الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع بدء بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة ثم نزول الوحي عليه في غار حراء، وخروجه مرعوباً إلى خديجة رضي الله عنها فطمأنته وذكرت خصاله الحميدة من صلة الرحم وصدق الحديث وإكرام الضيف، مؤكدة أن الله لا يخزيه أبداً.
تفصل خديجة رضي الله عنها في خُلق النبي صلى الله عليه وسلم الجامع المتمثل في التعاون على نوائب الحق، مبينة أنه يشمل حمل الكل عن العاجز وإقراء الضيف، وتستدل بحديث: "الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" لتأكيد عون الله لمن يعين الناس.
يشرح المقطع أن نوائب الحق هي الأحداث الصادقة والنوازل التي تصيب الناس، ويبرز كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أئمة في إغاثة الملهوف وتفريج الكرب، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ كدليل على قيام الدين والدنيا بهذا الخلق.
يختتم الدرس بالدعاء إلى الله سبحانه بالتوفيق للخير والصلاح، وأن يجعل السامعين من عباده الصالحين، مختتماً بالحمد والثناء على الله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الأخوة الكرام، نسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، سبحانه وتعالى، وينفعنا أيضًا بما علمنا. أيها الأخوة الكرام، في هذا الوقت قد كنا قبل رمضان ندرس بعض ما جاء في حديث عائشة في بعثة، أو بدء بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن أول ما بدأ به عليه الصلاة والسلام الرؤية الصادقة، فكان لا يرى رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح، جاءت واضحة. وأيضًا هذه الرؤية صادقة. قالت: ثم حبب إليه الخلوة، فكان يخلو في غار حراء الليالي ذوات العدد، يتحنث ويتعبد في غار حراء، حتى جاءه الملك، أو قال: حتى فجاءه الملك، وقال له: اقرأ. أو بعد أن ضمه ضمة شديدة حتى بلغ منه الجهد عليه الصلاة والسلام شدة الضمة، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام خائفًا فزعًا مما رآه، وقال لخديجة رضي الله عنها: «دثروني، دثروني»، أي: غطوني، مما حصل له من الخوف والفزع. فغطته خديجة، وقالت له، وقالت: «والله لا يخزيك الله أبدًا، لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» إلى آخر الحديث. فأخذنا، فأخذنا الصفات التي ذكرتها السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الله لا يخزيه أبدًا مادام في هذه الصفات: «إنك لتصل الرحم». وقد بينا هذه الصفات عند النبي عليه الصلاة والسلام: «وتصدق الحديث، وتحمل الكَلَّ»، وأيضًا «تقري الضيف» معناها: تضيف الضيف. «وتكسب المعدوم»، قلنا: تكسب المعدوم، كما ذكر العلماء فيها؛ بعضهم تقول: تكسب المعدوم، فالمعدوم الذي ليس عنده شيء، ليس عنده شيء. وقيل: تكسب المعدوم، أي: تكسبه من لا... من... من الشيء الذي لا يوجد إلا عندك، وأن الشيء قد لا يوجد في نفس المنطقة، فيوفره ويعطيه من عدم، من حرم من هذا الشيء، أو عدم منه. وكلها معانٍ صحيحة على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعين الناس، وأيضًا يأتي للمعدوم الذي ليس عنده شيء، فإنه يعطيه، يعطيه من المال أو من غيرها من الأمور التي يحتاجها. ثم قالت: «وتعين على نوائب الحق». تعين على نوائب الحق، النوائب جمع نائبة، وهو الحدث الذي يحصل للإنسان في هذه الحياة. قال: «تعين على نوائب الحق». قالت رضي الله عنها: «تعين على نوائب الحق». وهذه خصلة شاملة، تدخل فيها ما تقدم، يدخل في هذه الخصلة ما تقدم من صلة الأرحام وإقراء الضيف، وكذلك أيضًا يحمل الأشياء على الذي لا يستطيع، ويعاونه، وغير ذلك مما ذكر في هذا الحديث. فقوله: «نوائب الحق، تعين على نوائب الحق»، أي: تتعاون مع الناس في مثل هذه الأشياء، وفي غيرها. معنى كأن خديجة رضي الله عنها ذكرت أولًا أشياء من صفات النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكرت جملة تدخل فيها صفات كثيرة، منها هذه التي ذكرت. «وتعين على نوائب الحق»، معنى أنك تعين الناس، تعين الناس في أمورهم، سواء كان في ملبسهم، أو في مشربهم، أو كذلك في طريقهم، في غيرها من الأمور التي يحتاج الناس إلى التعاون فيها. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وقال: «المؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فلهذا، قولها: «وتعين على نوائب الحق»، أي: كل هذه الأشياء تفعلها، وتعين الناس على الخير، تعين الناس على الخير. وهذه خصلة عظيمة، أن المسلم يكون معينًا للناس على الخير. أولاً: لأن الله عز وجل يعينك، «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ما دمت في عون أخيك ومساعدته، فالله عز وجل يعينك. وإذا عانك الله، لا شك أنه... أنك تفوز الفوز العظيم في هذه الحياة. فمعونة الله عز وجل خير عظيم يلقاه العبد. لهذا قال في الحديث: «وتعين على نوائب الحق». «نوائب الحق» كما قلنا: أي الأحداث التي تحصل، وهي حق، ليست باطل، ليست باطل، يريد أن يخرج الباطل وما لا أهمية له. فتعين الناس على نوائب الحق، أي: على الأحداث التي تحصل لهم، فتعينهم وتخرجهم من هذه الأعزامات. وهذه، كما قلنا، خصال ذكرها، أو ذكرتها السيدة خديجة رضي الله عنها في النبي عليه الصلاة والسلام، وذكرها ابن الدغنة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. هذه الصفات تدل على عظمة الإنسان، هذا الذي يتصل بهذه الصفات. تدل أيضًا كذلك على أن صاحب هذه الصفات معين من الله، معين من الله عز وجل، الله يعينه، وأنه لا يخذل، وأنه لا يخذل ولا يخزى. بل كان عنده، عنده هذه الصفات العظيمة في معاونة الناس، وفي أيضًا الدخول مثلًا في مشاكلهم، في إصلاح ذات البين بينهم. كل ذلك من الأمور العظيمة التي ينبغي للمسلم أن تكون بينه وبين أخيه. أن هذه الأفعال أو هذه الأعمال ينبغي أن يحافظ عليها المسلم، فيتعامل مع أخيه في مثل هذه المعاملات العظيمة. فأقاربه يصل رحمه، وإذا كلم صاحبه صدق في الحديث، لا ياتله بكذب. وهكذا جميع الصفات. لهذا، كما قلنا، أن قول خديجة رضي الله عنها: «ويعين على نوائب الحق»، أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام يفعل مثل هذه الأشياء التي ذكرت، وغيرها أيضًا، عليه الصلاة والسلام يفعلها، لدعوة الله جل وعلا، لأجل أن يدعو الناس للخير. فجعل الله عز وجل له في هذه الأخلاق العظيمة... وكما قال الله عز وجل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾. لذهبوا من حولك، لو كنت غليظًا وقاسيًا. لكن الله عز وجل جعل نبيه عليه الصلاة والسلام نبي الرحمة، نبي عليه الصلاة والسلام يأخذ ويعطي معًا، حتى مع الكفار، يبين له الصواب. وهكذا، فلهذا خلاصة ما يذكر في هذا المقام: أن هذه الخصلة، وهي «يعين على نوائب الحق»، من الخصلات العظيمة التي قد ذكرت في الحديث، وتبيّن أهمية هذه الصفات العظيمة التي يقام بها الدين والدنيا، التي تقام بها الدين والدنيا. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين.