الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المحور عظمة صفة إكرام الضيف التي أثنت بها خديجة على النبي صلى الله عليه وسلم، مستدلاً بضيافة إبراهيم للملائكة وقصة الكلبة في بني إسرائيل التي امتنعت عن النباح احتراماً لضيف صاحبها. وتكون هذه القصص مثلاً لأمة يأتي عليها زمان يُقهر فيه حلماؤها بسفهائها.
يبيّن المحور أن الضيافة واجبة على من نزل به ضيف معين لا يجد مأوى أو طعاماً، وأن حق الضيف ليلة واجبة وإكرام ثلاثة أيام مع النهي عن التكلف أو إحراج المضيف. كما يستعرض الأحاديث النبوية الحاثة على إطعام الطعام وإفشاء السلام، ويجيز أخذ حق الضيف ممن يمتنع عن أدائه في السفر.
كان النبي ﷺ يكرم كل ضيف ويضيفه بما تيسر، وتجلى ذلك في قصة أبي طلحة وأم سليم رضي الله عنهما اللذين آثرا ضيف رسول الله ﷺ بطعام صغارهما فأنزل الله فيهما آية الإيثار. ويحث الإسلام على إكرام الضيف بما يقدر عليه المسلم دون تكلف، وكلما زاد العطاء كان الأجر أعظم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فمن الصفات التي ذكرتها السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، التي تدل على أن الله عز وجل لا يخزي نبيه عليه الصلاة والسلام لما تحلى به من الصفات العظيمة، فقالت: «والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف». أخذنا في الدرس الذي سبق قولها: «وتكسب المعدوم». اليوم إن شاء الله تعالى الليلة هذه نأخذ قولها: «وتقري الضيف». ومعنى «تقري الضيف»: أي تكرمه وتضيفه. وهذه الصفة صفة عظيمة من الصفات التي تكون بين الناس من التعاون والخير الذي يكون بينهم. وقد كانت هذه الصفة في العرب، وقد ذكرها ربنا جل وعلا عن الخليل إبراهيم عليه السلام لما ضيف الملائكة، لما جاءوا إليه بصورة بشر فأكرمهم وذبح لهم عجلًا سمينًا، فقرّبه إليهم، قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: 26]، فأوجس منهم خيفة، لما رأى كما جاء في الآيات الأخرى، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه، نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [الذاريات: 28]. فهذه الضيافة العظيمة ذكرها ربنا جل وعلا، وقال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: 24]. فهذه الصفة ظلت في العرب، فكانوا يتفاخرون بها، وكذلك يطبقونها. بل عندهم أن الذي لا يضيف الضيف فهو معيب، والذي لا يضيف الضيف معيب. وصلت هذه الضيافة حتى إلى بني إسرائيل، فكانوا أيضًا يضيفون الضيوف. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر شيئًا عجيبًا مما حصل في بني إسرائيل من شدة إكرام الضيف، وهو ما أخرجه البزار والطبراني بإسناد لا بأس به، وذكره الشيخ الألباني في «الصحيحة»: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ضَافَ ضَيْفٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ». معنى: جاء ضيف إلى رجل من بني إسرائيل فأكرمه وضيّفه وبات عنده. وكان لهذا الضيف كلب مجح، أي كلب حامل قاربت على الولادة. فقالت هذه الكلبة: «والله هذه الليلة لا أنبح أضياف صاحبي». قالت: «والله لا أنبح أضياف صاحبي». معنى: لا أزعجهم بالنباح وبالصياح، لأن الولادة غالبًا فيها صياح وصوت، لكن احترامًا لضيف صاحبها قالت: «والله لا أنبح أضياف صاحبي». فولدت بدون صياح. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا مثال ضربه الله عز وجل لأمة ستأتي بعد، أو في آخر الزمان». معنى: من أمة النبي عليه الصلاة والسلام، يقهر سفهاؤهم حلماءهم. يقهر سفهاؤهم حلماءهم. هذه كلبة وهي سفيهة، معنى: ما تعرف الوصول ولا تعرف هذه الأشياء، لكنها لم تنبح لأجل ضيف صاحبها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سيأتي أناس عكس هذا، يأتون السفهاء لا يحترمون الحلماء، بل يكونون فوقهم ويقهرونهم، يقهر سفهاؤهم حلماءهم. فلذا أيها الإخوة الكرام، كان النبي عليه الصلاة والسلام من أكثر الناس معرفة بهذا، بضيافة الضيف. فكان يضيف الضيوف عليه الصلاة والسلام قبل بعثته، وكذلك أيضًا بعد البعثة كان أعظم، بل أوجب ضيافة. أوجب هذه الضيافة: أن يأتي رجل ليس من أهل البلد، وتكون هذه البلد ليس فيها ما يضيف، أو ما يكون فيه محل. والوجوب يكون إذا نزل إلى رجل معين، إذا نزل إلى رجل معين قصده، فهذا يعتبر ضيفه، يجب عليه أن يضيفه. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». يكرمه بما أعطاه الله، لا يتكلف، لا يتكلف. وقد جاء في حديث سلمان: نهي عن التكلف للضيف. يعطيه مما عنده، إن استطاع. مثلاً: عنده أغنام، وعنده كذا، ذبح، فهذا من إكرام الضيف. فلذا أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم: «حَقُّ الضَّيْفِ، حَقُّ الضَّيْفِ، حَقُّ الضَّيْفِ، وَلَيْلَتُهُ وَاجِبٌ، حَقُّ الضَّيْفِ وَلَيْلَتُهُ وَاجِبٌ، وَجَائِزَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ صَاحِبِهِ حَتَّى يُحْرِجَهُ». ما لالحق الليلة الأولى حق واجب، هذا أنه يضيفه. والإكرام ثلاثة أيام. وما بعد الثلاثة أيام فهو فضل. لكن لا ينبغي للضيف أنه يجلس عند مضيفه أكثر من ثلاث ليالٍ أو أيام حتى يحرجه. معنى: قد يكون ما يستطيع أن يقدم له شيئًا، فهذا خطأ. لكن إذا كان هو الذي ضغط عليه، أي صاحب البيت ضغط عليه، وهو يعرف أنه عنده ما يؤدي هذه الضيافة وكذا، فهذا جائز. ولا بأس، أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام جاء في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: يا رسول الله، إنا نذهب إلى الغزو ونسافر، ونمر على أناس لا يضيفون ولا يقريون للضيافة. معنى: ما يعطون ضيافتنا. قال: «فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِقَوْمٍ فَسَأَلْتُمُوهُمْ الضِّيَافَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُوكُمْ، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ». أو قال: «خُذُوا مِنْهُمْ قِرَاكُمْ». معنى: خذوا ضيافتكم إذا لم يضيفوكم. وهذا يدل على وجوب الضيافة، وجوب الضيافة إذا كان الإنسان ليس هناك ما يسكن به، الإنسان في مكان أو يأكل. أما إذا كان مثلاً في مدن مثل هذه المدن، فهذا عنده المطاعم، وعنده الأماكن التي يبيت فيها. لكن إذا نزل على شخص بعينه، فهذا يعتبر ضيف ضيفه. أما إذا كان لم ينزل عند أحد، معنى: ما يلزم أحد مثلاً أنه يذهب إلى السوق وينظر من الغريب ويأخذه، لا. هذه مدينة كبيرة فيها مطاعم، وفيها فنادق، وفيها أماكن للبيتوتة. لكن متى يكون ضيفًا؟ كما قلنا: إذا نزل إليه وعينه يعرفه، مثلاً من مكان فنزل إلى بيته، فهذا يعتبر ضيفه، ولو كان في هذه المدينة. فلذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يحث على الضيافة وعلى إكرام الضيف، حتى أنه لما جاء إلى المدينة، أول ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام أول ما جاء إلى المدينة وهو في قباء: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ». «أطعموا الطعام»: عن الصدقة، وكذلك للضيف. فإطعام الطعام يدخل فيه كل ما كان من هذا القبيل. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يضيف كل من أتى، كل من أتى النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في السيرة النبوية كثير من الأضياف كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويضيفهم بما عنده. فإن نزل عنده ضيفه، وإن كانوا مجموعة ضيفهم بما يأتي من الناس. فلما أحيانًا يأتي إليه الضيوف ولا يجد عنده طعام، كما جاء في صحيح البخاري ومسلم في حديث ثابت بن قيس: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه ضيف، فذهب إلى أبياته وهي تسعة أبيات، فلم يجد معهم طعامًا. فقال: «مَنْ يُضِيفُ ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟» وقال أبو طلحة: «أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ». وأبو طلحة لا يدري هل في بيتي طعامًا أو لا، لكنه يريد أن يأخذ ضيف رسول الله. قال: «أَنَا وَضَيْفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ». وقال: «خُذْهُ وَأَضِفْهُ». فأخذه أبو طلحة إلى أم سليم، إلى زوجته أم سليم، وقال لها: «هَذَا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ فَأَضِيفِيهِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ». قالت: «مَرْحَبًا بِضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ عِنْدَنَا طَعَامٌ إِلَّا طَعَامُ الصِّغَارِ». ما معنى: «إِلَّا طَعَامُ الصِّغَارِ»؟ فقال: «نَوِّمِيهِمْ وَهَاتِي هَذَا الطَّعَامَ، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ حَتَّى لَا يَرَى الضَّيْفُ أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ». معنى: جعلوا هذا الطعام لأطفال، سيكون قليلًا. فقالت: «نَوِّمِيهِمْ وَهَاتِي هَذَا الطَّعَامَ وَقَدِّمِيهِ لِلضَّيْفِ، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ حَتَّى لَا يَرَانَا، حَتَّى لَا يَرَى أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ». فأكل الضيف وبات. ثم أصبح، فلما جاء أبو طلحة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ عَجِبَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا الْبَارِحَةِ». الله عز وجل أحبهم وعجب. وجاء في رواية: «ضَحِكَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا الْبَارِحَةِ». انظر إلى هذا الفضل العظيم وهذا الإيثار. وجاء في البخاري أنه نزل قول الله جل وعلا بعد هذه الحادثة، نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. عندهم حاجة، لحاجة لهذا الطعام، لكن قدموه للضيف. فانظر إلى أين وصل هؤلاء القوم رضي الله عنهم. فلذا فالإسلام يحث على إكرام الضيف وإعطائه ما يسره، وكلما... والإكرام هذه كلمة ليست محددة، وليس المراد بالإكرام أن الإنسان يغلو، كما قلنا، ويكلف نفسه. لا، الإكرام: أنك تعطيه ما عندك، ما تيسر لك تعطيه. وكلما كان أعطيته أكثر كان هذا الإكرام أعظم، وكله بأجره من عند الله جل وعلا. فلذا فهذه الصفة العظيمة، صفة إكرام الضيف وإقرائه وإعطائه ضيافته، من الصفات العظيمة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخلق بها، حتى أنه ما كان يترك ضيافته أبدًا. إن عنده شيء ضيفه، وإن لم يكن عنده شيء أعطاه، أعطاهم من يضيفهم من الأنصار وغيرهم. وهذا يدل على الحث على هذه، على هذه الخصلة العظيمة، وأنها كانت في النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وكذلك بعد البعثة، وحث عليها، بل كما قلنا أوجبها عليه الصلاة والسلام في الليلة الأولى. ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، ونكتفي به، والله تعالى أعلم، تعالى أعلم. شكرًا.