من صحيح القصص النبوي 4

من صحيح القصص النبوي 4

الدرس في من صحيح القصص النبوي 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة بلال رضي الله عنه مع الدين والفرج الإلهي

يروي بلال رضي الله عنه كيف ضايقه مشرك أقرضه المال وهدده بإعادته للرعي، فاشتكى للنبي صلى الله عليه وسلم ففرج الله عنه بهدية أربع ركائب محملة كسوة وطعاماً من خيبر أو فدك، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم الدين وامتنع عن دخول بيته حتى أدى بلال ما عليه. تظهر القصة كرم النبي وتوكله على الله وفضيلة بلال وأمانته في أداء الأمانات.

الفوائد المستنبطة من حديث بلال في الإنفاق والاستعداد للموت

استخلص الشيخ من حديث بلال فوائد عظيمة منها شدة فقر الصحابة وصبرهم، وفضاعة الدين وجواز الاستدانة عند الضرورة مع نية الأداء، ووجوب الاستعداد للموت وخوف النبي صلى الله عليه وسلم من إدراكه وعليه دين. كما أبرز الحديث كرم النبي صلى الله عليه وسلم والفرج بعد الشدة وأمانة بلال رضي الله عنه.

آداب الاستئذان الثلاث وتعليمها للأبناء

يؤكد المقطع على وجوب الاستئذان ثلاث مرات قبل الدخول على الأهل مراعاة للخصوصية، فإن أُذن دخل وإلا رجع، ويختم بالتأكيد على أهمية التخلق بهذه الآداب الإسلامية النبوية وتعليمها للأبناء والبنات والأهل كافة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، ففي هذا المجلس إن شاء الله تعالى نأخذ كذلك حديثاً من القصص النبوي، نتذاكر معانيه وفوائده ومواعظه. عن عبد الله الهوزني قال: لقيت بلالاً رضي الله عنه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب، فقلت: يا بلال، حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي، وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً يأمرني، فأنطلق فأستقرض، فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال المشرك: يا بلال، إن عندي سعة، فلا تستقرض من أحد إلا مني. قال: ففعلت. فلما أن كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني قال المشرك: يا حبشي. قلت: يا لباه. قال: فتجهمني وقال لي قولاً غليظاً، وقال لي المشرك: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب. قال المشرك: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك، فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك. قال: فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني. قال: فخرجت حتى إذا أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي، حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال، أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلقت حتى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر، فقد جاءك الله بقضائك. ثم قال: ألم ترى الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إلي عظيمة فدك، فاقبضهن واقضي ذينك. قال: ففعلت، فذكر الحديث. قال: ثم انطلقت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد، فسلمت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل قيب لك؟ قال: قلت: قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق شيء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل شيء؟ قال: قلت: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظر أن تريحني منه، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة، دعا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل الذي قبلك؟ قال: قلت: هو معي، لم يأتنا أحد. فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وقص الحديث، حتى إذا صلى العتمة يعني من الغد دعاني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل الذي قبلك؟ قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله. فكبر وحمد الله شفقاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى إذا جاء أزواجه، حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته. فهذا الذي سألتني عنه. هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فنقف في هذه اللحظات مع معانيه، ثم نذكر ما تيسر من فوائده ومواعظه. عبد الله الهوزني لقي بلالاً مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بحلب. بلال لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة وذهب إلى الشام، وحلب هي مدينة بالشام، فالتابعون حريصون على أن يأخذوا العلم من بلال لأنه من الأولين السابقين، وممن أسلم في المرحلة السرية من الدعوة، وابتلي بلاء عظيماً، ولازم النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا عبد الله الهوزني سأل بلالاً بقوله: يا