الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تستعرض خديجة رضي الله عنها صفة صلة الرحم لدى النبي صلى الله عليه وسلم دليلاً على أن الله لا يخزيه، ويؤكد النص أن النبي كان موصلاً لأرحامه قولاً وفعلاً، وجعل دعوته الأولى إلى صلة الرحم مع كسر الأوثان. وشهد بذلك أعداؤه كأبي سفيان وجعفر بن أبي طالب لدى النجاشي، كما أمر الله بها بعد حق الوالدين في القرآن.
دعا النبي ﷺ منذ بداية دعوته إلى صلة الأرحام حتى مع الكفار من الأقارب، ونزلت آية لا ينهاكم الله في أسماء بنت أبي بكر حين زارتها أمها الكافرة فأمرها النبي ﷺ بصلة أمها. وتؤكد الأحاديث أن الله يصل من وصل رحمه ويقطع من قطعه، وأن قطع الرحم من الكبائر المانعة من دخول الجنة.
يوضح المقطع أن صلة الرحم سبب لبسط الرزق وطول العمر وعمارة الديار، ويبين أن الواصل الحقيقي هو من يصل من قطعه لا من يكافئ من وصله مستدلاً بأحاديث النبوة. وذكر قصة خديجة وابن الدغنة مع أبي بكر رضي الله عنهم كشواهد عملية.
يؤكد المقطع على عظيم أهمية صلة الرحم في هذا المقام، ويذكر شيئاً مما يُقال في فضلها وختم بالدعاء لله أن ينفع بما سُمِع. والحمد لله رب العالمين على ما وفق إليه من البيان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فَلَزِلْنَا في قول خديجة رضي الله تعالى عنها للنبي عليه الصلاة والسلام، لما جاء من الغار وقال: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، حتى قال صلوات الله وسلامه عليه: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». فقالت له خديجة رضي الله تعالى عنها: «كَلَّا وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ». أَوَّلًا: كما تَقَدَّمَ مَعَنَا، اسْتَدَلَّتْ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ الْعَظِيمَةِ وَهَذِهِ الْإِحْسَانَاتِ الَّتِي يَعْمَلُهَا الْعَبْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُخْزِيهِ، وَلَا يُفْضِحُهُ، بَلْ يُسَلِّمُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. فَصُنَّاعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ. وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ يَحْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْهُ». فَلِهَذَا، أَوَّلُ مَا اسْتَدَلَّتْ بِهِ صِلَةُ الْأَرْحَامِ. قَدْ كَانَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ صِلَةً لِأَرْحَامِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا؛ مَعَنَا بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ أَرْحَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَيْضًا كَانَتْ دَعْوَتُهُ لَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبَعَثَهُ، كَانَ أَوَّلُ مَا دَعَا إِلَيْهِ دَعَا بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ. حَتَّى لَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْسَةَ وَهُوَ فِي مَكَّةَ، لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ، جَاءَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْسَةَ، فَقَالَ: «مَا أَنْتَ؟» قَالَ: «أَنَا نَبِيٌّ». قَالَ: «وَمَا نَبِيٌّ؟» قَالَ: «أَرْسَلَنِي اللَّهُ». قَالَ: «وَمَاذَا أَرْسَلَكَ؟» قَالَ: «أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ». فَقَالَ: «بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ؟» فَقَالَ: «مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟» قَالَ: «مَعِي حُرٌّ وَعَبْدٌ». وَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ بْنُ عَبْسَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ إِلَى مَكَّةَ، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا، جَرَاءَةً عَلَيْهِ قَوْمُهُ، يَتَجَرَّءُونَ عَلَيْهِ». فَأَنَا هَذَا فِي بَدْءِ الدَّعْوَةِ، فَكَانَ يَدْعُو إِلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ. وَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ آلَ فُلَانٍ» أَيْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ «لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ». وَجَاءَ فِي لَفْظٍ: قَالَ: «إِنَّمَا أَوْلِيَاءُ الْمُتَّقُونَ أَيْنَمَا كَانُوا وَحَيْثُمَا كَانُوا، وَإِنَّمَا لِي رَحِمٌ سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا، وَإِنَّمَا لِي رَحِمٌ سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا»؛ أَيْ سَأَصِلُهَا بِصِلَتِهَا، سَأَصِلُ هَذِهِ الرَّحِمَ وَإِنْ كَانُوا مِنَ الْكُفَّارِ. وَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَهْلِهِ وَخَصَّ وَعَمَّ، وَقَالَ: «لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا». فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ: «إِلَّا أَنَّهُ لِي رَحِمٌ مِنْكُمْ سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا». فَكَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَصَّالًا لِلرَّحِمِ، حَتَّى لَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، بَلْ كَانَ دَعْوَتُهُ إِلَى صِلَةِ الرَّحِمِ. وَقَدْ شَهِدَ لَهُ أَعْدَاؤُهُ فَضْلًا عَنْ أَحِبَّائِهِ، أَبُو سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا كَانَ كَافِرًا وَجَاءَ وَاسْتَدْعَاهُ هِرَقْلُ لَمَّا كَانَ بِالشَّامِ، فَذَكَرَ لَهُ، أَيْ هِرَقْلُ، مَا الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ هَذَا النَّبِيُّ؟ فَقَالَ: «يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَإِلَى الصَّلَاةِ وَالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ، إِلَى الصَّلَاةِ وَالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ». مَعَ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ مِنْ دَعْوَتِهِ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ. فَالْأَرْحَامُ لَهُمْ صِلَةٌ، اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا ذَكَرَ حَقَّهُ جَلَّ وَعَلَا وَحَقَّ الْوَالِدَيْنِ، ذَكَرَ بَعْدَهُ حَقَّ الْأَرْحَامِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾. ذُو الْقُرْبَى هُمُ الْأَرْحَامُ. فَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَدْعُو إِلَى ذَلِكَ. وَذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، أَنَّ دَعْوَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ عِبَادَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: «يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ» أَيْ صِلَةِ الْأَرْحَامِ. وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الصِّلَةِ. فَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي أَوَّلِ دَعْوَتِهِ كَانَ يَدْعُو إِلَى الصِّلَةِ، وَأَيْضًا كَذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَتَّى صِلَةَ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِهِ، كَانَ يَصِلُهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، جَاءَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. لَمَّا جَاءَتْ أَسْمَاءُ، جَاءَتْ أُمُّهَا، جَاءَتْ أُمُّ أَسْمَاءَ وَكَانَتْ كَافِرَةً. كَانَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا تَزَوَّجَ فِي مَكَّةَ لَمْ تُسْلِمْ زَوْجَتُهُ وَهِيَ أُمُّ أَسْمَاءَ، لَكِنْ أَسْلَمَتْ أُمُّ رُومَانَ وَهِيَ أُمُّ عَائِشَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. فَجَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْفَتْرَةِ، الْفَتْرَةِ الَّتِي صَالَحَ فِيهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قُرَيْشًا فِي الْحُدَيْبِيَةِ، صَالَحَهُمْ عَلَى عَشْرِ السِّنِينَ، لَكِنَّهُمْ نَقَضُوا. فَجَاءَتْ فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَاءَتْ لِابْنَتِهَا، جَاءَتْ لِابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. فَلَمَّا جَاءَتْ، جَاءَتْ أَسْمَاءُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَسْأَلُهُ عَنْ أُمِّهَا كَيْفَ تَفْعَلُ بِهَا، وَجَاءَتْ لِأَجْلِ أَنْ تَصِلَهَا. فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي جَاءَتْ، جَاءَتْنِي رَاغِبَةً». مَعْنَى «رَاغِبَةً» فِي صِلَةٍ، مَعْنَاهَا تُرِيدُ أَنْ تَصِلَهَا وَتُعْطِيَهَا شَيْئًا، إِنْ كَانَ عِنْدَهَا مِثْلُ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ. فَقَالَتْ: «إِنَّ أُمِّي جَاءَتْ إِلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ». فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَسْمَاءَ: «صِلِي أُمَّكِ، أَنَا صِلِيهَا فِي الْوِجْهِ وَالْبِرِّ وَالْقِسْطِ». وَأَيْضًا إِذَا كَانَ مَعَكِ شَيْءٌ صِلِي مِنَ الْمَالِ أَعْطِيهَا. فَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَدْعُو إِلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ، لِأَنَّ صِلَةَ الْأَرْحَامِ لَهَا أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي دِينِ اللَّهِ. وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْبُخَارِيِّ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ الرَّحِمَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ قَامَتِ الرَّحِمُ وَقَالَتْ: «هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ». فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلرَّحِمِ: «أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ». وَأَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَصِلُ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ. فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَصِلُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ. مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ رَحِمَهُ قَطَعَهُ اللَّهُ. وَالرَّحِمُ هُمُ الْأَقَارِبُ، مِنْ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ، الْأَقَارِبُ هَؤُلَاءِ. إِذَا قَطَعَهُمُ الْعَبْدُ قَطَعَهُ اللَّهُ. وَلِهَذَا مِنْ أَشَدِّ الذُّنُوبِ الَّتِي قَدْ يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْقَطِيعَةُ، فَإِنَّ قَطْعَ الرَّحِمِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ». وَلَعَنَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. لِهَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي وَصِيَّتِهِ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ أَنْ تُصَاحِبَ قَاطِعَ رَحِمٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ أَنَّهُ مَلْعُونٌ. لَا تُصَاحِبْهُ، لَا تَكُنْ صَاحِبًا لِقَاطِعِ رَحِمٍ، لِأَنَّ الْبَرَكَةَ تَذْهَبُ مِنْهُ، مَا عِنْدَهُ بَرَكَةٌ أَبَدًا، لَيْسَ فِي صُحْبَتِهِ بَرَكَةٌ، بَلْ فِيهَا الْقَسَارَةُ وَالنَّدَامَةُ، لِأَنَّهُ قَاطِعُ رَحِمٍ، مَلْعُونٌ، لَعَنَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ». فَلِهَذَا فَصِلَةُ الْأَرْحَامِ لَهَا أَهَمِّيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ فِي أَثَرِهَا، فِي أَثَرِهَا عَلَى النَّاسِ، فِي أَثَرِهَا عَلَى النَّاسِ. فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ إِلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَأَوَّلُ دَعْوَتِهِ كَانَ إِلَى صِلَةِ هَذِهِ الْأَرْحَامِ. وَأَيْضًا كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ الْأَنْسِ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، يُبَارِكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، أَنْ يُؤَخَّرَ لَهُ أَجَلَهُ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. فَصِلَةُ الْأَرْحَامِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَعْمُرُ الدِّيَارَ وَتُطِيلُ فِي الْأَعْمَارِ. صِلَةُ الْأَرْحَامِ تَعْمُرُ الدِّيَارَ وَتُطِيلُ فِي الْأَعْمَارِ. فَلِهَذَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ أَنَّنَا نَهْتَمُّ بِأَرْحَامِنَا فِي صِلَتِهِمْ. وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ تَخْتَلِفُ مِنْهُمْ، مَنْ يَحْتَاجُ فِي صِلَتِهِ إِلَى مَالٍ، مِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ فَقَطْ إِلَى الزِّيَارَةِ، مِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَهَكَذَا. فَالْأَرْحَامُ يَخْتَلِفُونَ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَازِمٌ كُلُّ رَحِمٍ تَزُورُهَا، لَا مُمْكِنٌ، وَنَاسٌ بَعْضُ الْأَرْحَامِ تَرَاهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، تَرَاهُمْ فِي كَذَا، فِي بَعْضِ الْمُنَاسَبَاتِ وَكَذَا. وَأَيْضًا يَخْتَلِفُونَ، هُنَاكَ مِنْ الْأَرْحَامِ كَالْأَبِ وَالْأُمِّ يَحْتَاجُ إِلَى رِعَايَةٍ أَكْثَرَ وَإِلَى صِلَةٍ أَكْثَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ، وَهَكَذَا. فَكُلٌّ تُعْطِيهِ عَلَى مَا يَكُونُ لَهُ صِلَةٌ، تَكُونُ لَهُ مَعْنَى صِلَةٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. مَعْنَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَكُونُ هُنَاكَ مَوَدَّةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَرْحَامِكَ، لَا تَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ مِمَّا يَحُزُّ فِي النُّفُوسِ أَوْ قَطِيعَةٌ أَوْ شَيْءٌ مِنَ التَّدَابُرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّ هَذَا يُؤَثِّرُ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى فِي بَصِيرَتِهِ، وَحَتَّى أَيْضًا كَذَلِكَ فِي صِدْقِهِ. وَعَمَّا الْوَاصِلِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَصِلُهُ. لَكِنْ أَيْضًا كَمَا نَبَّهَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَمْرٍ مُهِمٍّ، وَهُوَ وَاقِعٌ فِي النَّاسِ، أَنَّهُ لَيْسَ صِلَةً أَنْ يَصِلَ الْإِنْسَانُ مَنْ يَصِلُهُ، هَذِهِ لَيْسَتْ صِلَةً. مَنْ وَصَلَنِي وَصَلْتُهُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ عِنْدِي قَطَعْتُهُ، هَذَا لَيْسَ صِلَةً. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ». لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، مَعْنَى مَنْ وَصَلَنِي وَصَلْتُهُ. وَإِنَّمَا الْوَاصِلُ مَنْ إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا، إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا. فَعَنَى إِذَا قَطَعَهُ جَاءَ وَوَصَلَهُ، هَذَا الْوَاصِلُ الصَّحِيحُ. أَمَّا مَنْ يَقُولُ: مَنْ جَاءَ عِنْدِي جِئْتُ عِنْدَهُ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ عِنْدِي لَا آتِي عِنْدَهُ، فَهَذَا لَيْسَ بِوَاصِلٍ كَمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَتَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُ: مَنْ جَاءَنِي وَوَصَلَنِي أَصِلُهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعْتُهُ. وَبَعْضُهُمْ يَسْتَدِلُّ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وَهَذَا لَيْسَ صَحِيحًا، وَاسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ. بَلِ الْوَصْلُ الْحَقِيقِيُّ أَنَّهُ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ. وَذَاكَ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فِي ذَاكَ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ وَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي أَرْحَامًا، أَرْحَامًا أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ». فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، هَذَا كَلَامُكَ حَقِيقَةٌ، إِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَإِنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، الْمَلَّ وَهُوَ الرَّمَادُ الْحَارُّ، كَأَنَّكَ تُطْعِمُهُمُ الرَّمَادَ الْحَارَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ مُعِينٌ يُعِينُكَ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ». انْظُرْ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، أَنَّهُ يَكُونُ مَعَكَ أَعْوَانٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ، أَيْ مَا لَمْ تَقْطَعْ. وَلَوْ لَمْ يَأْتُوكَ، ائْتِ إِلَيْهِمْ، وَصِلْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلَامِ أَوْ بِالْمَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ، أَحْسِنْ إِلَيْهِمْ، لَا تَقْطَعْهُمْ أَبَدًا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعَوِّضُكَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَيَكُونُ مَعَكَ مُعِينٌ عَلَيْهِمْ. فَصِلَةُ الْأَرْحَامِ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ لَهَا أَثَرٌ عَظِيمٌ، وَلِهَذَا قَالَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَتْ بِوَضْعِ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ: «قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ، وَهُوَ سَيِّدُ وَادِي الْقُرَى، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ هَذَا السَّيِّدُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ لِأَبِي بَكْرٍ: «مِثْلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يُخْرَجُ، وَلَا يُخْرَجُ مِثْلُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ». فَلِهَذَا فَصِلَةُ الرَّحِمِ لَهَا أَهَمِّيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي هَذَا الْمَقَامِ. فَ هَذَا مَا يُذْكَرُ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُذْكَرُ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ. نَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا سَمِعْنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.