التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 170

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 170

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 170، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

باب سوء الظن بالله وحسن الظن به

يستهل الشيخ بشرح باب سوء الظن بالله من كتاب التوحيد، معرفاً إياه بأنه اتهام الله بالسفه أو الظلم في أفعاله، ومبيناً أن أفعال الله كلها مقرونة بالحكمة والعدل. ويؤكد أن حسن الظن بالله واجب ومن أساء الظن بربه لم يعرفه حق المعرفة، مستدلاً بأحاديث تربط عاقبة العبد بظنه بربه.

تفصيل معنى حسن الظن عند ابن عثيمين وابن القيم

يوضح المقطع مفهوم حسن الظن بأنه توقع الرحمة والمغفرة وقبول الأعمال وحمل المصائب على الحكمة، وينقل عن الشيخ ابن عثيمين أن إساءة الظن تنقص التوحيد لطعنها في أفعال الله مستدلاً بقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. ويستعرض أقوال ابن عثيمين وابن القيم في متعلقات حسن الظن وخطورة سوء الظن الذي فعله المنافقون.

إسناد الترجمة إلى نانسي قنقر

يختتم الدرس بالإشارة إلى أن ترجمة هذا المحتوى من إنجاز نانسي قنقر، مع تكرار اسمها لتأكيد نسبة العمل إليها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. هذا الباب عقده المؤلف رحمه الله تعالى بالتحذير من سوء الظن بالله سبحانه وتعالى. ومناسبة هذا الباب للذي قبله: أن الباب السابق في النهي عن سب الريح، وهذا الباب في سوء الظن بالله، وكل البابين فيهما من القدح في أفعاله سبحانه وتعالى. فمن يسب الريح يقدح في فعل الله عز وجل، فالله هو الذي سخرها ودبرها. والذي يسيء الظن بالله فهو كذلك يقدح في أفعاله سبحانه وتعالى، لأن أفعاله كلها مقرونة بالحكمة. ومعنى سوء الظن كما ذكر ذلك العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: أن يظن في فعل الله عز وجل سفهاً أو ظلماً أو نحو ذلك، فهذا من سوء الظن بالله سبحانه وتعالى. فخلاصة هذا الباب: أن الله سبحانه وتعالى كامل في أسمائه وصفاته، فهو سبحانه وتعالى العدل الكامل في عدله، فكل عمله سبحانه وتعالى بعلمه وعدله الكامل، ليس فيه ظلم، وهو سبحانه لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، إلا لحكمة بالغة عظيمة. فيجب أن يظن به الظن الحسن، أن يظن به الظن الحسن. ومن أساء الظن بربه فما عرف ربه، الذي يسيء الظن بربه في الحقيقة لم يعرف ربه حق المعرفة. فهذا باب عظيم في تعظيم الله سبحانه وتعالى، باب عظيم في تعظيم الله عز وجل، أن يحسن المسلم الظن بربه سبحانه وتعالى. فهناك حسن ظن بالله، وهناك سوء ظن بالله. فعاقبة حسن الظن حميدة، ويعطي الله عز وجل من أحسن به الظن على حسب ظنه بربه، وهكذا يعطي من أساء الظن بالله على حسب سوء ظنه. فعن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى - أي حديث قدسي -: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء. فمن ظن بالله الظن الحسن أعطاه الله عز وجل بما ظن من هذا الظن الحسن، ومن ظن بالله عز وجل ظن السوء أعطاه الله عز وجل ما ظنه». والحديث في أحمد، وصححه الألباني. وجاء عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاث يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله». رواه مسلم. وقد ذكر أهل العلم أن حسن الظن بالله في هذا الحديث - "لا يموتن أحدكم إلا وحسن الظن بالله" - أن يظن أن الله يرحمه ويعفو عنه. ولذلك ذكر أهل العلم أن المريض يغلب عليه حسن الظن بالله عز وجل، وأن الله يرحمه ويعفو عنه ويلطف به، أو يلطف به ونحو ذلك. فهذا من حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. ويقول الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله مبيناً معنى حسن الظن بالله: قال: «حسن الظن بالله أن الإنسان...» - هذا قاله في بعض كتبه الأخرى، ليس في تعليقه أو في شرحه على كتاب التوحيد، وإنما في سؤال أجاب عليه في برنامج "نور على الدرب". فسئل هذا، أو قال رحمه الله: «حسن الظن بالله أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً يحسن الظن بربه أنه سيقبل منه. إذا دعاه، هذا من حسن الظن: أنك إذا دعوت الله عز وجل فإنك تظن بالله عز وجل الظن الحسن بأن الله يقبل منك هذا الدعاء ويستجيب لك. وإذا أذنب ذنباً ثم تاب إلى الله ورجع من ذلك الذنب يحسن الظن بالله أنه سيقبل توبته». هذا أيضاً من حسن الظن بالله. قال: «وإذا جرى الله تعالى في الكون مصائب، يعني أقداراً مؤلمة، يحسن الظن بالله وأنه سبحانه وتعالى إنما أحدث هذه المصائب لحكم عظيم بالغ. لا تظن وتسيء الظن بالله إذا نزلت بك الشدائد والمحن، فرب شدة كانت سبباً لإقبالك على الله، وكذلك تحول حالك من حال سيئة إلى حال حسنة، فأصبحت المصائب نِعماً عليك. لا تدري: إذا أخذ الله ولدك، لعل هذا الولد يكون شفيعاً لك يوم القيامة، ولو عاش لربما كان سبباً لشقائك. ولي كذلك تعاسة حياتك أو نحو ذلك، كما جاء في قصة الخضر مع موسى عليه السلام: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾. فالله عز وجل له الحكم البالغ. فأحسن الظن بالله، لا تسيء الظن أن الله يريد بك شراً، وأن الله يريد أن يعذبك، وأن الله يريد أن يخيبك. لا، لا تسيء الظن بالله، أحسن الظن بالله، وعلم أن أفعاله سبحانه وتعالى مقرونة بالحكمة». وكما قال الشيخ ابن عثيمين: فإن ما يحدثه الله عز وجل من هذه المصائب لحكم عظيم بالغة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فأحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. فهذا معنى حسن الظن بالله. فإساءة الظن بالله عز وجل مما ينقص في توحيد العبد سبحانه وتعالى، لما في ذلك من القدح في أفعال الله عز وجل. ثم بوب على هذا الباب بقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. هذه الآية في المنافقين، فهم يظنون بالله غير الحق، يعني يظنون بالله الظن السيء، فهذا هو الظن بالله بغير حق، ظن أهل الجاهلية. قال ابن عثيمين: «ظن الملة الجاهلية التي لا يعرف الظن فيها قدر الله وعظمته، لا يعرف الظن فيها قدر الله وعظمته». هذا هو ظن أهل الجاهلية: من يسيء الظن بالله عز وجل ولا يعرف الله حق معرفته، ولا يقدر الله حق قدره سبحانه وتعالى. قال: «فهو ظن باطل مبني على الجهل». ثم قال الشيخ ابن عثيمين: «والظن بالله على نوعين: أن يظن بالله خيراً، وهو ما يسمى بالظن الحسن، وله متعلقان: الأول: متعلق بما يفعله في هذا الكون، أي بما يفعله الله عز وجل في هذا الكون من قضائه وقدره، فهذا يجب عليك أن تحسن الظن بالله فيه، وأن الله عز وجل قدر ذلك لحكمة بالغة ولرحمته بعبده سبحانه وتعالى. والمتعلق الآخر: قال: متعلق بالنسبة لما يفعله بك. يجب أن تظن بالله أحسن الظن. قد تمرض، قد كذلك يأخذ منك مالك أو ولدك أو نحو ذلك. فهذا متعلق بالنسبة لما يفعله بك. الأول بالنسبة لما يفعله في الكون عامة: الحوادث العامة من فيضانات، أو من حرارة شمس، أو حرارة برد، أو شدة برد، أو نحو ذلك. والمتعلق الخاص: يعني بك وحدك. فهذا يجب أن تظن بالله أحسن الظن، بشرط أن يوجد لديك ما يوجب الظن الحسن، وهو الإخلاص والمتابعة. من أخلص لله وتابع في عباداته وسار على شرع الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى لا يخيبه، ولا كذلك يتركه، بل يكون عوناً له، فما أصابه في الحقيقة فهو رحمة من الله عز وجل عليه». هذا هو الظن الحسن، له متعلقان: متعلق بما يفعله في الكون، ومتعلق بما يفعله بك أنت. والنوع الثاني من أنواع الظن: أن يظن بالله سوءاً، مثل أن يظن في فعله سفهاً أو ظلماً أو نحو ذلك، يعتقد أن الله ظلمه بهذا الفعل، أو أن هذا الفعل لا ينبغي أن يقدر، أو نحو ذلك مما لربما تلفظ به بعض الناس، أو وقع في قلوبهم، أو وقع في قلوبهم، فإنه من أعظم المحرمات، أقبح الذنوب، كما ظن المنافقون وغيرهم غير الحق، كما في هذه الآية. وسيأتي من كلام ابن القيم أن من سوء ظن الكفار: أن الله سبحانه وتعالى سيديل عليهم عدوهم، أي يغلبهم عدوهم ويستأصلهم. وهذا من سوء ظن المنافقين بالله سبحانه وتعالى. وسيأتي معنا إن شاء الله في الدرس القادم الكلام على الآية الأخرى التي ذكرها، وكذلك كلام ابن القيم، وما ذكره الشيخ ابن عثيمين في بعض فوائد كلام ابن القيم. نكتفي بهذا، وانتهى الوقت إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر