من صحيح القصص النبوي 2

من صحيح القصص النبوي 2

الدرس في من صحيح القصص النبوي 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة وقصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه

يسرد الشيخ قصة الصحابي أبي ذر الغفاري الذي سمع ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل أخاه للتحقق، ثم سافر بنفسه إلى مكة بحثاً عن الحق، مبيناً صدق طلبه وشجاعته المبكرة في مواجهة قريش.

دور علي بن أبي طالب في إيصال أبي ذر للنبي صلى الله عليه وسلم

يصف المقطع وصول أبي ذر مكة سراً ولقاءه بعلي بن أبي طالب الذي استضافه بحذر شديد ثم دلّه على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم مكانَه وأمره النبي بكتمان إسلامه والعودة إلى بلده.

جهر أبي ذر بالإسلام وتعرضه للأذى وإنقاذ العباس له

يتناول إصرار أبي ذر على إعلان الشهادة في المسجد الحرام رغم أمر النبي بكتمانه، فضربته قريش ضرباً مبرحاً كاد يقتله، فأنقذه العباس بن عبد المطلب بحجة حماية المصالح التجارية، وتكرر الأمر في اليوم التالي.

الخاتمة بالدعاء بطلب النفع بالعلم والعمل

يختتم المحاضر الدرس بدعاء يسأل الله تعالى أن يجعل ما سمعوه نافعاً وأن يعلمهم ما ينفعهم، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن القصص النبوي نأخذ -إن شاء الله تعالى- قصة إسلام أبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي كان من السابقين الأولين رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وحديثه في الصحيحين، صحيح البخاري، وفي الصحيح فقط في صحيح البخاري رحمه الله تعالى، وهو من حديث ابن عباس، وفيه من الفوائد، وفيه من المواعظ، وفيه من الدروس الشيء الكثير. فنحن بحاجة إلى أن نتعرف على سيرة سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟» قال: قلنا: بلى. قال: قال أبو ذر رضي الله عنه: «كنت رجلاً من غفار، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل، كلمه، وأتني بخبره». قال: فانطلق، فلقيه، ثم رجع. فقلت: ما عندك؟ فقال أخو أبي ذر: «والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشر». قال: فقلت له: لم تشفني من الخبر. فأخذت جراباً وعصا، ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد. قال: فمر بي علي، فقال: «كأن الرجل غريب». قلت: نعم. قال علي: «فانطلق إلى المنزل». قال: فانطلقت معه، لا يسألني عن شيء، ولا أخبره. قال: فلما أصبحت، غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء. فمر بي علي، فقال: «أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟» قلت: لا. قال علي: «انطلق معي». قال: فقال علي: «ما أمرك، وما أقدمك هذه البلدة؟» قال: قلت له: «إن كتمت علي أخبرتك». قال علي: «فإني أفعل». قلت له: «بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه». فقال له علي: «أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه، فاتبعني، أدخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحداً أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت». قال: فمضى، ومضيت معه، حتى دخل، ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت له: «اعرض علي الإسلام». فعرضه، فأسلمت مكاني. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل». فقلت: «والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم». قال: فجاء إلى المسجد، وقريش فيه. فقال أبو ذر: «يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله». فقالوا: «قوموا إلى هذا الصابئ». فقاموا، فضربوني لأموت. فأدركني العباس، فأكب علي، ثم أقبل عليهم، فقال العباس: «ويلكم، تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم وممركم على غفار؟» فأقلعوا عني. قال: فلما أصبحت الغد، رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس. فقالوا: «قوموا إلى هذا الصابئ». فصنع بي مثل ما صنع بالأمس، وأدركني العباس، فأكب علي، وقال مثل مقالته بالأمس. قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر رضي الله عنه. هذا حديث عظيم، نأخذ معانيه، ومعانيه -ولله الحمد- واضحة بينة، وإن كان هناك بعض الألفاظ تحتاج إلى بيان. فيقول ابن عباس لمن يحضر مجالسه من التابعين: «ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟» وهذا فيه أن السلف الصالح كانوا يذكرون سيرة من سبقهم للعظة والعبرة. فها هو ابن عباس يخبر طلابه بإسلام أبي ذر، وهو صحابي، وابن عباس قريب من حياة وعصر أبي ذر رضي الله عنه، ومع هذا علم وأخبر طلابه بقصة هذا الصحابي الجليل. فقال: «ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟» فقالوا، وقلنا: بلى. يعني كانوا حريصين على العلم، وهذه كانت مجالس أهل العلم، مجالس علم، ومجالس خير، ومجالس إيمان وتذكير. فقالوا: بلى، نحب أن تخبرنا. قال: قال أبو ذر، يعني أبو ذر يحكي قصته: «كنت رجلاً من غفار». وقال له: أبو ذر الغفاري، وغفار قبيلة معروفة تبعد عن المدينة. قال: «فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنه نبي»، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «فقلت لأخي» -قيل إن اسمه أنيس، اسم أخيه أنيس-: «انطلق إلى هذا الرجل، كلمه، وأتني بخبره»، يعني استأكد: هل هو نبي حق وصدق، أم أنه غير ذلك؟ فأرسل ليستثبت. نعم. قال: «فانطلق فلقيه»، ذهب أخوه ولقي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع. فسأله أبو ذر: ماذا رأيت؟ فقال أخو أبي ذر: «والله لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشر». قال: فقلت له: لم تشفني من الخبر. قال العلماء: لأنه قد يكون هناك ناس قبل النبي صلى الله عليه وسلم عندهم بقايا خير، فيأمرون بالخير وينهون عن الشر. فكان جواب أنيس، أخي أبي ذر، مجملاً، كان جوابه مجملاً. فمعنى قوله: «لم تشفني»، يعني لم تفصل لي، ولم تبين لي البيان الواضح، البيان الواضح. قال: «فأخذت» -يقول أبو ذر، يعني يريد أن يذهب وحده ويتأكد بنفسه رضي الله تعالى عنه-: «فأخذت جراباً وعصا». الجراب هو وعاء من جلد يكون فيه الطعام، مثل الشنطة اليوم ونحوها، أو الكيس أو نحوه. فالجراب هو وعاء من جلد كان يصنع من الجلد، فيوضع فيه الطعام، زاد الطريق، زاد المسافر. فأخذ الجراب، وأخذ معه العصا، وكانت العرب تأخذ العصا لحكم كثيرة، ومنها: الاستدلال على الطريق، ومنها: قتل ما قد يعرض لهم من هوام ونحوها، ومنها: الاتكاء عليه، ومنها: تعليق بعض الأمتعة، وفوائد كثيرة، كما قال موسى عليه السلام: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 18]، يعني مصالح أخرى. قال: «ثم أقبلت إلى مكة»، جاء أبو ذر إلى مكة. قال: «فجعلت لا أعرفه»، ما يدري من هو هذا الرجل الذي ظهر، «وأكره أن أسأل عنه». لماذا يكره أن يسأل عنه؟ لأن الكفار ما سيتركونه إذا وقع، أو سأل أحدهم، إذا سأل أحدهم لربما لا يدله، وربما يضربه، وربما كذلك يخرجه، أو يدله على رجل آخر، أو نحو ذلك. فلذلك كره أن يسأل أحداً، ما يدري من هذا الذي سيسأله. قال: «واشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد». جاء، جلس في البيت الحرام، في البيت الحرام يشرب من ماء زمزم ويجلس في المسجد. قال: «فمر بي علي»، أي ابن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: «كأن الرجل غريب». وهذا فيه أن المسلم إذا رأى إنساناً غريباً لا بد أن يسأل عنه، لعله عابر سبيل، لعله يحتاج إلى إعانة أو إلى شيء. فهذا مما دعا إليه الإسلام، بل وجعل لابن السبيل من الزكاة، الذي انقطعت به النفقة وهو في سفره، جعل له الإسلام من الزكاة، وجعله مصرفاً من مصارف الزكاة. فعلي رضي الله عنه رأى أن هذا الرجل غريباً، فقال له: «كأن الرجل غريب». فقلت: نعم، وقدر. قال: نعم. قال: «فانطلق إلى المنزل». وهذا فيه أيضاً إكرام الغريب والضيف. نعم، فعلي رضي الله عنه استضاف هذا الرجل. وأيضاً قيل: إن علياً استرشد، أو إن علياً يعني استشعر أن هذا الرجل يريد النبي صلى الله عليه وسلم، أو يريد أن يتأكد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك اهتم به علي وأخذه معه إلى المنزل. قال أبو ذر: «فانطلقت معه»، ذهب مع علي. قال: «لا يسألني عن شيء، ولا أخبره». كل واحد ساكت، ما سأله علي: ما الذي جاء بك، وماذا تريد، وما حاجتك؟ وأبو ذر لم يسأله عن النبي. لماذا؟ يقول: ربما هذا كافر، هذا يعني من المشركين، ربما لا يدلني، أو لربما يؤذيني. فأبو ذر لزم الصمت، وعلي كذلك لزم الصمت. قال: «فلما أصبحت، غدوت إلى المسجد» -ذات عند علي، ثم الصباح، ذهب إلى المسجد- «لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء». فمر بي علي، إلى الآن ما علم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويريد أن يقابله. فمر ثانية، مر عليه علي بن أبي طالب، فقال: «أما نال للرجل؟» أي: أما حان، أو أما آن. هنا «نال» بمعنى «آن»، يقال: «نال منه» بمعنى «آن له». فقال له: «أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟» يعني: إلى الآن لم تعرف ما تريد من مجيئك إلى هذه البلد، وما حاجتك إلى هذه البلد؟ قال: قلت: لا. قال علي: «انطلق معي». أخذه مرة ثانية. قال: فقال علي بعدما أخذه المرة الثانية: «ما أمرك، وما أقدمك هذه البلدة؟» لماذا جئت؟ إيش تريد؟ قال: قلت له: «إن كتمت علي أخبرتك». وهذا من ذكاء أبي ذر، قاله: «إن كتمت علي، سترت ما أقول لك، وما يقال بيني وبينك، سأخبرك، وإن لم تستر علي ما سأخبرك». هذا معنى كلامه. قال علي: «فإني أفعل»، سأستر عليك. قال: «قلت له: بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه». قال: لا أريد أن ألقى هذا الرجل الذي شاع صيته أنه رجل يزعم أنه نبي، أريد أن أقابله لأنظر ما عنده، وإلى ماذا يدعو. فقال له علي: «أما إنك قد رشدت». أما إنك قد رشدت، ومعنى «قد رشدت»: أي قد علمت الحق، خلاص، وقعت على ما أردت، وقعت على ما أردت. قال: «هذا وجهي إليه، فاتبعني». أنا سأذهب إليه، أنت اتبعني، كن خلفي. وكانت المرحلة مرحلة السرية في الدعوة، وضعف الدعوة في بداية الأمر. قال: «فاتبعني، أدخل حيث أدخل، في مكان أدخل، أنت كن معي خلفي، فإني إن رأيت أحداً أخافه عليك، قمت إلى الحائط». إذا رأيت أحداً من كفار قريش ممن هو يعادي، وممن هو كذلك يحارب ويؤذي المؤمنين، «قمت أنا إلى الحائط كأني أصلح نعلي»، يعني أمثل أنه يصلح النعل، «وتمضي أنت». حتى لا يقول: هذا الرجل يتبع من؟ يتبع علياً، ويريد معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من فطنة وذكاء علي بن أبي طالب. المؤمن ينبغي أن يكون فطناً، وأن يكون حذراً. فعلي يقول لأبي ذر: أنا سأمشي، أنت امش خلفي، إذا رأيت أحداً أخاف أنه يعرف أنك تريد معي، أنا سأمثل أنني أصلح نعلي، وأنت تجاوزني، امش، لا لا تقف لي، لأنه لو وقف سيظن هذا العدو أنه منتظر لعلي. فقال له: «أنت امش، لا لا تنتظر، فإذا ذهب هذا، أنا سأتي إليك». هذا معنى كلامه. قال: «فمضى، ومضيت معه، حتى دخل، ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم». إذن وصل الآن أبو ذر إلى ما يريد، إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «فقلت له»، أي أبو ذر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «اعرض علي الإسلام». ما هو هذا الإسلام؟ اعرضه علي، أي: عرفني بأركانه وواجباته، وكيف يكون الإنسان مسلماً، متبعاً لهذا الدين، عرفني بهذا الإسلام. قال: «فعرضه»، بين له النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي يدعو إليه، توحيد، إلى عبادة الله وحده، ما دعاه الله عز وجل، أو ما أمره الله عز وجل بالدعوة إليه، أن يعبدوا الله، ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 65]. قال: «فعرضه، فأسلمت مكاني». فهذه كناية على فور إجابته للإسلام، لما عرض عليه، وأعجب بهذا الإسلام، فأسلم في حينه، ما تردد، وما قال: سأنظر، سأشاور، سأفكر. لا، ما أن عرض النبي صلى الله عليه وسلم عليه الإسلام إلا وأسلم، وانقاد، وآمن بالله سبحانه وتعالى. قال: «فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل». قال له: لا تخبر أحداً أنك أسلمت، لأن المرحلة مرحلة عصيبة، مرحلة آذى فيها المشركون من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. فقال له: اكتم هذا، واذهب إلى بلدك، وأنت مؤمن مسلم، فإذا بلغك أننا ظهرنا، يعني صارت الدعوة منتشرة، فأقبل إلينا، وكن معنا. فقلت: «والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم». هذا من شجاعته رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال العلماء: وإنما لم يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه علم بالقرائن أن هذا الأمر ليس للوجوب، ليس للوجوب، يعني لم يوجب عليه النبي صلى الله عليه وسلم الكتمان، وإنما أرشده إلى ما هو فيه مصلحة له، فيه مصلحة له، حتى لا يضرب، أو لا يقتل، أو نحو ذلك. فأمره بالكتمان، فأبو ذر، لقوة إيمانه، ولشجاعته، ولنصرة دعوته إلى هذا الإسلام الذي منّ الله عز وجل به عليه، أراد أن يظهر هذا الأمر. ماذا فعل؟ قال: «فجاء»، أي أبو ذر، «إلى المسجد، وقريش فيه». جاء إلى المسجد، والناس يعني في المسجد، ومنهم قريش. فقال أبو ذر: «يا معشر قريش»، يخاطب الناس. انظروا على شجاعة الصحابة، يعني يستترون بإسلامه، وهو غريب، ويأتي في يعني مجلس قريش، ويصرخ بأعلى صوته: «يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله». إيش الذي صار؟ فقالوا: «قوموا إلى هذا الصابئ». الصابئ عندهم: كل من ترك دين أبائه، وانتقل إلى دين آخر، انتقل إلى دين آخر، يقولون له: صابئ. فقالوا: «قوموا إلى هذا الصابئ». فقاموا، فضربوني لأموت، يعني ضربوني حتى أرادوا قتلي بهذا الضرب، ضرب شديد، ضرب مبرح. نعم. فأدركني العباس بن عبد المطلب، وكان مشركاً أنا ذاك، كان مشركاً أنا ذاك، فأكب علي، يعني حماني منهم، ثم أقبل عليهم، ثم يعني خاطبهم، خاطب قريش، فقال لهم العباس: «ويلكم، تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم وممركم على غفار؟» فأقلعوا عني. يعني قال لهم: أنتم إذا قتلتموه ستفقدون مصالحكم، كما يقال، فإن بلد غفار في طريقكم للذهاب للتجارة، فإذا قتلتم هذا الرجل منهم، لربما انتصروا له، واعترضوا لتجارتكم، وقطعوا الطريق دونكم، فلا تفعلوا هذا حتى لا تخسروا مصالحكم. يعني أتاهم بأمر دنيوي، أتاهم بأمر دنيوي، فأقلعوا