الخطبة بعنوان ثمرات الإيمان بالقدر، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 2 جمادى الآخر 1442هـ الموافق 15 يناير 2021م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح الخطبة وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره كركن من أركان الإيمان، وتستعرض أدلة القرآن والسنة على مراتب القدر الأربع: علم الله الأزلي، كتابته في اللوح المحفوظ، مشيئته النافذة، وخلقه لكل شيء. كما تحذر من تكذيب القدر وتذكر أقوال الصحابة والتابعين في ذم القدرية.
يحذر المقطع من اتباع حجة المشركين بالاحتجاج بالقدر لتبرير المعاصي، مبيناً أن القدر حجة على المصائب لا على الذنوب، ويستعرض ثمرات الإيمان بالقدر كالثبات على الحق والشجاعة والطمأنينة والرضا بقضاء الله. ويشرح كيف يعيش المؤمن بين الصبر والشكر، مثمراً الكرم والإخلاص والقناعة والتواضع لعلمه أن النعم والمصائب بيد الله وحده.
يبدأ المقطع بدعاء يطلب المغفرة والرحمة والتوبة من الله، ثم يصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يلي ذلك رفع الأذان بإعلان تكبيرات الله وشهادتي التوحيد والنبوة، والدعوة إلى الصلاة والفلاح.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من أركان الإيمان ومبانيه العظام الإيمان بالقدر خيره وشره. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. فالإيمان بالقدر واجبٌ على كل مؤمنٍ يؤمن بالله واليوم الآخر. جاء في صحيح مسلم أنه لما ظهر مذهب القدرية في البصرة على أيدي معبد الجهني، جاء يحيى بن يعمر رحمه الله تعالى إلى عبد الله بن عمر، فقال له: «يا أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناسٌ يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم»، وذكر من شأنهم، ثم قال: «إلا إنهم يقولون إنه لا قدر، وأن الأمر أنف». فقال له عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني بريءٌ منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، حتى يؤمن بالقدر». ثم ذكر ما حدثه أبوه عمر رضي الله تعالى عنه في حديث جبريل المشهور، فذكر سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الإيمان، فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». وجاء عند أبي داود، وصححه العلامة الألباني والوادعي رحمهما الله تعالى، أن ابن الديلمي جاء عند أبي بن كعب، فقال: «يا أبي، إنه وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء يذهبه الله عني». فقال له أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك». وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بالقدر». وجاء أيضا عند الإمام أحمد من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره». أيها المسلمون، عباد الله، إن الإيمان بالقدر يقتضي الإيمان بأربع درجات هي من درجات الإيمان بالقدر. فأولها: الإيمان بعلم الله الأزلي بكل شيء قبل وجوده، ومن ذلك الإيمان بأن الله عز وجل يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها. والدرجة الثانية من درجات القدر: الإيمان بأن الله عز وجل كتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وهكذا من درجات الإيمان بالقدر: الإيمان بمشيئة الله الشاملة لكل حادث وقدرته على ذلك. الدرجة الرابعة من درجات الإيمان بالقدر: الإيمان بإيجاد الله عز وجل لكل الموجودات، وأنه سبحانه وتعالى هو الخالق، وأن ما سواه هو المخلوق. دليل المرتبة الأولى والثانية: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. ودليل المرتبة الثالثة: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. ودليل المرتبة الرابعة: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. أيها المؤمنون، عباد الله، إن الإيمان بهذه الدرجات لا يعني أن المؤمن يتكل على القدر ويحتج بالمعاصي بالقدر، فهذه حجة قد احتج بها المشركون، وضحضها ربنا عز وجل في كتابه الكريم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. فلا يحتج بالقدر على المعاصي، وإنما يحتج بالقدر على وقوع المصائب. فاحذر يا عبد الله أن تحتج بالقدر على المعاصي أو على ترك الواجبات. فكل ميسر لما خلق له، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فمن كان من أهل السعادة يسر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة والعياذ بالله يسر لأعمال أهل الشقاوة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. أسأل الله بمنه وكرمه أن يعيننا وإياكم على طاعته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أيها المسلمون، عباد الله، إن الإيمان بالقدر له أثر عظيم في حياة المسلم، فالإيمان بالقدر له ثمرات جليلة. فمن أعظم هذه الثمرات: أداء عبادة الله سبحانه وتعالى بالإيمان بالقدر، فإن الله عز وجل أمرنا بذلك. وهكذا من ثمرات الإيمان: الذي يؤمن بالقدر لا يتزعزع ولا يبالي بما يناله من أجل نصرة الحق ومن أجل الثبات على الدين. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فالذي قوي إيمانه بالقدر فهو إن قدر له الشر والسوء فإنه يعلم أنه من الله فلا يبالي، فلا يبالي بما وقع له من هذا المصاب. ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، وإنما قل: قدر الله وما شاء فعل». فاربط يا عبد الله بين أول الحديث وبين آخره، ففي أول الحديث ذكر النبي عليه الصلاة والسلام المؤمن القوي، وفي آخر الحديث ذكر وصفا عظيما ودلالة واضحة بيّنة لهذا المؤمن القوي الإيمان، ألا وهي أنه إذا أصابه شيء يكرهه لا يتأسف ولا ينزعج، وإنما يقول: قدر الله وما شاء فعل، وهذا لقوة إيمانه بالله عز وجل. ومن ثمرات الإيمان بالقدر: الشجاعة والإقدام والثبات، فالذي يؤمن بالقدر يعلم أن آجله قد حد له، وأن الموت لا يأتيه إلا إذا أذن الله سبحانه وتعالى بذلك، فهو يؤمن بقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، وهو يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. فتجد المؤمن مقداماً في مواطن الإقدام، ثابتاً على الحق، شجاعاً في الحق، لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. ومن ثمرات الإيمان بالقدر: الطمأنينة، وكذلك تخفيف الهموم والأحزان. فالمؤمن بالقدر تجده مطمئناً، هادي البال، هادي البال، مطمئناً نفس، لا تجده منزعجاً ولا قلقاً. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. ولذلك يقول عكرمة رضي الله تعالى عنه: «ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن المؤمنين جعلوا الفرح شكراً، وجعلوا الحزن صبراً». وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صحيح مسلم من حديث صهيب: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». هكذا يتعامل المؤمن يا عباد الله مع نزول المصائب والأحزان، ومع نزول كذلك الرخاء والأفراح، فإنه يعيش في هذه الدنيا بين جناحي الصبر والشكر. وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقول عكرمة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: «هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيستسلم ويرضى، فيهدي الله عز وجل قلبه». وهداية القلب إنما تكون باتساعه وانشراحه وطمأنينته. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. هداهم الله عز وجل وشرح صدورهم فلم يبالوا بتلك المصائب، بل تلقوها بالصبر، وكذلك بالاحتساب، والرضى والاستسلام، فيخفف الله سبحانه وتعالى عنهم ألم المصائب وشدتها، وكذلك ما يجدونه في قلوبهم من لذة الصبر والرضى ينسيهم ألم المصائب والشدائد والمحن. إن الذي لا يؤمن بالقدر أو ضعف عنده الإيمان بالقدر تجده يجزع عند نزول المصائب والشدائد، فلربما يكفر بالله العظيم، ولربما يصاب بالوسوسة، ويصاب بكثرة الهموم والغموم والأحزان، بل ولربما يصاب بالأمراض العصبية، بل ولربما ألقى بنفسه إلى التهلكة بالانتحار، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما ذاك إلا لضعف الإيمان بالقدر أو لزواله عن قلبه. أيها المؤمنون، عباد الله، وإن من ثمارات الإيمان بالقدر: الكرم. فتجد المؤمن بالقدر لا يبالي بما أعطاه الله عز وجل من نعم هذه الدنيا، لأنه يعلم أن الله عز وجل الذي رزقه بهذا المال وبتلك النعم قادر على أن يسلبها عنه، فهو يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا من ثمارات الإيمان بالقضاء والقدر: تجد المؤمن بالقضاء والقدر مخلصا لله عز وجل، لأنه يعلم أن الخلق لا ينفعوه بشيء إذا لم يرد الله عز وجل أن يصل إليه هذه النعمة، ولن يضروه بشيء إذا أراد الله عز وجل أن لا يضره بهذه المصيبة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فهو يعمل لله فلا يبالي بإقبال الأسباب أو بإدبارها، لأنه يعمل لله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، من ثمارات الإيمان بالقضاء والقدر: القناعة وعدم التكالب على الدنيا، لأن المؤمن بالقدر يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فهو يرضى لما قسم الله عز وجل له من الرزق الحلال الطيب بعد اتخاذه للأسباب الشرعية، لأنه يؤمن بقول الله عز وجل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾. فلا تراه يتعلق بهذه الدنيا، ولا ينافس فيها، ولا كذلك يتكالب عليها، بل يأخذ منها ما يكون عونا له في قربه إلى الله سبحانه وتعالى وفي إعمار آخرته. وهكذا عباد الله، من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: التواضع. فإن العبد إذا رزق بالعلم أو بالأخلاق الفاضلة أو بالجاه والسلطان أو بالمال، فإنه يعلم أن الله عز وجل قادر على أن يسلبه منه في أي لحظة، فهو يقبل على شأنه ويتواضع للخلق، ويعلم أن الذي رزقه بهذه النعم هو قادر على أن يسلبها عنه، فهو يتواضع للخلق ولا يترفع عنهم. وهكذا حال المتكبرين المترفعين، كم من متكبر مترفع سلبت عنه النعمة من ملك أو من رئاسة أو من مال فأصبح منبوذاً بين العباد. أيها الناس، إن الإيمان بالقضاء والقدر له منافع كثيرة وثمرات عظيمة، ألا فأيقنوا بأنه لن يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، وأن الأمر من الله سبحانه وتعالى، وأن نوقن يا عباد الله أنه ما من خير أراده الله لنا إلا وسيصلنا، وما من مصيبة وشر نعم لا يريده الله عز وجل لنا إلا وسيدفعه عنا، فما علينا إلا بالإيمان بهذا الركن العظيم من أركان هذا الدين. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يعيننا وإياكم على طاعته. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، أشهد أن يكون لنا...