الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض الدرس صفة الصدق التي تميز بها النبي ﷺ قبل البعثة، مستدلاً بشهادة خديجة رضي الله عنها واعتراف قريش على الصفا بأمانته. كما ذكر سؤال هرقل لأبي سفيان ونفيهم الكذب عنه، وقصة المغيرة بن شعبة مع أبي جهل الدالة على دعوة النبي وأمانته.
بين المقطع إقرار أبي جهل بصدق النبي ﷺ مع رفضه الإيمان تعصباً لبني قصي وطلباً للجاه، ونزول الآيات المؤكدة لجحودهم آيات الله لا تكذيب النبي. وأوضح أن الصدق منجاة للعبد في الدنيا والآخرة، مستشهداً بنجاة كعب بصدقه.
تناول الدرس قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه بعد تخلفهم عن غزوة تبوك، وإنزال الله توبتهم في القرآن الكريم. وأكد أن الصدق نجاة وطمأنينة بينما الكذب ريبة، مبيناً منزلة الصديقين الذين يصدق قولهم فعلهم مثل أبي بكر والأنبياء.
اختتم المتحدث المجلس بالدعاء بالنفع بما سمع الحضور، والحمد لله رب العالمين، والدعاء للحاضرين بالخير والبركة. وذُكر في الختام اسم المترجمة نانسي قنقر المشرفة على الترجمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى صفة من الصفات العظيمة التي ذكرتها السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها في نبينا عليه الصلاة والسلام، فقالت: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم»، ثم قالت: «وتصدق الحديث». تصل الرحم وتصدق الحديث. اتصف النبي عليه الصلاة والسلام قبل بعثته بالصدق، عليه الصلاة والسلام، حتى كان كما ذكر ابن إسحاق في سيرته أنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسمى بالصادق الأمين، صلوات الله وسلامه عليه. عُرف بالصدق، وعُرف بالصدق في الناس. ولهذا لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، أخرج الإمام البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية صعد النبي عليه الصلاة والسلام على الصفا، ونادى: «يا بني عبد مناف، ويا بني عدي، ويا بني فلان» من بطون من بطون قريش. فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو أخبرتكم أن جيشًا خلف هذا الوادي مصبحكم، أكنتم مصدقي؟» أي: هل ستصدقوني إذا قلت لكم أن هناك جيشًا سيغير عليكم ويدخل مكة؟ فقالوا: «كنا مصدقيك». قالوا: «ما جربنا عليك كذبًا». قالوا: «ما جربنا عليك كذبًا». وهذا شهادة قومه له عليه الصلاة والسلام: «ما جربنا عليك كذبًا». قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». قال أبو لهب عمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أجمعتنا لهذا؟ تبا لك! أجمعتنا لهذا؟» فأنزل الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 1-5]. ولما كان أبو سفيان يخاطبه هرقل لما اجتمع بهم، فقال هرقل لأبي سفيان: «أكنتم تتهمونه قبل أن يأتيكم بما جاءكم به؟ أكنتم تتهمونه بالكذب؟» قال: «لا». قال: «لا». ثم قال لما كان يعيد أجوبته: «فقلت لك: أكنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلت: لا». وهكذا: لا، لا يصدق، أو أنه لا يصدق في حديث الناس ثم يأتي ويكذب على الله. معناه: كيف سيصدق في حديث الناس ولا يكذب على الناس في حديثهم، ثم سيكذب على الله جل وعلا؟ أبدًا ما دام أنه صادق في حديثه في الناس، فإنه لا شك أنه سيصدق. والحوادث كثيرة في صدق النبي عليه الصلاة والسلام، أو في تصديق الكفار، كفار قريش وغيرهم، له عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ما أخرجه الإمام ابن إسحاق، وذكره ابن هشام في سيرته بإسناد حسن، وذكره أيضًا البيهقي في الدلائل، وأبو نعيم: أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «كنت أول ما عرفت النبي عليه الصلاة والسلام، كنت أماشي أبا جهل في مكة». قال: «فالتقينا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي جهل: يا أبا الحكم، ألا أدعوك إلى الله ورسوله تنجو وتفلح؟» ثم ذكر كلامًا، فقال له أبو جهل: «يا محمد، ألا تنتهي عن سب آلهتنا؟ ألا تنتهي عن كذا وكذا؟» ثم قال: «تركنا وذهب». قال: فقال أبو جهل، يقول المغيرة بن شعبة: «فقال لي أبو جهل: والله أنا أعلم أنه صادق». يقول أبو جهل: «والله أنا أعلم أنه صادق، لكن ماذا نعمل في بني قصي؟» بني قصي، يعني: الذين منهم بنو هاشم، لأن قصي يعتبر أبا لعبد مناف، وعبد مناف يعتبر أبا لهاشم، فهاشم بن عبد مناف بن قصي. فقال أبو جهل: «ماذا نعمل لبني قصي؟ قالوا: فينا الرفادة، فقلنا: فيكم. وقالوا: فينا الحجابة، حجابة الكعبة، قلنا: فيكم. قالوا: وفينا الندوة»، أي: الندوة المكان الذي يجتمع فيه كبار قريش، «قلنا: فيكم. قالوا: الآن يأتون ويريدون أن يكون منهم نبي، والله لا نعطيها إياهم». هكذا يقول هذا الجاهل وهذا الخبيث أبو جهل، فقال: «والله لا نعطيها إياهم». فضل الجاه والشرف على الإسلام، وعلى معنى أنه يكون ناجيًا يوم قيامه. فشاهدنا من هذه القصة أن أبا جهل يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام صادق. بل ربنا جل وعلا قد قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]. كما ذكر ابن إسحاق، وغيره، عن عمر بن قتادة، وغيره من الأنصار، أنهم قالوا: أي كفار قريش: «والله يا محمد، لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به». لكن نكذب ما جئت به. فقال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، فليعلمون أنك صادق، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. فلهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام قد عرف بالصدق في حديثه وفي مقاله عليه الصلاة والسلام، فكان قوله يصدقه عمله، وأيضًا قوله لا يخالف الواقع الذي هو فيه. فلذلك كانت حجة عليهم على المشركين: كيف يكذبونه وهم يعلمون أنه صادق؟ وكما قال هرقل: «كيف يصدق في حديث الناس، فكيف لا... فكيف لا يكذب في حديث الناس ثم يكذب في حديثه عن الله جل وعلا؟» هذا محال، هذا محال أن الإنسان يكذب على الله، وفي حديثه للناس يصدق. الغالب أن الرجل الذي يكذب في حديث الناس، فالذي يكذب في حديثه عن الله، غالبًا يكذب في حديثه مع الناس. فلذلك فالصدق، عباد الله، من الأمور التي تنجي العبد، تنجي المؤمن من مصائب الدنيا، وكذلك من أهوال يوم القيامة. فالصدق، عباد الله، من أعظم الأشياء. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. انظر إلى الصدق الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا نطيل، نذكر مثالًا واحدًا من صدق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما جاء في قصة كعب بن مالك، لما تخلف عن غزوة تبوك، فإنه قال رضي الله تعالى عنه: «ما نجاني الله إلا بالصدق، ما نجاني الله إلا بالصدق». ولما نجاه الله عز وجل بالصدق، قال: «أشهد الله عز وجل أني لا أكذب بعد أن نجاني الله في تلك المرة». حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء من تبوك، جاء المعذرون من الأعراب من غيرهم، ومن المنافقين، يعتذرون للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعذرهم. فلما جاء كعب بن مالك، فقال: «يا رسول الله، لو كنت عند ملك من الملوك لأتيته بأعذار كثيرة، وحجج كثيرة، وقد أوتيت مقالًا وكلامًا، ولكن ليس لي عذر». معناه: ما عندي عذر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فصدق». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فصدق». قال: «فخرجت من عند النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء أناس من بني سلمة، وعابوني، وقالوا: لِمَ كل الناس اعتذر، فلان اعتذر، فلان اعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيقبل عذرك؟» قلت: «والله لا أعتذر». ثم حصل ما حصل، وهجرهم نبي صلى الله عليه وسلم. وقال: «لما عرفت أن هناك رجلين مسلمين أيضًا صدقوا، مثل ما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل ما قلت له، فقال: هما لي قدوة، مادام هذان الرجلان من الصالحين، فأنا أيضًا أقتدي بهما». ثم بعد خمسين يومًا، أنزل الله عز وجل توبتهم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: 118]. فربنا جل وعلا تاب عليهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لكعب بن مالك: «أبشر بأعظم يوم، بأعظم يوم منذ ولدتك أمك، هذا أعظم يوم لك، أن الله عز وجل ذكرك في القرآن، أو تاب عليك، وذكره في القرآن، القرآن يتلى إلى يوم القيامة». وقصص الصادقين كثيرة، وقد ألف بعض العلماء في ذلك، وكما قلنا سيطول المقام، وإنما نذكر أن الصدق نجاة. وقد صح عن بعض العلماء أيضًا حديث بهذا المعنى: «أن الصدق نجاة». وجاء في السنن، وعند أحمد: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصدق طمأنينة، والكذب ريبة». في حديث الحسن بن علي: «الصدق طمأنينة». الإنسان لما يصدق في حديثه للناس، الناس يطمئن له، ويطمئن لأقواله وأفعاله، لأنه صادق في كلامه. وأما الذي يكذب، فتجد الناس يتشككون في كلامه، وكذلك في أفعاله، ولو صدق. ولهذا الشيطان، لما كان يكذب دائمًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «في صدقك وهو كذاب، لأن عادته الكذب». وهكذا الإنسان إذا كان يراه الناس يكذب، يتشككون بعد ذلك في كلامه، فلا يصدقونه في شيء مما يقوله. لكن لما يروا صدقه، يطمئن له. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدق طمأنينة». فهذا كما قلنا شيء يذكر عن الصدق. والنبي عليه الصلاة والسلام كان من الصادقين، بل من أعظم الصادقين. بل قوله صدق، لم يكذب عليه النبي صلى الله عليه وسلم أبدًا. ولهذا قال العلماء، كما ذكر ذلك في العقيدة الطحاوية: إن أقوال الناس، أو الأقوال التي تسمع، ثلاثة أحوال لها: إما أن يكون صدقًا دائمًا، وهو قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، هذه صدق لا كذب فيها أبدًا. وقول فيه كذب لا صدق فيه، وهو قول الشيطان. والقسم الثالث: قد يكون فيه صدق وقد يكون فيه كذب، وهو قول بقية الناس، أو قول الناس، فقد يحتمل كلامهم الصدق، ويحتمل كلامهم الكذب. لكن من ألزم نفسه الصدق، وألزم أقواله الصدق، أيضًا صدق في أفعاله. ولهذا قال العلماء: «الصديق هو الذي يصدق قوله فعلًا». قالوا: «الصديق هو الذي يصدق قوله فعلًا»، يقول ويفعل، هذا هو الصديق، لأنه كمل الصدق، وكمل أيضًا الاتباع، فكان يقول شيئًا ويفعله. فلذلك سمي أبو بكر الصديق صديقًا لتصديق قوله فعلًا. وكذلك أيضًا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أولى بهذا، فكانت أقوالهم تصدقها الأفعال. فهذا إن شاء الله تعالى شيء مما يذكر في هذا المقام. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين. آجاكم الله خيرًا. ترجمة نانسي قنقر