الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 120، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الرفق يؤدي إلى الخير بينما القسوة تؤدي إلى الحرمان منه. المؤمن يجب أن يكون رفيقاً في أقواله وأفعاله.
الرفق خلق يحبه الله تعالى ومن أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير. الرفق أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة.
حسن الخلق أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة بينما سوء الخلق يسبب بغض الله تعالى للعبد. النبي حث على حسن الخلق وحذر من سوء الخلق.
ينبغي على المسلم أن يتقي الله في أقواله وأفعاله وأن يزنها بميزان الشرع. هذا يقتضي الحذر والتأني في كل ما يقول أو يفعل.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا مسدد وابن مسرهد قالا: حدثنا أبو عوانة عن الأعمش - وقصوه سليمان بن مهران - عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يحرم الرفقة يحرم الخيرة». قال: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا شعبة عن الأعمش مثله. هذا الحديث صحيح، وفي صحيح الإمام مسلم. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن من يحرم الرفق يحرم الخير، من يحرم الرفق في التعامل مع الناس، وفي التعامل مع الأهل، والتعامل مع الأصحاب، فإنه يحرم الخير. لا يوفق للخير الذي يحرم الرفق لا يوفق للخير؛ لأنه إذا حرم الرفق كان من خلقه القسوة والعنف والشدة، وهذا مثله صعب أن يألفه أحد، صعب أن يؤلف أحد، لا من قريب ولا من بعيد. ولهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمنون يألفون ويؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف». فالمؤمن من خلقه وصفاته الألفة، يألف غيره بسبب رفقه ولينه، ويألفه غيره كذلك بسبب رفقه ولينه. فإذا كان من خلقه الشدة والقسوة فإن الناس ينفرون عنه، ولا يستطيعون أن يعيشوا معه، ولا أن يتعاملوا معه، فلا يؤلف، وهو كذلك أيضا لا يألف أحدا بسبب هذا الخلق الذي تحلى به، وبذلك يحرم الخير. يحرم الخير ربما يزيغ ويضل بسبب عدم الرفق؛ بسبب عدم الرفق يجعل من خلقه القسوة والشدة في التعامل مع الآخرين، فيوصله ذلك إلى الزيغ والضلال. ربما يتكلم في فلان من الناس: هذا كذا وكذا، هذا لص، وهذا على طريق الحزبية، وهذا فعل كذا، ويتعامل مع الآخرين بهذا الأسلوب من القسوة والشدة بلا حجة ولا برهان. وإذا طولب بالحجة والبرهان والدليل تحده، ماذا يصيح ويظهر عضلاته؟ وهذه حلبة المصارعة، فمن أراد أن يصارع فليأت ويعامل الناس بهذه القسوة والشدة. فمثل هذا ما يوفق للخير أبدا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يحرم الرفقة يحرم الخير»، يحرم الخير. فإذا كان هذا خلقه فإنه لا يولف، وتنفر الناس عنه. وكما قال الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، لو كان من خلقك الغلظة والقسوة لنفض الناس من حولك، ولما جلسوا لك. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على الرفق، أن يكون رفيقا في أقواله، لا يكون بذيء القول، بذيء القول من خلقه السب والشتم والطعن والقذف، فليس هذا من صفات المؤمن الذي يتحلى بالرفق. ولا كذلك أيضا أن يكون من خلقه العنف في أفعاله، العنف في أفعاله بالاعتداء على الآخرين بضرب أو أخذ مال أو سفك دم أو غير ذلك مما فيه اعتداء وظلم. فالذي لا يتحلى بالرفق فإنه كما سمعنا ينفر عنه من كان حوله، حتى أصحابه، حتى أصحابه لا يستطيعون أن يتعاملوا معه إذا كان من خلقه الشدة والقسوة. فمثل هذا لا يستطيع أحد أن يؤلفه، بل ربما حتى أهله، حتى زوجه، إذا كان من خلقه عدم الرفق والمعاملة لهم بالقسوة والشدة، فإنهم كذلك ربما ينفرون عنه، فيحرم الخير. ربما يحرم خير النكاح والزواج بسبب القسوة والشدة وعدم الرفق. وهكذا ربما يحرم الهداية والاستقامة بسبب الشدة والقسوة وعدم الرفق. كما سمعنا يعامل الآخرين بشدة وقسوة حتى يكون آخر أمره هو الزيغ والضلال والانحراف. وكم رأينا من مثل هؤلاء الذين تحلوا بهذا الخلق الذميم من الشدة والقسوة، تجد آخر أمرهم أنه يقع فيما كان ينهى عنه غيره، رغم أنه يعامل الآخرين بهذه المعاملة ويرميهم بما يرميهم به. وما هي إلا الأيام والليالي وإذ به يقع فيما وقعوا فيه، ويسير في خطهم، وينهج منهجهم بسبب شدته وقسوته. تذهب هذه الشدة والقسوة ويصبح متساهلا ومميعا. فلهذا ينبغي علينا أن نحرص على هذا الخلق وهو خلق الرفق، وأن من أراد الخير فإنه عليه أن يتحلى بهذا الخلق، فهو سبب للحصول على الخير، وحرمان هذا الخلق حرمان للخير. من يحرم الرفق يحرم الخير، يحرم الخير. قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير، أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». والحديث صحيح، وقد صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وفي هذا الحديث كذلك في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن من أعطي حظه من الرفق - يعني من تحلى بهذا الخلق ووفقه الله سبحانه وتعالى بأن يكون رفيقا - فقد أعطي حظه من الخير، أعطي حظه من الخير. ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير، الذي يحرم الرفق فإنه يحرم كذلك الخير بقدر حرمانه لهذا الرفق، بقدر حرمانه لهذا الرفق. ثم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن الخلق، أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن الخلق. الله سبحانه وتعالى جعل ميزانا يوم القيامة يزن فيه أعمال العباد، يزن فيه أعمال العباد، وكذلك أيضا يوزن فيه العباد كما دلت بذلك الأدلة الصحيحة، وهو ميزان حقيقي له كفتان كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة. ينصب يوم القيامة للعدل بين العباد كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. فهذا الميزان توزن فيه الأعمال، ومن أفضل الأعمال التي تثقل موازين المؤمن حسن الخلق، حسن الخلق أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر لعائشة عند أبي داود: «إن المؤمن لا يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم»، إن المؤمن لا يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم، الصائم الذي يصوم النهار ويتقرب إلى الله تعالى بالصوم، ويقوم الليل ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بقيام الليل. وهذا الآخر ربما ما عنده هذه أعمال، لكن عنده خلق حسن، عنده خلق حسن، فيدرك بحسن خلقه درجة هذا الصائم القائم. انظروا إلى عظيم فضل الخلق الحسن. قال: «أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء». الله سبحانه وتعالى يبغض الفاحش البذيء، وهو بمعنى الفاحش، والفحش هو كل ما كان سيئا من الأقوال والأفعال، كل ما كان سيئا من الأقوال والأفعال فهو فحش. فالله سبحانه وتعالى يبغض الفاحش في أقواله وفي أفعاله، البذيء في قوله وفعله، فالله سبحانه وتعالى يبغضه. وإذا أبغضه الله سبحانه وتعالى فما الذي يتوقع أن يكون حاله في الدنيا قبل الآخرة؟ النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الله عز وجل إذا أبغض عبدا نادى جبريل: إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه، ثم ينادي في الملائكة: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فتبغضه الملائكة، ثم يوضع له البغضاء في الأرض. انظروا إلى عقوبة من غضب الله سبحانه وتعالى عليه، يبغضه الله عز وجل ويأمر ملائكته أن يبغضوه، ثم توضع له البغضاء - يعني يبغضه كل الناس - يبغضه عامة الناس بسبب بغض الله سبحانه وتعالى له. كيف يكون سبب هذه البغضاء؟ سوء الخلق، يبغضه الله سبحانه وتعالى بسوء خلقه وفحش قوله وفعله، فتوضع له البغضاء في الأرض. فلهذا ينبغي على المسلم أن يحذر أن يحذر من سوء الخلق، وأن يحرص على أن يكون ذا خلق حسن، وأن لا يكون فاحشا ولا يكون بذيئا، سبابا شتاما طعانا في إخوانه المسلمين، يأكل في أعراضهم وينهش في لحومهم ويتكلم فيهم بغير حق. بل ينبغي أن يتق الله سبحانه وتعالى وأن يزن أقواله وأفعاله، وأن لا يتكلم إلا بما يرضي الله سبحانه وتعالى وما يقربه إلى الله عز وجل.