بلال، حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني: كيف كان ينفق ماله، كيف يفعل بماله، كيف يصرفه، كيف يعني يديره أو نحو ذلك. فقال بلال: ما كان له شيء، يعني ما عنده شيء صلى الله عليه وسلم، حتى يعني أذكر لك كيف كان يصرف ماله، ما كان له شيء. قال: كنت أنا الذي ألي ذلك، أنا الذي يوكلني في تصريف بعض المال وبعض ما يحتاج للدعوة أو لأهله أو نحو ذلك، ثم ذكر له شيء من ذلك، فقال: كنت أنا الذي ألي ذلك منذ بعثه الله إلى أن توفي، يعني منذ أن بعثه الله وآمن به بلال إلى أن توفاه الله عز وجل. قال: وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً يأمرني، يعني إذا رأى على إنسان ثوبه وحاجته فيأمر بلالاً أن يوفر له ما يستر عورته وما يغنيه عن أن يسأل الناس، فيقول بلال: فأنطلق فأستقرض، يعني يستدين، يستدين وهذا الدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشتري له البردة، يعني يشتري لهذا الرجل الكساء، البردة نوع من الثياب، فأكسوه وأطعمه، يشتري له كساء ويشتري له طعام. قال: حتى اعترضني رجل من المشركين، جاءه يوم وهو يريد أن يستقرض من أحد، رجل من المشركين، فقال هذا المشرك لبلال: يا بلال، إن عندي سعة، أنا عندي مال سعة يعني غنى، فلا تستقرض من أحد إلا مني، قال له: أنا سأدينك، سأعطيك ما تريد كدين عليك. قال: ففعلته، قال له: تمام، فأقرضه إلى أجل، ظاهر الحديث أنه إلى شهر لمدة شهر. قال: فلما أن كان ذات يوم، يقول بلال: فلما أن كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة، بلال مؤذن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: فإذا المشرك قد أقبل في عصابة، يعني اعترضه المشرك، وفي عصابة أي جماعة وهي ما بين العشرة إلى الأربعين من التجار، اعترضه هذا المشرك الذي أدانه، قال: فلما أن رآني قال المشرك: يا حبشي، لأن بلالاً كان مملوكاً وهو من الحبشة، فعتقه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقال له هذا المشرك: يا حبشي، فقلت: يا لباه، ومعنى يا لباه يعني لبيك، وهي كلمة تستعمل لإجابة الداعي، كلمة تستعمل لإجابة الداعي. قال: فتجهمني وقال لي قولاً غليظاً، ومعنى تجهمني أي استقبله بغلظة وكراهة، يعني معاملة شديدة، معاملة شديدة بقسوة وغلظة، وقال له قولاً غليظاً يعني شديداً وسيئاً من سب أو شتم أو نحو ذلك. وقال لي المشرك: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ يعني أتدري كم بقي على انتهاء المهلة، مهلة الدين؟ قال: قلت: قريب. قال المشرك: إنما بينك وبينه أربع، يعني بقي أربعة أيام وتنتهي المهلة، قال: فآخذك، يعني إذا لم توف لي الدين، قال: قال فآخذك بالذي عليك، يعني إذا لم توفي ديني فسآخذك كعبد، فأردك ترعى الغنم، أردك ترعى الغنم بمعنى كان بلال عبداً في مكة قبل أن يعتق، فيقول له: إذا لم ترد هذا الدين سأردك كما كنت من قبل ترعى الغنم وتكون عبداً وتكون ماذا؟ عبداً، يعني أردك إلى الرق والعبودية. نعم، انظروا إلى قسوة وغلظة. قال: فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، يعني اهتم واغتم بلال من هذه المعاملة ومن هذا القول وهو بشر، فأخذ في نفسي ما يأخذ الناس في أنفسهم. قال: حتى إذا صليت العتمة، والعتمة هي صلاة العشاء، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي، يعني أردت أن أكلمه في هذا الأمر، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له بالدخول. قال: فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، يعني فداك أبي وأمي، إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي كذا وكذا، يعني ذكر له ما حصل من هذا المشرك، وليس عندي ما تقضي عني ولا عندي، ما عندي شيء أنا وأنت، ما عندك شيء، كأنه يقول: النبي صلى الله عليه وسلم، أنا معي حل في هذا الأمر، ما هو هذا؟ قال: وهو فاضحي، ومعنى فاضحي أي كاشف لمعايبي ومشهر بها. فأذن لي أن آبق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذن لي أن آبق، ومعنى آبق يعني أذهب وأفر، أفر أو أفر إلى بعض هؤلاء الأحياء، إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا، يعني إلى بعض قبائل المسلمين يحتمي بهم حتى لا يؤذيه هذا المشرك، فهذا معنى قولي: أن آبق، آبق يعني أذهب وأفر، ولذلك يقال للعبد إذا هرب على سيده آبق، يقال له: العبد الآبق، يعني الفار من سيده، فهذا معنى قوله: أن آبق. قال: حتى يرزق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني، إلى أن تتيسر، وأنا سأذهب وأغيب عن أنظاره، أغيب عن أنظاره أي أنظار هذا المشرك. قال: فخرجت حتى إذا أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي، الجراب قد تقدم معناه، هو وعاء من الجلد يوضع فيه المتاع مثل الشنطة اليوم، نعم هذا هو الجراب، والنعل المعروف الحذاء، والمجن هو الترس الذي يوقي من ضربات السيف، بمعنى أنه جهز أغراضه التي سيأخذها معه عند خروجه، عند خروجه. قال: حتى إذا انشق عمود الصبح الأول، ومعنى عمود الصبح الأول يعني ضوء الفجر الأول، الفجر الكاذب الذي يطلع إلى الأفق ولا ينتشر ولا ينتشر، فالفجر فجران كما جاء في الحديث: الفجر فجران، فجر كاذب وفجر صادق، الصادق هو الذي يطلع في الأفق ثم ينتشر، سرعان ما ينتشر ويظهر ضوءه، أما الكاذب فهو الذي يذهب إلى الأفق ولا ينتشر، ينحصر ضوءه في الأفق فقط. فقال: حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق، خلاص يريد أن ينطلق في وقت الظلم حتى لا يراه أحد، حتى لا يراه أحد. قال: فإذا إنسان يسعى يدعو، اسمع إنسان ينادي عليه: يا بلال، أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه يريد أن يكلمه. قال: فانطلقت حتى أتيته، يعني أتى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال حتى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، والركائب هي الإبل، ومعنى مناخات أي باركات جالسات، أربع وكلها محملة كما سيأتي فيما نقرأ الآن من كسوة وطعام ونحو ذلك. قال: فاستأذنت، استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من آداب الدخول، لا بد من الاستئذان. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر، فقد جاءك الله بقضائك، جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى، فإن مع العسر يسرى، وكلما اشتدت الأمور آذنت بالانفراج فانفرجت هذه الشدة، فضل الله عز وجل. قال: ثم قال: ألم ترى الركائب المناخات الأربع؟ يقول لبلال: ما مررت على الركائب الأربع التي هن مناخات؟ فقلت: بلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك رقابهن وما عليهن، يعني نفس الركاب وما على الركاب كلها، هذا تتصرف فيهن وتقضي دينك وما علينا من حقوق تجاه الآخرين. قال: إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إلي عظيمة فدك، والدال والكاف فدك، فدك، فدك، وفدك هذه بلدة مشهورة بعيدة على المدينة. قال: فاقبضهن واقضي دينك، خذ هذه الركائب الأربع واقض ما علينا من دين. قال: ففعلت، ثم انطلقت إلى المسجد، فعما قضى دينك، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد، فسلم عليه، فسلمت عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل قبلك؟ إيش معنى ما فعل قبلك؟ يعني: هل قضى المال الذي عليك، هل قضى المال الذي عليك أو بقي علينا شيء أو زاد شيء؟ هذا معنى ما فعل ما قبلك، يعني: ما فعل الذي أخذته من مال، هل وفيت به؟ قال: قلت: قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق شيء، يعني لم يبق عليك شيء من الديون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: أفضل شيء؟ هل زاد شيء، أفضل يعني هل زاد شيء؟ فقال بلال: نعم، زاد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظر أن تريحني منه، ما معنى انظر أن تريحني منه؟ يعني: حاول تصرفه وتنفقه ولا تبقيه معك. لماذا؟ لماذا؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخشى كما سيأتي أن يموت وعنده من النفقة والمال الذي لم يخرجه في سبيل الله، يخشى أن يموت ويبقى شيء في ذمته من مال، فلا يدري ما يصنع به بعد موته، فلذلك قال لبلال: انظر أن تريحني منه، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه، فجعل خروج هذا المال راحة لأنه يكون معلقاً في رقبتي صاحبه. قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة، صلاة العشاء، دعاني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل الذي قبلك؟ يعني: المال المتبقي ماذا فعلت فيه، ماذا فعلت في هذا المال، هل أنفقته أو لا، ما فعل الذي قبلك؟ قال: قلت: هو معي، لم يأتنا أحد، ما ما ما احتجت أن أنفقه في شيء، ما جاءت حاجة، ما جاء أحد يحتاج كساء أو طعام أو مال، فلذلك هو لا يزال محفوظاً عندي لم أنفقه في شيء. قال: فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ما دخل أبياته ولا ذهب عند نسائه، حتى إذا صلى العتمة يعني من اليوم الثاني صلاة العشاء دعاني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل الذي قبلك؟ ما خبر المال الذي محفوظ عندك، هل وجدت له مصرفاً، هل أنفقته في شيء في سبيل الله؟ قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله، خلاص تخلصنا منه وأخرجناه. قال: قال فكبر وحمد الله شفقاً، يعني خوفاً، شفقاً خوفاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى إذا جاء أزواجه، فسلم على امرأة امرأة، وهذا من حسن أخلاقه، يأتي عند جميع نسائه التسع فيسلم على كل واحدة منهن، قال: حتى أتى مبيته، يعني الليلة التي عند أحد نسائه يدخل عندها. فهذا الذي سألتني عنه. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة وجليلة وعظيمة. من فوائد هذا الحديث: بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الشدة والفقر، خصوصاً في أول الإسلام، وصبرهم على نشر دين الله. فانظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل الديون من أجل دين الله عز وجل، ومن أجل كذلك الإحسان إلى ضعفاء عفاء المسلمين. وانظر إلى صبر بلال، ما الذي يجعله يأخذ تلك الديون؟ إنه المحبة لهذا الدين والصبر على تحمل المشاق من أجله. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، يضحي من أجل دين الله عز وجل في الدعوة إلى الله، وفي خدمة إخوانه، في الإحسان إلى المسلمين، وفي بذل المعروف لهم والنصيحة ونحو ذلك، وكل ذلك مما حث عليه الإسلام. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فظاعة الدين، وأن الدين لربما يكون سبباً في إذلال صاحبه، يعني الذي أخذ، ولذلك لا يستهان بهذا الأمر إلا عند الضرورة، عند الضرورة القصوى يلجأ الإنسان إلى هذا. وفي ذلك أو في هذا الحديث أيضاً: جواز الاستدانة، جواز الاستدانة عند الضرورة والحاجة الملحة، ولا يتساهل في أخذ الدين في أتفه الأسباب، وفي كماليات ما يحتاجه الإنسان، وما إنسان يحتاج سيارة أفضل من الأولى فيستدين من أجل الرفاهية، هذا ما يجوز، عنده بيت من ثلاث غرف يريد أن يزيد غرفة رابعة وليست تلك الحاجة أو نحو ذلك، أما إذا في هناك حاجة ملحة يريد أن يعف نفسه بزواج، يبني له غرفة أو يستدين شيئاً من المال لنفقة زواجه أو نحو ذلك، فهذا لا بأس، ولا يستهين بهذا الأمر، بل يكون في نيته الأداء، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله». أي: أخذ أموال الناس ولا يعني يريد القضاء ولا يسعى في ذلك، ولم ينو عند أخذ هذا المال الوفاء، فهذا لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه بهذا الدعاء: أتلفه الله، أتلفه الله سبحانه وتعالى، فالأمر خطير، فلا يستهان بأمر الديون إلا فيما اضطر إليه الإنسان أو كانت الحاجة. وكذلك من فوائد هذا الحديث: فيه أن المسلم يجب عليه أن يستعد للموت، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما هدأ له بال في هذا المال الذي هو مال الله وفي سبيل الله حتى أنفقه، بلال رضي الله تعالى عنه وأرضاه، استعداداً للموت، قال عليه صلاة والسلام في هذا الحديث: فكبر وحمد الله شفقاً، يعني خوفاً أن يدركه الموت وعنده ذلك. والله لو استعدنا للموت لما بقيت في ذممنا حقوق لأحد، ولم نقصر في الواجبات، ولم كذلك نقتحم المحرمات. إذا علم المسلم أن الموت لربما يفجأه في أي لحظة، لربما ونحن في هذا المجلس لا يخرج أحد منا من هذا المجلس يأتيه أجله، ما يدري الإنسان متى يفجأه الموت، لأن الموت ليس له إنذار مسبق، لا ينذر الإنسان، ولا يشترط في قبض روح الإنسان أن يكون مريضاً أو أن يكون كذلك كبيراً وشيخاً، لا، الموت يأتي للصغير والكبير، وللصحيح والمريض ونحو ذلك، ففيه الاستعداد للموت. وفي هذا الحديث أيضاً: بيان كرم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن ممسكاً للمال والدنيا، ما كان يدخر لنفسه عليه الصلاة والسلام شيئاً، عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث أيضاً: الفرج بعد الشدة، فانظر كيف وصل الحال ببلال حتى كاد أن يخرج من المدينة وأن يختفي لشدة الأمر، ولي كذلك ما كان عليه من الهم والغم والحزن لما قال له ذلك المشرك، ومع هذه الشدة فإذا بالفرج يأتي من الله سبحانه وتعالى، كما قال القائل: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج، ثم قال: عظمت فلما استحكمت حلقاتها فرجت، وكنت أظنها لا تفرج. وفي هذا الحديث أيضاً: فضل بلال وأمانته، فكان النبي صلى الله عليه وعلى وسلم يؤمنه على أمور نفقته عليه الصلاة والسلام، نعم، فهذا يدل على فضل بلال وعلى سابقته، إذ أنه قال لهذا الرجل: قال له: أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: كذلك من فوائد هذا الحديث كذلك كذلك الاستئذان عند عند الدخول، وهذا من الآداب الإسلامية التي فيها من المصالح، وفيها من ستر العورات، وفيها من كذلك الاستئناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾، فينبغي، فينبغي أن نتعلم مثل هذه الآداب، إذا أردت أن تدخل على أحد لا بد من أن تستأذن ثلاثاً، فإن أذن لك وإلا رجعت، فلعله لا يريد أن يقابل أحداً، ولعله في حالة لا يليق به أن يقابل أحداً، فلذلك ينبغي علينا أن نتأدب بهذه الآداب، وأن نعلم أبناءنا وبناتنا وأهالينا مثل هذه الآداب الإسلامية. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.