التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 187

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 187

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 187، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

النهي عن الغدر وأحكام الذمة مع الكفار

يشرح المقطع حديث بريدة رضي الله عنه متضمناً وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للأمراء في الغزوات، ومنها النهي عن الغدر عند وجود عهد وبيان أن الغدر بلا عهد جائز لكون الحرب خدعة. كما يفصل دعوة الكفار إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، مع التحذير من إعطاء ذمة الله ورسوله والاكتفاء بذمة الإمام وأصحابه.

أحكام الذمة ووصايا الأمير للجيش في الغزوات

يبيّن المقطع معنى ذمة الله وذمة نبيه، مبيناً النهي عن إعطاء العهد للكفار تعظيماً لحرمة الله، ثم يفرق بين الجيش والسرية. ويستعرض وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للأمراء بتقوى الله وحسن معاملة المسلمين والبدء بالغزو باسم الله والاستعانة به.

شروط القتال في سبيل الله والنهي عن المحرمات

يوضح المقطع أن القتال في سبيل الله يكون خالصاً لإعلاء كلمة الله وإنقاذ الكفار من النار، لا للعصبية أو المصالح الدنيوية. وينهى عن الغلول (أخذه من الغنيمة قبل القسمة) والغدر (نكث العهد)، ويبيّن حكم التمثيل بالقتلى أنه منهي عنه لغير حاجة ويجوز للمصلحة كتخويف العدو أو بالمقابل.

حكم التمثيل في الحرب ومصلحة ترهيب العدو

يوضح المقطع أن بعض العلماء، ومنهم الشيخ ابن عثيمين، أجازوا التمثيل في الحرب إذا رأى أمير الجيش فيه مصلحة ترهيب للعدو، حتى لو لم يكن هناك مقابل مباشر. وينتهي الدرس عند هذا الحد على أن يكمل الشرح في الجلسة القادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد، وفي باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه: وعن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، فقال: «اغزوا بسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا». رواه مسلم. هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، ومعانٍ جليلة، وأحكام عظيمة. ووجه الشاهد من هذا الحديث، ومما بسببه أورده المؤلف في هذا الباب، قوله: «ولا تغدروا»، وقوله كذلك: «فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه». فمعنى «لا تغدروا»: أي إذا عاهدتم فلا تخونوا، فلا تخونوا. وأما الغدر بلا عهد تجاه الكفار فهذا يجوز؛ لأن الحرب خدعة. لكن المراد هنا: لا تغدروا إذا عاهدتم الكفار، وبينكم وبينهم عهد وصلح، فلا يجوز لكم أن تغدروا طالما أنهم ملتزمون بهذا العهد وبهذا الصلح. هذا وجه من أوجه الاستدلال بهذا الحديث في هذا الباب. ووجه آخر في قوله: «فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه»، كما تقدم معنى في بداية هذا الباب: أن العهد بذمة الله أو ذمة نبيه فيه تنقص لعظمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن ذلكم المتعاهد لربما نقض أو نكث العهد، وقد عاهد بالله أو بذمة الله، فلا شك أن هذا يدل على نقص في تعظيم الباري سبحانه وتعالى. فتعظيماً لأمر الله، أو تعظيماً لأمر ذمة الله، فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها، فلذلك نهي المسلم أن يجعل للكافر عهد الله وعهد نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. وفي قوله: «باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه»، ومن باب الفائدة وأخذ العلم، وكذلك الفوائد من هذا الحديث، لا بأس أن نقف عند معاني هذا الحديث وما فيه من فوائد. فقوله هنا: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية»، الجيش: هو ما زاد على أربعمئة رجل، هذا يقال له جيش في عرف أهل الحرب والجهاد. والسرية: هي دون الأربعمئة، وقيل سميت السرية سرية لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابها، يخفى ذهابها، فسميت سرية، وهي ما كانت أقل من أربعمئة مقاتل. وقوله هنا: «أوصاه في خاصته بتقوى الله»، يعني: أوصاه في نفسه، يعني في نفس هذا الأمير أن يتقي الله، وهي وصية عظيمة، وصية عظيمة أوصى الله عز وجل بها الأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فهي وصية عظيمة، ومعناها: امتثل أمر الله واجتنب نهيه، وهذا هو الدين، الدين هو امتثال للأمر واجتناب للنهي. فيوصي هذا الأمير بهذه الوصية العظيمة، وفي هذا أن خير ما يوصى به تقوى الله سبحانه وتعالى، فإذا قال لك: «أوصني»، فأول ما توصيه: أوصه بتقوى الله سبحانه وتعالى. ثم قال: «وبمن معه من المسلمين خيراً»، يعني: أوصاه أيضاً بمن معه من المسلمين خيراً، فلا يشق عليهم، لا يشق عليهم، ولا كذلك يعني يظلمهم، ولا يظلمهم، ولا يشد عليهم، ونحو ذلك من تلك المعاني؛ لأن الأمير له طاعة، الأمير له طاعة على الرعية. ثم يقول لهذا الجيش: «اغزوا بسم الله»، يعني: مستعينين بالله، مستعينين بالله سبحانه وتعالى، فافتتحوا الغزو بسم الله؛ لأن البسملة معناها الاستعانة، ولذلك شرعت في ابتداء كل عمل يعمله العبد من سفر، أو من غزو، أو من أكل، أو من شرب، أو من دخول، أو من خروج، أو نحو ذلك؛ لأن فيه معنى الاستعانة بالله سبحانه وتعالى. ثم يوصيهم أيضاً بقوله: «قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله». وقوله: «في سبيل الله»، فيه: القتال والجهاد في سبيل الله، أي: مخلصاً لله سبحانه وتعالى، لا تقاتل عصبية، ولا قومية، ولا حمية، ولا وطنية، ولا من أجل أغراض دنيوية ومصالح مالية، وإنما تقاتل لإعلاء كلمة الله. من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، فهو في سبيل الله. وقوله: «من كفر بالله»، أي: قاتل من أجل إنقاذ هؤلاء الكفار من النار؛ لأن من كفر بالله أين مصيره؟ مصيره النار، والعياذ بالله. فشرع القتال من أجل إخراج الناس من الكفر، شرع القتال من أجل إنقاذ الناس من النار. هكذا ينبغي أن يستشعر المجاهد في سبيل الله عند قتاله للكفار: أن قتاله ليس من أجل العصبية، أو من أجل القومية والوطنية، وإنما من أجل إعلاء كلمة الله، ومن أجل إنقاذ هؤلاء الكفار من النار. ثم يقول لهم: «اغزوا ولا تغلوا». ومعنى «ولا تغلوا»: الغلول هو أن يكتم المقاتل شيئاً من الغنيمة فيختص بها قبل قسمتها، فهو الأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم، قبل أن تقسم. ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فلا يجوز للمقاتل أن يأخذ شيئاً من الغنيمة قبل قسمتها، إلا من قتل كافراً بعينه، فقد أذن له الإسلام أن يأخذ سلب هذا المقتول، سلب هذا المقتول، أي: سلاح هذا المقتول، وذلك يكون بعد إثبات أن هذا المجاهد قتل هذا الكافر، وبإخبار أمير الجيش أو أمير المؤمنين بذلك. وقوله هنا: «ولا تمثلوا». وقوله قبل ذلك: «ولا تغدروا»، قد مر معنا الغدر: هو إذا عاهد المسلمون الكفار فلا يخونون، فلا يخونون. وأما الغدر بلا عهد فهذا يجوز؛ لأن الحرب خدعة، كما تقدم معنا. وقوله هنا: «ولا تمثلوا»، التمثيل: هو التشويه، تشويه المقتول بقطع بعض الأعضاء، كقطع أذنيه، أو قطع أطرافه، يديه ورجليه، أو قطع أنفه. فهذا جاء النهي عنه، جاء النهي عن ذلك إذا كان لا حاجة إليه، لا حاجة إليه؛ لأنه انتقام في غير محله. أما إذا هنا رأى، إذا رأى أمير الجيش مصلحة في هذا التمثيل بالكافر، فأجاز العلماء ذلك. ما هي هذه المصلحة؟ كتخويف العدو وإدخال الرعب في قلوبهم، فإن أهل العلم جوزوا ذلك. ولذلك: الغلول والغدر لا يجوز، لكن التمثيل جوزه العلماء. ولغير حاجة: ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه مكروه، إلى أنه مكروه وليس بمحرم. ولذلك جاز للمصلحة، ولذلك جاز للمصلحة. أما لغير حاجة ولغير مصلحة، فهذا الذي جاء النهي عنه. أما إذا كان في المقابل، بمعنى أن العدو مثل بالمسلمين، فللمسلمين أن يمثلوا بالكفار. هذا إذا كان في المقابل، إذا كان بالمقابل. أما إذا لم يكن بالمقابل، أو لا حاجة فيه، فهذا الذي نهي عنه. وإذا لم يكن بمقابل، لكن رأى أمير الجيش أن في ذلك مصلحة، إذا فيه إرهاب للعدو، فقد جوز جماعة من أهل العلم ذلك، ورجح ذلك منهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى. هذا معنى قوله: «ولا تمثلوا». طيب، لانتهاء الوقت نكتفي إلى هذا الحد، ونكمل بقية شرح الحديث إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة.