كتاب الوقف 9

كتاب الوقف 9

الدرس في كتاب الوقف 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إبراء الذمة بألفاظ الهبة والصدقة وشرط القبول

يناقش المقطع حكم إبراء الغريم من الدين بألفاظ الهبة والصدقة، مبيناً خلاف العلماء في اشتراط قبول المدين؛ فذهب الإمام أحمد وابن عثيمين إلى لزوم الإبراء دون قبول، بينما أوجب الجمهور القبول تشبهاً بهبة الأعيان. كما تطرق لجواز هبة ما يصح بيعه واستثناء الكلب المقتنى.

وجوب العدل بين الأولاد في العطية وأقوال الفقهاء

يتناول المقطع حكم العدل في عطية الأولاد مستدلاً بحديث النعمان بن بشير، موضحاً قول الجمهور بوجوب التعديل على وفق الميراث، وقول الشافعي ومالك بالاستحباب فقط. كما يبين تفصيل المذهب الحنبلي في القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين، ورأي الشافعي في التسوية المطلقة مع جواز التفضيل لعذر.

تطبيق التسوية في العطية بين الأبناء الذكور

يستعرض المقطع صورة عملية للتفضيل في العطية بين الأبناء الذكور، حيث أعطى الأب أحد أبنائه مائة ألف والآخرين خمسين ألفاً. يوضح الحكم الشرعي بوجوب إما استرداد الزيادة من الأول أو إكمال نصيب الباقين لتحقيق العدل والتسوية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن أبرأ غريمه من دينه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها برئت ذمته، ولو لم يقبل. معنى ذلك: لو كان مثلاً في ذمة شخص لآخر مثلا مائة ألف، أنا مثلاً هذا زيد وهذا عمر، زيد في ذمة عمر مائة ألف، فقال له عمر: قد أبرأت ذمتك من هذا الدين، فلا يشترط هنا القبول من الغريم، أي المدين. أنا هذا زيد لا يشترط قبوله، بل تبرأ ذمته ولو لم يقبل. مثالاً: أحياناً من باب الإخوة أو الصداقة يقول: خلاص، هذا الدين أبرأتك، فيقول له: لا، هذا دين، هذا دين علي سأعطيك إياه، فيقول له: خلاص، أبرأتك. فعند أحمد هنا يلزم وإن لم يقبل، أي لا يشترط قبول الغريم. وهناك قول آخر في المسألة، وهو أيضاً قول في مذهب أحمد. والقول الأول هو قول الجمهور، والقول الثاني: أنه لا يجبر على القبول، لأن إجباره على القبول إجبار على أن يكون تحت منة غيره. وقالوا أيضاً: إن هذا هبة، هبة ديون وأموال، فأشبهت هبة الأعيان والأموال. معناه: مثل الذي يعطيك مالاً يقول لك: هذا هبة، فالذي يبرئ يبرئك من الدين، معناه كأنه أعطاك هبة. ولا شك أن الذي يعطي هدية وهبة لا يشترط قبوله لها، ولا تدخل في ملكه حتى يرضى، فكذلك قالوا في هبة الديون. وهذا تعليل صحيح، اختاره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، لعدم الفرق بين هبة الديون وهبة الأعيان. وقالوا: وتجوز هبة كل عين تباع، وكلب يقتنى. أن كل عين صح بيعها تجوز هبتها، وما لا يصح بيعه لا تصح هبته. مثلاً: الوقف، الوقف لا يصح بيعه، كذلك لا يصح هبته. وهذا إذا كان بيعه فيه نقل يد، أن ينقل يده عن هذا إلى آخر. وأما إذا كان لمعنى آخر، مثلاً عدم ماليته، فيصح هبته. مثل: كما ذكر هنا الكلب الذي يقتنى، فإنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعه، لكن يجوز اقتناءه، فيصح هبته. وقال بعضهم: العلم كذلك، هو قول عند الحنابلة أنها لا تصح، لأنه لا يباع، وليس هناك نص أو دليل على أنه كلما بيع جازت هبته، وكلما لا يباع لا تجوز. فإذا صحت الهبة عن الاقتناء، اقتناء الكلب يصح، أنه يقتني كلباً لا يشتريه لكن يقتنيه، يأخذه من مكان ويربيه، فما دام يصح الاقتناء تصح الهدية. ويجب التعديل في عطية أولاده. يجب التعديل في عطية الأولاد. هذا فصل طيب إن شاء الله، ونأخذ هذه المسألة حادثة طيب. قال: ويجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم. معناه: يجب على الوالد، على قول الجمهور، سواء كان أباً أو أماً، التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم. معناه: للذكر مثل حظ الأنثيين. إذا أعطى أولاده هدية، سواء كان الأب أو الأم، أن يعدلوا بين أولادهم في أصل هذه العطية، لا يختص أحد الأولاد بعطية دون بقيتهم. وهذا لما جاء في الصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني نحلت ابني هذا نحلة. نحلة: معناها شيء أطيته، هبة. جاء في بعض الروايات أنه غُلَام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ فقال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال النعمان: فرجع أبي فرد تلك الصدقة. وفي رواية في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أشهد على جور. وفي مسلم جاءت رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشهد على هذا غيري. وجاء في رواية أنه قال: سرك أن يكون لك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذن. فقولهم: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، يدل على وجوب العدل بين الأولاد، وأن تركه جور وظلم. وهذا يدل على أنه لابد من... وذهب الشافعي ومالك إلى استحباب العدل بين الأولاد في العطية، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أشهد على هذا غيري. أشهد على هذا غيري. وهذا الاستدلال ليس صحيحاً، لأن هذا من باب فقط أن مثل هذا لا أشهد عليه، ليس أن المراد أن تشهد غيري عليه، وإنما أنا لا أشهد على مثل هذا لأنه جور وظلم. فلذا الصحيح هو مذهب الحنابلة: أن يجب العدل بين الأولاد في العطية. يجب العدل بين الأولاد في العطية. واختلف هنا، وذكر المؤلف هنا أن العدل هو مثل ما يكون في الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا أيضاً مذهب أحمد، أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين. قال أحمد: هذا العدل الذي ذكره الله عز وجل في المواريث. والشافعي رحمه الله يقول: أن العدل هو التسوية، واستدل بروايات عند النساء أيضاً: ألا سويت بينهم. وتحمل على العدل: ألا سويت بينهم، ألا المراد التسوية في أصل العطية. فلذا فالعدل عند أحمد كما قلنا: إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا أولى، أن هذا هو العدل الذي ذكره الله. وهنا المؤلف أطلق الكلام، أن ظاهر كلامه: لو كان هناك معنى يقتضي التخصيص، كان يكون مثلاً بعض ولده فيه زمانة، فيه مرض، مجنون، أو عمى مثلاً، أو له اشتغال بعلم أو دعوة أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالعطية، فهناك أيضاً قول عن الإمام أحمد أنه لا بأس أن يعطي إذا كان لشيء مخصص. إذا كان هناك شيء مخصص يجوز التفضيل في العطية، مثلاً طالب العلم يعطيه مالاً لأجل أن يشتري كتباً كذا. وهذا هو الصحيح الذي رجحه ابن قدامة وغيره. وهذا أيضاً من باب التفضيل الذي ذكره الله عز وجل بين الذكر والأنثى، وهذا لا ينافي العدل، أنه يعطى من يستحق أكثر من غيره، أو يعطى بخص بشيء لا بأس. قال: فإن فضل بعضهم سوي بينهم برجوع أو زيادة. فإن فضل بعض أولاده تفضيلاً، فإنه ينهى عنه، فيجب... معناه: إذا كان هذا التفضيل مما نهي عنه، يجب عليه أن يسوي بينهم، إما بأن يرجع في صدقته وعطيته، وإما أن يعطي الآخر مثله أو يزيده حتى يسوي بينهم. مثلاً: أعطى أحد أولاده مائة ألف، وأعطى الآخرين خمسين، أي من الذكور، فهنا إما أن يرجع الخمسين، أو يعطي هؤلاء الخمسين ألف الأخرى. طيب، إن شاء الله أكتفي بهذا.