الدرس في التبيان في شرح فضائل الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول الدرس فضائل رمضان في الآخرة، ويشير إلى أن اليوم الآخر يتكون من ثلاث مراحل. يُبرز أهمية صيام رمضان في هذه المراحل.
يشرح المقطع أهمية الصيام في الآخرة، حيث يشفع للعبد يوم القيامة ويساعده على دخول الجنة. يُبين أن الصيام يمنح الدرجات العلا.
يُبين المقطع فضل صوم رمضان وقيامه في نيل أعلى الدرجات في الجنة، حيث يرفع الله درجة الصائمين والقائمين. يشير إلى أهمية العناية بأركان الإسلام.
ينبغي فهم فضائل الصيام في رمضان لأنها عظيمة وتفيد في الحياة الأخروية. نسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في هذه السلسلة، إخواني في الله، والمعنونة بعنوان التبيان، وذلك في تتبع فضائل رمضان، ومن ثم الاستخراج للمسائل والفوائد والأحكام. وفي درس اليوم، في الحقيقة، هي عبارة عن أكثر من فضيلة تم جمعها، لربما ثلاثة فضائل يمكن أن تكون كل واحدة منها في درس مستقل، لكن آثرت جمعها فيها. أولا، حتى نستدرك ما يمكن استدراكه من فضائل رمضان، والأمر الثاني، أن هذه الفضائل يمكن أن تسبك أو تجعل في قالب واحد، وتكون بعنوان فضائل رمضان في الآخرة. الآخرة واليوم الآخر، إخواني في الله، هي من عقائد أهل الإسلام، والذي لا يكتمل إيمان الواحد منا إلا إذا اعتقدها واعتنقها، أن يكون مؤمنا باليوم الآخر، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر». وفي هذا اليوم، والذي يأذن الله جل وعلا فيه بتغيير مجريات الكون، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارة وما هم بسكارة، ولكن عذاب الله شديد. في هذا اليوم الذي يكون فيه النفخ في الصور، والبعث والنشور، ونصب الدواوين، وتطاير الصحف عن الشمال واليمين، والمرور على الصراط المبين، كل ذلك مما يقع في هذا اليوم العظيم. ومما أحب أن أشير إليه، والذي سأسير عليه، أن اليوم الآخر، كما قال العلماء، هو في الحقيقة عبارة عن ثلاثة مراحل. اليوم الآخر عبارة عن ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى الحياة البرزخية، وهي ما يكون في القبر، والمرحلة الثانية ما يكون عند قيام الساعة، وهو يوم الحساب، والذي يكون فيه حساب العباد بأفعالهم وعلى أعمالهم، والمرحلة الثالثة المستقر الأخير، إما إلى جنة وإما إلى نار، نسأل الله السلامة والعافية. في هذه المراحل الثلاثة، إخواني في الله، ينجلي لنا وتنجلي لنا فضائل رمضان في كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث، في مراحل الآخرة قاطبة، تجد أن رمضان معك. وهنا تكمن الفضيلة وتكمن الخصيصة لهذا الشهر المفضل، الشهر المعظم المبجل رمضان، في حق من صامه وقام به. نبدأ أولا بالمرحلة الأولى، مرحلة الحياة البرزخية. البرزخ هو أول مرحلة من مراحل الآخرة، من مات قامت قيامته، فإذا وضع الإنسان في قبره فإنه يكون مرهونا بعمله. عملك الذي ينفعك وأنت في قبرك وأنت في هذه المرحلة من مراحل آخرتك. واعلم يا عبد الله أن من أعظم أعمالك الذي ستنتفع بها جدا وأنت في قبرك وأنت في برزخك، ما يكون من صيامك، وخاصة رمضان. روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الميت إذا وضع في قبره ليسمع قرع نعالهم إذا ولوا مدبرين». قال: «فإن كان مؤمنا جعلت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وفعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان بين الناس عند رجليه». تؤتى بهذه الأعمال، والله على كل شيء قدير، تؤتى هذه الأعمال تجعل لك يا عبد الله كحواجز وحدود وسدود بينك وبين ما سيأتيك الآن. عن يمينك، وهذا الذي نريده الذي في اليمين الصيام، وعن شمالك، وما يكون تحت رجليك. قال عليه الصلاة والسلام: «فيؤتى أي يأتيه العذاب أو كاد العذاب أن يأتيه فيؤتى من عند رأسه، فتقول الصلاة: ما قبل مدخل». أي ما أسمح أن تأتي على صاحبي من هذه الجهة غير مأذن لك. قال: «فيؤتى أي العذاب يؤتى من جهة اليمين، فتقول الصيام: ما قبل مدخل». فيؤتى من قبل الشمال، فتقول الزكاة: ما قبل مدخل. فيؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والمعروف والإحسان بين الناس: ما قبل مدخل. بمعنى حمي يحمى يا عبد الله، تحمى يا عبد الله من عذاب القبر. إن قدر أن تعذب، بماذا؟ بهذه الأعمال، بهذه الأركان، بالصلاة والزكاة والصيام. رمضان ينفعك جدا يا عبد الله وأنت في قبرك وأنت في هذه الوحشة، لا أنيس معك ولا جليس. من أعظم ما تستأنس به أعمالك، ومن أعظم الأعمال الصيام، احرص عليه. ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي قيام الساعة. إذا نفخ في الصور النفخ الثانية، فانبعث الناس من قبورهم وخرجوا من الأجداث من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. الكل على صعيد واحد، أمم لا يعلم بهم إلا الله إلا من خلقهم، تجتمع هذه الخلائق في هذا اليوم العصيب. وقد بلغت القلوب لدى الحناجر خوفا ومهابة لهذا اليوم، ما يدرى ما الذي يفعل بهم. فحينها تفتح في هذا الوقت، في تلك الساعة، تفتح أبواب الشفاعات. تأتي الشفاعات، منها ما هو شفاعة لفصل القضاء، ومنها الشفاعة لدخول أهل الجنة الجنة ولرفع الدرجات. تفتح أبواب الشفاعات، فيشفع الأنبياء ويشفع الرسل وتشفع الملائكة ويشفع الصالحون، كل من كان له حظ عند الله عز وجل يشفع، يعطيه ربنا الإذن بإذن من الله يشفع. فيشفع، فالكل يشفع. هنا ينجلي من صيام كذلك من أعمال تشفع لأصحابها. كما جاء ذلك في السنة من حديث عبد الله بن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد». يقول الصيام: أي ربي، منعته من الطعام والشراب في النهار، فشفعني فيه. ويقول القرآن: أي ربي، منعته من النوم بالليل، فشفعني فيه. قال عليه الصلاة والسلام: «فيشفعان، فيشفعان». أي أن طلبهما ما يرد، ما يرد وإنما يقبل. ثم بعد ذلك تأتي المرحلة الأخيرة من مراحل الآخرة، وهي الاستقرار طبعا يكون استقرار عباد الله الصالحين إلى الجنة. لكن انظر إلى رمضان كيف يسوقك إلى الجنة، كيف يكون في استقبالك إلى الجنة. يكون رمضان مستقبل لك للجنة في بابها. قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجنة بابا يقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون». رواه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد. أول ما تدخل تجد هذا الباب الذي أعده الله لأهل الصيام، وعلى رأس أهل الصيام صوام رمضان. ممن تفنن وأقبل على ربه وحرص على صومه، فيجد هذا الباب. ثم إذا دخل أهل الصيام إلى هذا الباب العظيم، بعد ذلك هل انتهى الأمر؟ لا، بل إن الله عز وجل يعطي لأهل الصيام الدرجات العلا. وهذا من فضائل رمضان أن رمضان ليس فقط يجعلك من أهل الجنة فحسب، بل يرقيك ويعلي شأنك ويعليك إلى أعلى مقامات الجنة. وانظر لهذا الحديث الذي رواه أهل السنن من حديث عمرو بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان». وفي رواية: «وصمت رمضان وقمته». أي الصيام مع القيام. قال: «فممن أنا؟» تأمل إلى هذه الأعمال، لربما الواحد يراها من الأعمال الذي لربما ما يرقى لها بالا. الشهادتين كلنا يأتيها، الصلوات الخمس لداء الزكاة لمن كان ذا مال، وأيضا صوم رمضان. قال عليه الصلاة والسلام: «من الصديقين والشهداء». أي لما سألت ممن أنا؟ وفي رواية عند ابن خزيمة، قال عليه الصلاة والسلام: «من مات على هذا، من مات على الشهادتين ومات على الصلاة وعلى الصيام وعلى الزكاة، كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة». يوم القيامة، بماذا؟ بهذه الأعمال، وعلى رأسها صوم رمضان. فرمضان يا عبد الله يجعلك في أعلى عليين، مع من؟ مع المراتب العالية والمنازل العالية، مع النبيين والصديقين والشهداء. منزلة يمكن أن تنالها يا عبد الله بهذا العمل. ومن هنا، إخواني في الله، بهذه الخلاصة من السير السريع إلى الدار الآخرة، نعلم كيف أن رمضان معك من أول ما أنت في قبرك معك، إلى أن تبعث يوم القيامة معك، إلى أن تدخل الجنة وهو معك. وبهذا أحسن إليك، أحسن إليك حتى يحسن إليك، لأن الناس يتفاوتون في رمضان، فهو يتفاوت معهم على قدر ما يكون قدرك من رمضان. رمضان يعطيك من قدره في شفاعته تكون كاملة تامة ينجيك، وهكذا في قبرك أن يحميك، على قدر ما يكون من عطائك لرمضان. من حفظ اللسان، من حفظ الجوارح، من الإقبال على الله بالطاعات، من الابتعاد عما نهى الله عز وجل، أن تكون صواما، أن تكون قواما، يرفع الله درجتك في عليين. لكن إذا كان صومك على ضعف، فيكون أثر رمضان عندك على ضعف. وأما من لم يكن من أهل الصيام، نسأل الله السلامة والعافية. وفي ذلكم إشارة أيضا، إخواني في الله، على ضرورة العناية بأركان الإسلام، لا تستهم بها، سواء رمضان أو كان من أمر الزكاة أو كان من أمر الصلاة. احرص عليها قدر الإمكان. صلوات خمس، احرص عليها، عب عليها بالنواجد، ولو لم تأتي بغيرها. احرص على الصلوات الخمس، ولو لم تأتي بالنوافل. احرص على الزكاة، الزكاة المفروضة، ولو لم يأت منك صدقة ولا نفقة لوجه الله. ولو، واحرص على صوم رمضان، ولو لم تأت لله إلا برمضان، ولو تركت باقي النوافل. هذه تكفيك، فكيف إذا جئت بغيرها؟ فكيف إذا جئت بالصلاة مع النوافل؟ فكيف إذا جئت بالزكاة مع الصدقات؟ كيف إذا جئت برمضان مع الصوم التطوع؟ كيف يكون أجره أعظم وأعظم وأعظم؟ ولهذا، إخواني في الله، ينبغي أن نستبين في فضائل أعمالنا، الصيام رمضان، إخواني في الله، فضائله عظيم، وهذا الذي أردته في هذه الحلقة أو في هذا الدرس، من تبيين ما يكون من فضائل رمضان، أنه مفيد لنا جميعا، وذلك في اليوم الآخر، وذلك في كل مراحل هذه الحياة الأخروية. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.