرأه، قراءة مثل ما أقرأ القرآن. هذا قال: فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ وأبو خلد هذا يعتبر ملازمًا لأبي العالية، أكثر روايات أبي العالية من طريق أبي خلدة، وثقه أو لا بأس به. قال: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، وأموركم، ولحون كلامكم، سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان بالليل دفناه، حتى لا يعثر على قبره. خشية أن يعتقد فيه... هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم فعلوا ذلك. لو كان مثلًا هؤلاء أهل التصوف، لبنوا عليه قبة. يعني: إذا وجدوا إنسانًا له شهرة، أو من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، تجدهم يجعلون على قبره قبة، أو يبنون، أو يبنون عليه مسجدًا. لكن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، ومن كان معهم، حفروا ثلاثة عشر قبرًا، وهذه الثلاثة عشر متفرقة، ليس في مكان واحد: واحد في الشرق، واحد في غرب المقبرة، واحد بعيد في جنوبها، وهكذا، حتى يعمون عليه، ما يدرون في أي قبر دفن. قالوا: سوينا القبور كلها لنعميها على الناس، لا ينبشونه. قال: فقلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم، برزوا بسريره فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال. أنا دانيال هو نبي من أنبياء بني إسرائيل، وقيل: أنه رجل صالح. قال: فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. وهذا سيكون بعد عيسى... بعد عيسى، وهذا يدل على أنه ليس نبيًا، إذا كان بعد عيسى. وغالبًا بين النبي عليه الصلاة والسلام وعيسى ستمائة سنة أو حولها، فلذلك... والصحيح أنه ليس بين عيسى وبين نبينا عليه الصلاة والسلام نبي. وبعض يقول: ليس بين عيسى وبين نبينا عليه الصلاة والسلام رسول، لكن الأنبياء كثير، ومنهم دانيال، فهو نبي، لكن لم يكن عندنا، أو لم يكن هناك دليل على صحة ذلك، وإنما هي أخبار. طيب. قال: منذ وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه. إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السباع. وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية. فابن إسحاق ثقة، ورواها عن أبي خلدة، وأيضًا أبو خلدة ثقة، وأبو العالية أيضًا إمام، وهو ربيع بن مهران الرياحي. قال: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره، لألا يفتتن به الناس، وهو إنكار منهم لذلك. هذا دليل واضح على ما كان عليه السلف من عقيدة صحيحة، وخشية تعظيم مثل هذه القبور، والبعد عن هذه الأمور. قال: ويذكر أن قبر أبي أيوب الأنصاري عنده القسطنطينية، كذلك... ولا قدوة بهم، ولا قدوة بهم. أي: ليس فعلهم حجة. وجود القبر عندهم ليس معنى أن هذا الفعل صحيح، الذي فعلوه يرفعون القبور ويشرفون. قال: فقد كان من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما استغيث عند قبر صاحب قط، ولا استسقي عند قبره، ولا به، ولا استنصر عنده، ولا به. أن كل ذلك ما يفعلون، لا يتقون القبر يدعونه، ولا يدعون عند القبر. معنى: بعد الناس من مثل هذه الأشياء. الآن أهل التصوف يزرعون في قلوب أتباعهم أن من لم يهتم بالقبور فهو عدو لأولياء الله، يعادي أولياء الله، ومن لم يأتِ إلى القبور فهو أيضًا عندهم عدو لأولياء الله. قال: ومن المعلوم أن مثل هذا ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، بل على نقل ما هو دونه. ومن تأمل كتب الآثار، وعرف حال السلف، تيقن قطعًا أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلًا، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جهالهم، كما قد ذكرنا بعضه من الأحاديث التي ذكر، أو الآثار عن الحسن بن محمد، وعن علي بن الحسين. قال: فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة، ولا يكون. فإن كان أفضل، لم يجز أن يخفى علم هذا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم