الدرس في شرح وتعليق على كتاب تزكية النفس 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
خلال حصار قلعة رومية استعصت على جيش مسلمة بن عبد الملك، تخفى جندي مسلم ليلاً ونقب باب القلعة وحده، مما أتاح دخول الجيش وتحقيق الفتح. تبرز القصة إخلاص الجندي الخفي وابتعاده عن الرياء منذ اللحظة الأولى.
بعد النصر نادى الأمير على صاحب النقب ليكافئه، فلم يُعرف اسمه وامتنع عن الظهور رغم قسم الأمير، مشترطاً عدم كشف هويته ولا قبول عطية. يعكس ذلك طلبه الأجر من الله وحده وتواضعه الشديد.
عندما علم مسلمة بن عبد الملك بتفاني الجندي، بكى ودعا أن يُحشر معه مستشهداً بآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. ضرب المثل في الإخلاص والتواضع وطلب وجه الله دون رياء أو جزاء.
اختتم المتحدث الجلسة مكتفياً بما طرح من قصص وعبر، مستعيناً بالله تعالى في الختام. دعا الحضور إلى الاقتداء بإخلاص المجهولين في سبيل الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا نزال في ذكر بعض النماذج في الإخلاص مما جاء في سيرة سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى رحمة واسعة. في هذا المجلس نأخذ قصة صاحب النقب. وهذه القصة ذكرها ابن قتيبة في كتابه "عيون الأخبار". فملخص هذه القصة -وفيها مواطن كثيرة من مواطن الإخلاص وعدم الظهور والشهرة وخفاء العمل- أن هذه القصة وقعت في فتوحات الدولة الأموية، فكان القائد الإسلامي مسلمة بن عبد الملك بن مروان على رأس جيش للمسلمين يحاصرون قلعة عظيمة للروم، قلعة عظيمة يعني عليها من الأسوار وعليها من البناء لا يستطيع أحد أن يتسور أسوارها أو أن يدخلها إلا من بابها، والباب مغلق. فحاصر المسلمون هذه القلعة، ولكن القلعة استعصت على جيش المسلمين لارتفاع أسوارها ولإغلاق جميع المنافذ إليها، ما استطاع المسلمون أن يقتحموها. فهذا الأمر -وهو إحكام هذه القلعة- ساعد جنود الروم، فأخذوا يقذفون المسلمين من أعلاها، فازداد تعب وإرهاق جنود المسلمين لأن العدو مسيطر عليهم في قلعتهم والجيش في خارج القلعة، فتعب الجيش وأنهك جيش المسلمين. وفي الليل قام أحد جنود المسلمين بفكرة عظيمة خطرت على باله، ما هي هذه الفكرة؟ الفكرة أنه تخفى بمفرده في الليل إلى أن وصل إلى باب القلعة حيث لا يراه أحد، فظل ينقب في هذا الباب، ينقب يعني يحاول أن يجعل منفذاً يستطيع أن يدخل من خلاله إلى هذه القلعة، حتى استطاع أن يحدث هذا النقب. ثم في الليل رجع إلى الجيش المسلم دون أن يخبر أحداً. وعند الغد في اليوم الثاني تأهب المسلمون للقتال كعادتهم، يحاولون أن يهجموا على عدوهم وأن يتمكنوا من الانقضاض والدخول إلى هذه القلعة. فدخل هذا البطل من النقب، يعرف أين هذا النقب، أين الفتحة، فدخل هذا الرجل -وإلى اليوم ما نعرف اسمه- دخل من هذا النقب وقام بفتح الباب، فتح باب القلعة، فدخل المسلمون وتدافع المسلمون وتسلقوا أسوار القلعة، تسوروا أسوار القلعة، وما هي إلا لحظات حتى سمع الروم أصوات تكبيرات المسلمين على أسوار قلعتهم وفي داخلها وفي داخل ساحتها، فتحقق النصر للمسلمين، ودخل الرعب في الكافرين، ففتح المسلمون هذه القلعة وانتصروا على عدوهم. وبعد المعركة جمع القائد مسلمة بن عبد الملك الجيش، جمعهم كلهم، ثم نادى بأعلى صوته، القائد ينادي في الجيش بأعلى صوته: "من أحدث النقب في باب القلعة فليخبرنا لنكافئه". يقول أمام الجيش: "من الذي أحدث النقب؟". عرف المسلمون أن أحداً من الجيش أحدث نقباً في الباب حتى فتح الباب للمسلمين، وما يعرف أحد من هذا. فنادى القائد نادى بأعلى صوته في الجيش: "من أحدث النقب في باب القلعة فليخبرنا لنكافئه". هذا عمل جليل كان سبباً في النصر، وهذا مما دعا إليه الإسلام التشجيع في باب الجهاد، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه». إذا قتل المجاهد هذا الكافر يكافئه الإسلام بأن يعطى سلب هذا الكافر تشجيعاً. وهكذا إذا رأى الإمام أن أحد أفراد الجيش قام بمهمة صعبة وبفداء وشجاعة، له أن يكافئه حتى يشجع المسلمين على مثل هذه الأعمال الجهادية العظيمة. فلا شك أن مثل هذا الجندي يحتاج إلى مكافأة، فيريد الأمير أن يعرف من هذا، فلم يخرج أحد، ولا واحد خرج. فعاد وكررها مرة أخرى ينادي بأعلى صوته: "من أحدث النقب فليخرج". فلم يخرج أحد. ذهب المسلمون وتفرقوا. جاء في اليوم الثاني، لا يزال الأمير هذا الأمر يدور في خلده: من هذا البطل؟ من هذا الشجاع الذي كان سبباً في فتح هذه القلعة؟ فجاء من اليوم الثاني ووقف على الجيش ونادى، وعاد النداء، أو أعاد النداء: "من أحدث النقب فليخرج". ما خرج أحد. وفي اليوم الثالث أيضاً وقف، لكنه في اليوم الثالث تغير أسلوب خطابه، فقال في اليوم الثالث: "أقسمت على من أحدث النقب أن يأتيني أي وقت شاء من ليل أو نهار". ومن يعني سألكم بالله فأجيبوه الآن. سأل الجيش بالله أن من أحدث هذا النقب يأتي إليه، إذا ما يريد أن يعرف بين الناس يأتي إليه في أي وقت من ليل أو نهار. فأجيبوه. فذهب الأمير وتفرق الناس. وعند حلول الليل والقائد يجلس في خيمته، دخل عليه رجل ملثم. انظروا: ملثم، لا يعرف، ما يعرف من هذا. فقال مسلمة: "هل أنت صاحب النقب؟ هل أنت صاحب النقب؟". طبعاً مسلمة كان وحده في الخيمة لا يوجد عنده أحد. فقال مسلمة لهذا الرجل: "هل أنت صاحب النقب؟". فقال هذا الرجل -وهذا من كذلك ذكائه-: "إن صاحب النقب يريد أن يبر قسم أميره". ما قال: أنا صاحب النقب. قال له: "إن صاحب النقب" يعني مثل أنه مرسل من صاحب النقب، مرسل وليس هو. فقال له: "إن صاحب النقب يريد أن يبر قسم أميره لأنه قال الأمير: أقسمت على من أحدث النقب". قال: "ولكن لديه ثلاثة شروط، إذا تريد أن تعرف من هذا صاحب النقب عنده ثلاثة شروط، إذا وفيت بها سيخبرك من هو". فقال له: "ولكن لديه ثلاثة شروط حتى يلبي الطلب". فقال له: "ما هي هذه الشروط؟ اذكرها". فقال هذا الرجل: "الشرط الأول: أن لا تسأل عن اسمه، لا تقول: اسمه من هذا؟". الشرط الأول. الشرط الثاني: "وأن لا يكشف عن وجهه، سيأتيك ملثماً ولا يكشف عن وجهه". قال: "طيب". الشرط الثالث: "وأن لا تأمر له بعطا، وأن لا تأمر له بعطا". كل هذه الشروط الثلاثة معناه أن هذا الرجل أيضاً ما سيعرف، ما سيعرف لماذا؟ لأنه بعدما ذكر هذه الشروط قال مسلمة له: "ما طلب". قال: "عندها قال الرجل: أنا صاحب النقب". قال: "لا، أنا صاحب النقب". فقال: "هذه الشروط الثلاثة تفي بها، لا تسألني عن اسمي، ولا تأمرني بإخراج اللثام، ولا تعطيني شيئاً". وهذا لشك غاية في الإخلاص، وأنه لا يريد أن يظهر هذا العمل، فيكون من الخبيئة الحسنة له، وهو عمل جليل بسببه انتصر المسلمون، انتصر المسلمون. ثم عاد أدراجه هذا الرجل مسرعاً واختفى بين خيام الجيش، واختفى بين خيام الجيش، ولم يعلم به أحد. فحينئذ وقف مسلمة والدموع تملأ عينيه، فقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وكان مسلمة بعد ذلك يقول في سجوده يدعو بهذا الدعاء: "اللهم احشرني مع صاحب النقب". كان يدعو بهذا الدعاء لما علم من صدقه ومن إخلاصه ومن إخفائه لهذا العمل الصالح. انظروا يا عباد الله، ما هناك ضجيج، وما هناك فخر، ولا يعني ترفع على غيره من المسلمين، ولا شيء من ذلك، وإنما هو الإخلاص والتواضع والرجاء ما عند الله سبحانه وتعالى. فهكذا ينبغي أن يكون المسلم. فإن الإخلاص كما تقدم من أعظم أسباب تزكية نفوسنا، ومن أعظم أسباب رفعتنا في الدنيا والآخرة، كما تقدم من كلام أئمتنا عليهم رحمة الله. وهذه القصة فيها فوائد عدة قد تقدم بعضها أثناء قراءتها، ونشاهد منها نموذجاً عظيماً من النماذج التي ضربها لنا سلفنا الصالح في الإخلاص لله سبحانه وتعالى. وتعلمون عظم الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: "الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، أي ذلك في سبيل الله؟" قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». أي يقاتل مخلصاً لله عز وجل، لا يريد ثناء، ولا يريد ذكراً، ولا يريد عطاء، وإنما يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. فهكذا ينبغي أن يكون المسلم في جميع أعماله، في جميع أعماله. فنكتفي بهذا في هذا المجلس، وإلى هنا والله تعالى أعلم.