عني، يعني امتنعوا وابتعدوا عن ضربه. لكن أبو ذر، شجاعته، ولي قوة إيمانه رضي الله عنه، عاد الكرة. قال: «فلما أن أصبحت الغد، رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس: يا معشر قريش، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله». فقاموا إليه وضربوه، ثم جاء العباس، وكب عليه، وذكرهم، وقال لهم بما قال من قبل. فهذا الحديث فيه فوائد عدة. من فوائد هذا الحديث: فيه فضل ومنقبة لأبي ذر رضي الله عنه، وما كان عليه من الشجاعة، ومن القوة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكيف أنه تحمل ذلكم الضرب في سبيل الله، من أجل أن يظهر دعوة الإسلام في ذاك الزمان الذي لا يستطيع أحد أن يظهر إسلامه، فإذا أظهر أحد إسلامه أوذي من قبل المشركين. فانظر على شجاعة، وانظر على كفاية وفداء لهذا الدين. وفي هذا الحديث أيضاً: فيه أنه إذا كان للإنسان أمر مهم، لم يبدأ بالسؤال، لم يبدأ بالسؤال عنه، حتى ينظر من يصلح للسؤال عنه. فتحين الفرصة أبو ذر حتى رأى أن علياً قد استضافه ليلتين، وهو الذي سأله عن أمره، فأخبره بهذا الأسلوب الذي أيضاً فيه من الاحتياط، وفيه من كذلك الفطنة والذكاء، إذ أمر علياً أن يستر عليه إن أخبره بذلك. وفي هذا الحديث أيضاً: فيه ما يدل على أن الله يهدي المجتهد، من بحث عن الحق، فإن الله سبحانه وتعالى يوفقه. فانظر إلى أبي ذر، لما أراد الحق، وأراد الإسلام، بعث أولاً أخاه، فلما لم يشفه، ذهب هو بنفسه، ذهب هو بنفسه في وقت يصعب اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، بتكالب الأعداء على الإسلام، ومن أسلم مع النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن لما علم الله عز وجل صدق هذا الصحابي الجليل، هداه إلى لقاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهيأ له الأسباب لذلك. وإذا أراد الله شيئاً هيأ له أسبابه، هيأ له أسبابه. وفي هذا الحديث أيضاً: فيه كتمان الحق طلباً للمصلحة، وانتظاراً لوجود الفرصة. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رغب أبا ذر على أن يكتم أمره لوجود المصلحة. وهذا فيه العمل بالقاعدة المشهورة، وهو: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وإذا تعارضت مفسدتان، قدمت أعلاهما. نعم، تدفع أعلاهما، هاتين المفسدتين. فلا شك أن كتمان الإسلام فيه مفسدة، لكن إعلان الإسلام فيه مفسدة أعظم. ولذلك ضرب أبو ذر، لربما لو لا يعني حفظ الله عز وجل له، وتسخير الله سبحانه وتعالى للعباس له، لقتل، لقتل من قبل هؤلاء. فهذا فيه العمل بهذه القاعدة العظيمة، وأن الحق قد يكتم أحياناً لوجود المصلحة. مثلاً على سبيل المثال: تأتي أنت داعية إلى الله إلى مسجد صوفية، تريد أن تعمل كلمة، لربما إذا صرحت بالتحذير من الشرك لضربت، أو أخرجت من المسجد، أو منعت مرة أخرى من المسجد. إذن، أيش المصلحة؟ أيش المصلحة من هذه الكلمة مع وجود تلك المفاسد الكثيرة؟ كونك تأتي إليهم وتعظهم وتبين لهم الحق بأسلوب يعني طيب، دون أن يستفزهم، أو أن يكون سبباً في منعهم لك، فهذا أمر طيب، هذا أمر طيب، عملاً بهذه القاعدة، وبمثل هذا الحديث الذي أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر بكتمان إسلامه، بكتمان إسلامه. فهذه مسائل شرعية، دلت عليها أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة، ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]، إلى غير ذلك. فهذا حديث عظيم، فيه مثل هذه الفوائد الجليلة، وفيه مثل هذه المواعظ العظيمة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.