الدرس في آداب الخلاء 3، مسائل ذكر الدخول والخروج للخلاء . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية الأذكار في الإسلام مع التركيز على ذكر الدخول والخروج من الخلاء. يشرح الذكر الوارد عند الدخول ومعناه.
يتناول هذا الفصل ضوابط ذكر "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" عند دخول الخلاء، واستحبابه بالإجماع، وتحذيرات من المكوث الطويل في الحمامات.
يشرع للمسلم ذكر الله عند الدخول والخروج من الخلاء، واستحباب الدخول بالرجل اليسرى والخروج باليمنى، مع الإشارة إلى الأدلة على ذلك.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كان الشروع في مذاكرة باب الآداب، بدءا ببيان أهمية هذا المبحث، ثم كان الشروع في ذكر الأدب الذي سنبتدئ به في هذه الدورة المباركة، وبعد ذلك نخوض في غيرها من الآداب، وكان هذا الآدب المبتدئ به ألا وهو آداب الخلاء، وأشرنا إلى أهمية هذا المبحث من مباحث الآداب، ثم تطرقنا إلى أوائل مسائله وهي ما يتعلق بمسألة أماكن قضاء الحاجة، وتوسعنا تحت هذا العنوان بذكر ما هو المسموح وما هو الممنوع. وإن شاء الله في هذا المقام إخواني في الله ندخل في أدب من آداب الخلاء، وهو ما يتعلق بالإتيان بالأذكار الواردة عند الدخول والخروج، الإتيان بالأذكار أو بالذكر الوارد عند الدخول والخروج، وهذه مسألة من المسائل المهمة، وأحب أن أقدم لها بهذه المقدمة النافعة، وهي مسألة العناية بباب الأذكار، وخاصة في مثل هذه المناسبات، عند الدخول، عند الخروج، سواء كان في الخلاء، سواء كان إلى المساجد، سواء كان عند النوم، عند الاستيقاظ، الأذكار التي يأتي بها المسلم في ليله ونهاره. هذه الأذكار إخواني، المتعلقة مثل هذه الآداب، شأنها عظيم، حتى أن العلماء في قول ربنا عز وجل ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما، اختلف العلماء في ضابط الذاكرين لله والذاكرات، فأصح الأقوال والذي تبناه جماعة من المحققين كابن الصلاح رحمه الله تعالى، أنه هم الذين يأتون بالأذكار والذكر في أوقاتها وينزلونها في مواقعها. هؤلاء هم يدخلون في قول الله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، هذا الذي يحرص على أن يأتي بالذكر في وقته ومحله، كما قلنا عند الدخول والخروج، سواء كان في الخلاء، في الحمام، عند نومه، عند استيقاظه، وفي اللباس، وعند الطعام، وعند الشراب، وعند الفراغ منهما، إلى غير ذلك، ما من الآداب إلا وفيها أذكار متعلقة بهذه المناسبة التي أنت تقوم عليها. فذكرك لله عز وجل في هذا المحل، هذا يجعلك من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، فإذا أدبنا في هذا اليوم من آداب الخلاء الحرص على الإتيان بالذكر الوارد، وهنا تأتي مسائل إخواني في الله، المسألة الأولى وهي مسألة متعلقة بهذا المبحث، المسألة الأولى ما هو الذكر الوارد عند الدخول إلى الخلاء، ويدخل في ذلك الحمامات أو ما يعبر عنه بدورات المياه. الذكر الوارد في ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، فهذا الحديث فيه إشارة إلى ملازمته، لقول أنس «كان رسول الله»، أشار العلماء إلى أن هذا الفعل مستمر، وكان هذا من هديه عليه الصلاة والسلام إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». جاءت رواية من باب الفائدة فيها زيادة «بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، إلا أن جماعة من أهل العلم حكموا على هذه الزيادة بالشذوذ، وأنها لفظة شاذة لأنها لم يأتي ذكرها في أمهات المتون في الصحاح وفي السنن، وإنما جاءت في خارجها، ورموا في هذه الزيادة من الرواة الذين أضافوها، فلمزوها بالشذوذ، وأنها لفظة شاذة. هناك طائفة من أهل العلم يرون أن هذه الزيادة ثابتة لمجموع طرقها، فالأمر في هذا واسع، فمن اقتصر وهو الأصل على ما جاء في الصحيحين «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» فهذا الأفضل والأحسن، ومن يرى الزيادة «بسم الله» لورود تحسين جماعة من العلماء، فلا شيء في ذلك بإذن الله. إذن هذه المسألة الأولى، وهي ما يتعلق بلفظ الحديث، وما يتعلق بزيادة «بسم الله»، نأتي إلى مسألة مهمة، وهي ما معنى هذا الحديث، معنى هذا الحديث «اللهم يا الله إني أعوذ بك» أي أعتصم وألتجئ بك، العوذ بمعنى الالتجاء والاعتصام، من ماذا؟ من الخبث والخبائث. فائدة هذا الحديث جاء على وجهين اثنين، التغير في اللفظ، والخبائث، التغير في اللفظة الأولى جاءت لفظة الخبث بالتسكين، وجاءت بلفظ الضم «الخبث»، وباختلاف الألفاظ اختلف المعنى. فعلى قول روايتي «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، الخبث هنا بمعنى الشر، والخبائث بمعنى النفوس الشريرة، فأنت في دخولك تستعيذ بالله من الشر، ومن النفوس الشريرة، ومما يدخل في النفوس الشريرة الشياطين والشيطانات، وما كان من معاني هذه الأرواح الخبيثة. فأنت تستعيذ منها وتستعيذ من كل شر، من الهوام والآفات والسباع، ومن كل مؤذي، هذا على لفظة الإسكان «خبث»، وعلى لفظة الضم «الخبث» والخبائث، فقالوا: الخبث هنا جمع خبيث، والمقصود بهم ذكران الشياطين، والخبائث جمع خبيثة، بمعنى إناث الشياطين. فبمعنى «اللهم إني أستعيذ بك من الشياطين من ذكورها وإناثها»، إذن على كل لفظة لها معنى، فتتأمل أنت يا عبد الله في اللفظة الذي تأتي بها حتى تتصور المعنى، وذكر العلماء أن لفظة التسكين «الخبث» من حيث المعنى أعم، لأنها تحوي كل الشر، تستعيذ بالله من كل شر. ولهذا كانت لفظة «الخبث» هي أكثر الروايات وجودا في كتب السنة، كما أشار إلى ذلك الإمام الخطابي رحمه الله، لفظة «الخبث» لأنها تعم كل شر، فإنها في كتب السنة هي من أكثر الروايات ضبطا، هذه الكلمة ضبطت بالتسكين، وهذا قد أشار إليه الإمام الخطابي رحمه الله تعالى. كذلك من المسائل المتعلقة بهذا الذكر، متى يؤتى به؟ يؤتى بهذا الذكر إخواني في الله قبل أن تدخل إلى الخلاء، قبل أن تدخل إلى الحمام، وذلك أولا للنص، للحديث «كان رسول الله إذا أراد أن يدخل»، عند الإرادة، وما دخل، لكن عند أن يريد أن يدخل يأتي بهذا الذكر، إذا محل هذا الذكر عند إرادة الدخول. أما بعد الدخول لا تأتي بهذا الذكر، لأن الله عز وجل ولفظ أسمائه يكره أن يذكر في مثل هذه الأماكن القذرة والنتنة والمعدة لقضاء الحاجة، هذه اللفظة لا يذكر اسم الله جل وعلا فيها، ولهذا فهذا الموضع وهو ذكر الله الدعاء يؤتى به قبل الدخول لا بعد الدخول. أما بعد الدخول فعليك أن تسكت وتصمت، بقي قد يقول قائل: هذا متصور إذا كان الخلاء من الأماكن المعدة، فعندك باب ستعرف أين الدخول وما بعد الدخول، لكن السؤال الذي يشكل عند بعض الناس كيف آتي بهذا الدعاء في الأماكن المفتوحة، في الأماكن العامة، كمن كان في البر، من كان في الأماكن في أسفاره وغير ذلك، كيف يأتي بهذا الذكر؟ قال النووي رحمه الله تعالى: «ولا فرق بين البنيان والصحاري»، أي حتى في الصحاري والأماكن المفتوحة تأتي بهذا الذكر، ولا فرق بين البنيان والصحاري، تأتي به، طيب يبقى إشكال كيف آتي به؟ كيف آتي به إذا كنت في صحراء؟ ذكر العلماء هنا بعض الضوابط، منها قالوا: إذا وصلت إلى المكان الذي ستقضي به الحاجة، وأردت أن تتكشف لغائطك ولبولك، هنا تأتي بالذكر عند التكشف، وهناك من العلماء من أتى بضابط أوضح، قال: الخطوة الأخيرة، الخطوة الأخيرة للوصول هنا تأتي بالذكر، تمشي فاستقر مقامك إلى هذا المحل، فوقفت خلاص، هنا هذه تسمى الخطوة الأخيرة، تأتي بالذكر «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، ثم تقضي حاجتك من غائط أو من بول. وهذا الضابط سهل، وهذا الضابط ميسر، فاجعلها قاعدة عندك لمن كان في الأماكن المفتوحة، الخطوة الأخيرة هي الموعد في الإتيان بهذا الذكر، كذلك من مسائل هذا الذكر ما حكم هذا الذكر؟ الذي عليه العلماء أن هذا الذكر من الأذكار المستحبة، لأنها نقلت من فعله عليه الصلاة والسلام، بل قد نقل الإجماع على ذلكم، وممن نقل الإجماع الإمام النووي رحمه الله تعالى، قال: «وهذا الأدب مجمع على استحبابه». وهكذا ما قاله ابن الملقن رحمه الله تعالى، قال: «مجمع على استحبابه»، مجمع على استحبابه، فهو من حيث الحكم الشرعي فهو من الأمور المستحبة، والتي قد أشرنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لازمها، فكان ذلك من فعله المستمر، وقد تعددت الروايات في نقل فعله هذا عليه الصلاة والسلام. بقي مسألة ما هي الحكمة من الإتيان بهذا الذكر بهذه الألفاظ في هذا المكان؟ «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، قال العلماء: إن هذا المكان وهو مكان قضاء الحاجة هو من الأماكن التي تعد من الأماكن التي تأوي إليها الشياطين، فهم يزدحمون، يجتمعون، يمكثون، يلبثون في هذه الأماكن النجسة القذرة المنتنة. فأنت عندما تدخل إلى هذا المقر وإلى محلهم، فإنك ستكون يا عبد الله عرضة لأذيتهم، تكون عرضة لأذيتهم، فهنا ناسب أن تعتصم بشيء، وما هناك عاصم سوى الله جل وعلا، فتلتجئ إلى الله «اللهم إني أعوذ بك»، فتستعيذ بالله عز وجل أن يعصمك من الشر بعمومه، وما كان من أذية الشياطين ذكورا كانوا أو إناثا. ولهذا تجد أن الساحر إذا أراد أن يتفنن في سحره، فإن أعظم مكان في أداء طقوس السحر في الحمامات، وهذا المقام يطول ذكره، لكن من عارف هذه المسألة يعرف هذه الحقيقة، أعظم مكان الساحر يزاول فيه طقوس سحره في الحمام، لماذا؟ لأنه مأوى وتجتمع الشياطين فيه، فيجتمع فيه شياطين الإنس مع شياطين الجن. ولهذا إخواني في الله لما تعلم أن هذا المكان هو محل لاجتماع الشياطين ذكورا وإناثا، حين ستعلم بما تسمعه بين الفينة والأخرى من وجود حالات الصرع، وقد رأينا هذا، أن بعضا من الناس إذا دخل الخلاء يصطرع داخل الحمام، وقد سمعنا وقد رأينا من يصطرع داخل الحمام، لماذا الحمام؟ لأنه دخل إلى معسكرهم. فأصبحت كما يقال إن صح التعبير «الكرة في ملعبهم»، فهم يرونك إذا كنت ضعيفا بلا تحصين بلا اعتصام، فأحاولوا أنهم يوصلوا لك الأذى بقدر ما يستطيعون، إلى درجة ما سمعنا من المس والصرع، ولهذا ينبغي الإنسان أن يحرص على هذا الذكر، اقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام، وحماية من هذه الأذية التي قد تصل إليه وهو في هذا المحل. وهنا نأتي إلى فائدة، وهي مسألة تتفرع من هذه الفائدة، فيها التنبيه والتنويه على خطأ بعض الناس، ممن يطيلون المكث في الحمامات، الأصل أنك تبقى في الحمام على قدر الحاجة، وهذا يختلف من حالة إلى حالة، من قام لقضاء غائط، أعز الله السامعين، كذلكم لربما عنده مرض كالإمساك يأخذ منه وقتا، أو إسهال يأخذ منه وقتا، هذا ما فيه شيء، خذ راحتك لأنها على قدر الحاجة. لكن الإشكال، الخطأ العظيم الفادح، أن من الناس من يستروح الجلوس في الحمامات، مثاله ما يقع عند بعض الناس، أنه ما يحل له القراءة في الجرائد إلا في الحمامات، يوجد هذا يأتي بالجريدة ويجعلها على إبطه، فإذا دخل إلى الحمام وجلس لقضاء الحاجة تصفح الجريدة ويأخذ راحته تماما، وهذا معروف عند بعض الناس يفعل هذا، يرى أنه كلما استروح فإنه سيرتاح، وهذا خطأ. كذلك من أمثال هؤلاء ما يفعله بعض الناس ممن وسع الله عليه، فأتى بما يسمى بالبانيو، البانيو هذا محل كالحوض، فيملؤه ماء فيجعله يكون كالمستحم، ثم ينغمس فيه ويبقى فيه ساعات، ربما جعل جواله بجنبه وهو يتصل بأصحابه ويتكيف، يجعله كأنه مستحمه، ويأخذ في ذلك ساعات، وقد يكون في بيته، وأين؟ في مأوى الشياطين، في مأوى الشياطين. كذلك من أمثال هؤلاء الذي يستروح بالتدخين، وقد كنا نجد ذلك في أيام الدراسة، تدخل إلى حمامات المدارس وبعض الكليات، تجد أن أعواد الثقاب وبقايا السجائر مرمية في الحمام، فتعرف أن من الناس من لا يحل له التدخين إلا داخل الحمام، يتكيف، هذا ماذا يعلم ما تفسير هذا؟ لماذا يحل لك التدخين في هذا المكان؟ لأن هذا من الأمور الخبيثة، والشياطين تحل لك الخبائث. وهكذا قس ما يتعلق بأمثال هذه الأشياء التي ما تجوز شرعا، تجد أن أفعالها يستروح أن يؤديها وهو في الحمام، كذلك من أمثال هؤلاء من نذكرهم أصحاب الوسوسة، الذي يطيل لنفسه متعذرا بحجة التصنع والتحسن للعبادة والتعبد، أراد أن يتقن الطهارة، أراد أن يتقن التبول وقضاء الحاجة، أراد أن يتقن مسألة التنظف والتنزه، أراد أن يتمكن من صفة الإغتسال أو الوضوء. فكل هذا جر عليه أن يبقى في الحمام ساعتين أو ثلاث ساعات، ولا أقول هذا مجازفة، بل هذا واقع، ولست في مقام سرد ذكر هذه الوقائع الحاصلة، فنقول لأمثال هؤلاء: اتق الله، أنت دخلت الآن إلى عرين الشيطان، وهو يفرح بأمثال الوسوسة، فلا يزال يتلاعب به، يتلاعب به، يقول: آه هناك نجاسة تحت الفخذ الأيمن، اغسلها، فيغسل صاحبنا، وما إن يدع، لا، عاد فيه نجاسة في الركبة، تأكد من الركبة، هذه فيها نجاسة، فيها قطرات من بول، فيغسلها. أراد أن ينصرف، قل: لا، وين بتروح؟ عاد فيه نجاسة تحت القدمين، فلا يزال والله يلعب بهم ويعبث بهم، ويبقى صاحبنا الموسوس الساعات وهو يتبع ما يمليه عليه الشيطان في الحمام، ولهذا الأدب الذي يذكره العلماء بهذا الصدد، أنك لا تمكث في الحمام إلا على قدر الحاجة، قضاء حاجة، اسمها قضاء حاجة، اقض الحاجة واخرج، زيادة عن الحاجة تجعلك عرضة للأذية، وإلى تلاعب الشيطان بك يا عبد الله. كذلك مما أذكره من المسائل، أن هذه المسألة، ولهذا عن الحكمة، قبل أن أنسى، أن النبي أشار إلى هذه الحكمة بقوله: «إن هذه الحشوش محتضرة»، هذه الحشوش أي أماكن الخلاء، محتضرة، بمعنى يتحضرها الشياطين بكثرة، لقصد الأذية، ولهذا فإنك تعتصم بذلك، ما أشرنا بالاستعاذة، وأيضا بعدم اللبث إلا على قدر الحاجة. كذلك مما يذكر إخواني في الله، أن هذه المسألة تشرع لكل داخل إلى الحمام، تشرع لكل داخل، فإن كان الداخل سواء أراد أن يقضي الحاجة من غائط وبول، ويأتي بالذكر، أو كان الداخل أراد أن يتوضأ، أو أراد أن يغتسل، يأتي بالذكر، أو أراد أن يغسل ثيابه، يأتي بالذكر، أو أن المرأة أرادت أن تغسل ما تغسل من الأواني، نظرا لانقطاع الماء في المطبخ، فالتجأت إلى الحمام، تأتي بالذكر، أو أرادت أن توضئ طفلها، تأتي بالذكر. فالشاهد أن هذا الحكم عام لكل داخل إلى الحمام، بغض النظر بماذا عن هدفه وعن سبب دخوله، كذلك من هذه المسائل إخواني في الله، سؤال ربما يتبادر إلى الأذهان، ما حكم من نسي الذكر؟ قد يأتي من الناس أنه يدخل وينسى أو يتشكك، هل أتى بالذكر أم لا؟ قد دخل، قلنا: عند الدخول لا تذكر الله، عند الدخول لا تذكر ربك، لأن الله عز وجل يكره ذكره في مثل هذه الأماكن، من نسي، نسي، إلا أن العلماء قالوا: لا بأس أن يأتي بالذكر في نفسه، يأتي به في قلبه، لا بأس بهذا، عل أن في ذلك يكون استدراكا لما فاتك، وربنا قد قال في محكم التنزيل ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، في النسيان عذر. لكن يقول هذا مرتين، أم تجعلها الإشكال في الذي اعتاد على أنه لا يأتي مثل هذه الأذكار، كذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب، ننتقل الآن إلى مسألة أخرى، وهي مسألة ذكر الخروج، أشرنا إلى ذكر الدخول، نأتي الآن إلى ذكر الخروج، فإن مما يشرع كذلك من المسائل الأذكار والخروج من الخلاء، أنك تقول عند خروجك «غفرانك»، تقول عند خروجك «غفرانك»، ودليل ذلك ما جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند أبي داود وعند الترمذي، قالت: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك». إذن هذا الحديث، وهو أن كثيرا من العلماء على تصحيحه وعلى تحسينه، وإن كان منه من أعله، لكن نبقى على أقوال العلماء الكثر في هذا المقام، أنه حديث حسن، فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يأتي بهذا الذكر عند خروجه من الحمام، قال «غفرانك»، وهنا تأتي كذلكم على هذا الحديث أو على هذا ذكر، عدة مسائل، المسألة الأولى وهي ما يتعلق، ما معنى «غفرانك»؟ قال علماء: «غفرانك» هو مصدر لفعل محذوف، تقديره «أسألك غفرانا»، أسألك غفرانا، فلما تقول «غفرانك» كأنك تدعو ربك عز وجل بأن الله يغفر لك، بأن الله يغفر لك، «غفرانك» أي تدعو ربك بأن الله يغفر لك، هذا معنى «غفرانك»، هنا مسألة، طيب ما الحكمة؟ أشرنا إلى حكمة دعاء الدخول، الآن ما الحكمة من هذا الذكر عند الخروج أن تقول «غفرانك»؟ ولماذا تسأل ربك المغفرة؟ الذي ذهب إليه جماعة من العلماء، كما ذكر ذلك صاحب كتاب «النهاية في غريب الحديث»، ذكر أن ذلكم تطلب من ربك المغفرة لما حصل منك من التقصير في ماذا؟ في أنك في مدة لبثك في الخلاء لم تذكر ربك عز وجل، لأنك عند الدخول تنقطع عن ذكر الله، لا تسبيح، لا تهليل، لا ذكر، لا قرآن، لا شيء، تصمت إلى أن تخرج، فتخرج من الخلاء وأنت معترف بما وقع من تقصيرك، ومن عدم ذكرك لله، فتقول: «اللهم غفرانا لك»، أي مغفرة لما بدر من عدم ذكرك وشكرك في هذا المقام. هذا الذي عليه أكثر العلماء يذكرونه، لكن من أهل العلم من انتقد هذا، من انتقد هذا ويرى أن هذا ليس بتعليل صحيح، وجه هذا التعليل، قالوا: كيف المسلم يستغفر ربه من أمر هو مطالب به شرعا؟ أصلا من الذي أمرك بالكف عن ذكر الله؟ الشريعة، الله عز وجل، بعموم الأدلة دلت على أن الله عز وجل لا يذكر في مثل هذه الأماكن، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب. فأنت إنما كففت عن ذكر الله في هذا المقام لأن الله أراد ذلك، فكيف تستغفر ربك من أمر الله أراده منك؟ هذا ليس له محل من النظر، فلما عابوا هذه الحكمة، وهذا التعليل، إذن بحثوا عن علة أخرى، وما هي العلة؟ العلة الأخرى ذكرها جماعة من أهل العلم، كالعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وفيه أن الإنسان لما دخل الحمام، وكان ممتلئا أذى، إما من غائط أو من بول. فلما قضيت الحاجة يا عبد الله، خففت وأزحت عن جسمك هذا الأذى، فلما تخرج من الحمام تدعو ربك عز وجل الذي يسر لك التخفيف من هذا الأذى، تسأل ربك عز وجل التخفيف من أذى الآثام، فتقول: «ربي مغفرة اغفر لي»، أي كما خففت عني هذا الأذى الحسي المعنى الحسي، وهو الغائط والبول، فأزح عني يا رب ما أرهقني من ذنبي، وذلك يكون بالمغفرة. وهذا القول كما قلنا ذكرها ابن القيم، وقد أشاد به العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى، وصوبه، وانتقد القول الأول، كذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب، متى يؤتى بهذا عند الخروج؟ سواء كنت في الحمام خرجت تقول «غفرانك»، أو أنت كنت في البر والصحاري، انتهيت من قضاء الحاجة، أردت أن تنصرف تقول «غفرانك»، مسألة أخيرة نقتم بها المجلس إخواني في الله. أن مما يصاحب هذا الذكر ما يتعلق بعملية التحكم في القدم، دخولا وخروجا، دخولا وخروجا، فالذي عليه العلماء أن الداخل إلى الخلاء يدخل برجله اليسرى، وأن الخارج يخرج برجله اليمنى، هذا الذي يذكره العلماء ويسطرونه في باب آداب قضاء الحاجة، وهذا الأدب إخواني في الله، هل عليه دلالة من السنة؟ الجواب: لا، ليس عليه دلالة من السنة، ما عندي حديث صحيح يدل على التنصيص على أن الدخول باليسرى والخروج باليمنى. كتنصيص ما عندي، لكن التصويب عليه، التصويب والعمل عليه، وهذا التصويب لهذا الفعل، أنه يشرع، ومما ينبغي على المسلم أن يدخل الحمام بالرجل اليسرى، ويخرج باليمنى، ذهب إليه العلماء لعدة أمور، الأمر الأول: الاتفاق، من من أشار إلى أن الفقهاء اتفقوا على ذلك، هذا القول، فهو مما يستأنس به الاتفاق. الأمر الثاني: القاعدة العامة، القاعدة العامة في أن اليمنى تكون في الأشياء التي هي من باب الإكرام، وما نزل بمعنى، وأن اليسرى فيما تكون في باب الإهانة والابتذال، وما كان في معنى، وهذه قاعدة كما قال عنها العلماء: مضطردة، مستمرة، أشار إليها كثير من أهل العلم، من ذلكم الإمام النووي في «المجموع»، وهكذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى»، حيث أشار إلى هذا الباب. ثم ذكر مما أذكر في هذا المقام، وهذا الذي أريده من نقل عبارة شيخ الإسلام رحمه الله، قال: «وتقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة»، هذه القاعدة، تقديم اليمنى في اليد أو في الرجل، إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل، والابتداء بالشق الأيمن في السواك، وندف الإبط، وكاللباس، والانتعال، والترجيل، ودخول المسجد، والمنزل، والخروج من الخلاء، ونحو ذلك. وتقديم اليسرى في ضد ذلك، كدخول الخلاء، وخلع النعال، والخروج من المسجد، فالشاهد أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قد عمل بهذه القاعدة، الذي عمل عليه العلماء، القاعدة المضطردة، على أن باب الإكرام باليمنى، وباب ما يكون دون ذلك باليسرى، ومن ذلك الإشارة إلى مسألة الدخول والخروج إلى الخلاء. فالقاعدة العامة تدل على أن من دخل الخلاء يأتي باليسرى، ومن خرج أن يخرج يأتي باليد اليمنى، والمسألة الثالثة: القياس، مما يكون فيه تصويب لهذا الدخول، قلنا: الاتفاق، والقاعدة العامة، والقياس، وما يعبر عنه العلماء أن هذا قياس دخول الحمام بهذه المراحل، قياسا عكسيا لما يكون من دخول المساجد. فإن دخول المساجد قد دلت الأدلة على أن الدخول باليمنى، والخروج باليسرى، قال: «وهكذا يعامل الحمام بالضد»، فيكون العكس، الدخول باليسرى، والخروج باليمنى، إذن بهذه الضوابط الثلاثة، الاتفاق، والقاعدة العامة، والقياس، استدل العلماء على تصويب هذا الفعل، على أن الداخل إلى الخلاء يكون باليسرى، والخارج يكون باليمنى. هذه أهم المسائل إخواني في الله المتعلقة بهذا المبحث الثاني من مباحث آداب الخلاء، وما يتعلق بالذكر الوارد، وما تفرع عنه من مسائل، وإن شاء الله في درس غد ندخل في أدب آخر، أو في مسألة أخرى من مسائل آداب الخلاء، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.