تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 13

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 13

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آيات القتال في سبيل الله وضابط الجهاد الشرعي عند السعدي

يبيّن السعدي أن الأمر بالقتال جاء بعد تمكين المسلمين، وأن الحكمة اقتضت تأخيره في حال الضعف درءًا للمفاسد. ويؤكد أن القتال في سبيل الله يهدف لإعلاء كلمة التوحيد لا للعصبية، مستدلًا بحديث النبي ﷺ: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله».

ضوابط القتال ومن يُقتل ومن يُعصم في الجهاد

يوضح المقطع أن القتال يقتصر على الرجال القادرين من الكفار الحربيين، بينما يُعصم دماء النساء والأطفال والشيوخ والمجانين والرهبان إلا إذا شاركوا في القتال. كما ينهى عن الاعتداء كالتمثيل بالقتلى وقتل الحيوانات وقطع الأشجار بغير مصلحة، ويحرم قتال من بذل الجزية.

أحكام القتال في سبيل الله واستثناء المسجد الحرام وقاعدة ارتكاب أخف المفسدتين

تفسر الآية الأمر بقتال الكفار أينما ثُقفوا شاملًا الدفاع والهجوم، مع استثناء المسجد الحرام إلا إذا بدأوا القتال. ويستدل بها على قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، حيث قتال المعتدين في الحرم أهون من تركهم يفتنون الناس عن دينهم، وغاية القتال إقامة دين الله لا سفك الدماء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. قال: هذه الآيات تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، أمرهم الله به بعدما كانوا مأمورين بكف أيديهم. يعني: لما كانوا في مكة كان المسلمون مستضعفين، فلم يؤمروا بالقتال في العهد المكي لضعفهم وعدم قوتهم، فكان من المصلحة الصبر وعدم القتال؛ لأنهم لو قاتلوا في مثل تلك الحال سيترتب على ذلك مفاسد أعظم من المصالح المقصودة، فكان من المصلحة تأخير القتال. وهكذا إذا كان المسلمون في ضعف وعدم قوة فليس من الحكمة أن يقاتلوا مع ضعفهم؛ لأن هذا سيؤدي إلى هزيمتهم والتنكيل بهم وسفك دماء المسلمين وانتهاك أعراضهم، فلذلك في مثل هذه الحال ما على أهل الإسلام إلا الصبر. قالوا: في تخصيص القتال في سبيل الله حث على الإخلاص ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين، فالأمر بالقتال جاء في سبيل الله، أي: ما كان المقصود منه إعلاء كلمة التوحيد. فسئل النبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، الرجل يقاتل عصبية، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه، فأي ذلك في سبيل الله؟» فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله». فهذا هو ضابط الجهاد الشرعي مع توفر شروط الجهاد الأخرى: أن يكون القتال لأجل إعلاء كلمة الله، لا انتصارا للنفس، ولا انتصارا لطائفة معينة، ولا لأجل عصبية أو حمية، وإنما لإعلاء كلمة الله. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: أي الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال، غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. يعني: الذين يقاتلون من الكفار، والمراد بهم الكفار الحربيون الذين ليس بيننا وبين أهل الإسلام عهد ولا ذمة، فالمراد بهم هؤلاء هم الرجال من الكفار الذين عندهم قدرة واستطاعة للقتال، فلا يدخل في ذلك الشيوخ كبار السن، فهؤلاء نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم إلا إذا كان لهم رأي، كانوا من ذوي الرأي ممن يستشيرونهم في القتال، فإنه يعتبر منهم. وهكذا أيضا لا يقتل من الكفار النساء والصبيان. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: قال: والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال والرهبان ونحوهم. قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرة امرأة مقتولة في إحدى الغزوات، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما كان لهذه أن تقاتل، ما كان لهذه أن تقاتل». فالنساء منذ أزمنة بعيدة لا يقاتلن في الحروب، بل يعتبرن من الغنائم، فهم هنا من السبي الذي يسبى. وهكذا الأطفال أيضا، كذلك إلا إذا كانوا تبعا في قتال الكفار، كأن يغير مثلا أهل الإسلام على أهل الكفر ويختلط النساء والصبيان مع الرجال، فحينئذ يقتلون تبعا، والقاعدة الشرعية: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. وهكذا أيضا المجانين والرهبان، أي العباد، فهؤلاء أيضا لا يقتلون. قال: والتمثيل بالقتل أيضا لا يجوز، التمثيل بالقتل وقد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، أن يمثل بالقتل كما رواه بريدة في مسلم، إلا إذا كان من باب القصاص. قال: وقتل الحيوانات وقطع الأشجار ونحوها أيضا كذلك لا يجوز، قتل الحيوانات لأنها لا فائدة من قتلها، وهكذا أيضا قطع الأشجار وإفسادها وإتلافها إلا لمصلحة، لغير مصلحة تعود للمسلمين، أما إن كان هناك مصلحة كالتنكيل بالكفار ونحو ذلك فلا بأس بذلك، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود. قال: ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإن ذلك لا يجوز، كاليهود والنصارى، والمجوس، على القول الصحيح، كل طائفة من طوائف الكفر إذا دفعت الجزية فإنه تقبل منهم ويكف عن قتالهم، ولا يجوز حينئذ أن يقاتلوا إذا دفعوا الجزية. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: قال: هذا أمر بقتالهم أينما وجدوا، في كل وقت وفي كل زمان، قتال مدافعة وقتال مهاجمة، يعني: إن قاتلوهم قاتلوا أهل الإسلام فيقاتلون ويدفعون، وإن قدر أهل الإسلام واستطاعوا على قتالهم ومهاجمتهم فعلوا ذلك. قال: ثم استثنى من هذا العموم قتالهم عند المسجد الحرام، وأنه لا يجوز إلا أن يبدأوا بالقتال، فإنهم يقاتلون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم، ولو حصل منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام، وصد الرسول والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته وكرمه بعباده أن يتوب عليهم مهما عظمت ذنوبهم، حتى لو كانت ذنوبهم من أعظم الذنوب على جهة الإطلاق وهو الشرك بالله جل وعلا. قالوا: لما كان القتال عند المسجد الحرام يتوهم أنه مفسد في هذا البلد الحرام، أخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك والصد عن دينه أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم أيها المسلمون حرج في قتالهم. ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. فقتالهم عند المسجد الحرام مفسدة، وتركهم من غير قتال مفسدة أعظم، وإذا اجتمعت مفسدتان فإنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. فلما كان تركهم من غير قتال مع اعتدائهم على أهل الإسلام عند المسجد الحرام مفسدة عظيمة، يرتكب المفسدة الأدنى وهي قتالهم وردهم عن كفرهم وشركهم، وكذلك أيضا ردهم إلى الإسلام، إن أسلموا بعد القتال مثلا، فالمهم أن قتالهم مفسدة أدنى من مفسدة تركهم بغير قتال، فلأجل ذلك جاءت الشريعة بجواز قتالهم إن اعتدوا. قال: ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن يكون الدين لله تعالى، يظهر دين الله تعالى على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة. فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال، يعني: إذا حصل المقصود بذلك من إظهار دين الله وأن يكون الدين لله، فحينئذ يكف عن القتال. فهذا هو المقصود من قتال الكفار: أن تكون الأرض لله لعباده الصالحين المؤمنين. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: أي فليس عليهم منكم اعتداء إلا من ظلم منهم، فإنه يستحق معاقبته بقدر ظلمه. طيب، إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.